القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: إن الله لا يفعَلُ بخلْقِه ما لا يَسْتَحِقُون منه؛ لا يُعاقِبُهم إلا بمعصيتهم إيَّاه، ولا يُعَذِّبهم إلا بكفرهم به، ﴿وَلَكِنَّ النَّاسَ﴾. يقولُ: ولكن الناس هم الذين يَظْلِمون أنفسَهم، باجْتِرامِهم ما يُورِثُها غضبَ اللَّهِ وسَخَطَه.
وإنما هذا إعلام من الله تعالى ذكرُه لنبيه محمد ﷺ والمؤمنين به، أنه لم يَسْلُبْ هؤلاء الذين أخبر جلّ ثناؤه عنهم أنهم لا يُؤْمِنون، الإيمان ابتداءً منه بغيرِ جُزمٍ سَلَفَ منهم، وإخبارٌ أنه إنما سَلَبَهم ذلك باستحقاقٍ منهم سَلْبَه، لذنوبٍ اكْتَسَبوها، فحَقَّ عليهم قولُ ربّهم: ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ٨٧].
َ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلا﴾ [الفرقان: ٤١، ٤٢].
ثم أخبر تعالى أنه لا يظلم أحدا شيئًا، وإن كان قد هدى به من هدى [من الغي] وبصر به من العمى، وفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبًا غلفا، وأضل به عن الإيمان آخرين، فهو الحاكم المتصرف في ملكه بما يشاء، الذي لا يُسْأل عما يفعل وهم يسألون، لعلمه وحكمته وعدله؛ ولهذا قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) وفي الحديث عن أبي ذر عن النبي ﷺ، فيما يرويه عن ربه ﷿: "يا عبادي، إني حرّمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا -إلى أن قال في آخره: يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نفسه". رواه مسلم بطوله.