القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾.
يقول تعالى ذكرُه: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ﴾ يوسُفُ ﴿أَشُدَّهُ﴾. يقولُ: ولمَّا بَلَغَ مُنْتَهى شدتِه وقوتِه فى شبابِه وحَدِّه، وذلك فيما بينَ ثمانيَ عشرةَ سنةً إلى ستين سنةً، وقيل: إلى أربعين سنةً.
يقالُ منه: مضَت أشُدُّ الرجلِ. أى: شدتُه. وهو جمعٌ مثلُ الأضُرِّ والأُشُرِّ لم يُسْمَعْ له بواحدٍ مِن لفظِه، ويَجِبُ فى القياسِ أن يكونَ واحدُه "شَدٌّ"، كما واحدُ الأضُرِّ ضَرٌّ، وواحدُ [الأشُرِّ شَرٌّ]، كما قال الشاعرُ:
هل غيرُ أن كثُر الأشُرُّ وأَهْلَكَت … حَرْبُ المُلوكِ أكاثِرَ الأموالِ
وقال حُميدٌ:
وقد أتَى لو تُعْتِبُ العَواذِلُ … بعدَ الأَشُدِّ أربعٌ كَوامِلُ
وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى الذى عنَى اللهُ به فى هذا الموضعِ مِن مبلغِ "الأشُدِّ"؛ فقال بعضُهم: عُنِى به ثلاثٌ وثلاثون سنةً.
ذكرُ مَن قال ذلك
امِلُ
وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ فى الذى عنَى اللهُ به فى هذا الموضعِ مِن مبلغِ "الأشُدِّ"؛ فقال بعضُهم: عُنِى به ثلاثٌ وثلاثون سنةً.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ والحسنُ بنُ محمدٍ، قالا: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾. قال: ثلاثًا وثلاثين سنةً.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
[حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ مثلَه].
حُدِّثْتُ عن علىِّ بنِ الهيثمِ، عن بشرِ بنِ المفضلِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عثمانَ بنِ خُثَيْمٍ، عن مجاهدٍ، قال: سمعتُ ابنَ عباسٍ يقولُ في قولِه: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾. قال: بضعًا وثلاثين سنةً.
وقال آخرون: بل عُنِى به عشرون سنةً.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثْتُ عن علىِّ بنِ المسيبِ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾.
وقال آخرون: بل عُنِى به عشرون سنةً.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثْتُ عن علىِّ بنِ المسيبِ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾. قال: عشرين سنةً.
ورُوِى عن ابنِ عباسٍ مِن وجهٍ غيرِ مَرْضىٍّ أنه قال: ما بينَ ثمانيَ عشْرةَ سنةً إلى ثلاثين.
وقد بيَّنْتُ معنى "الأشُدِّ".
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ أن يقالَ: إن اللهَ ﷿ أخْبَر أنه آتَى يوسُفَ لمَّا بلَغ أشُدَّه حُكْمًا وعلمًا. والأشُدُّ هو انتهاءُ قوتِه وشبابِه، وجائزٌ أن يكونَ آتاه ذلك وهو ابنُ ثمانيَ عشْرةَ سنةً، وجائزٌ أن يكونَ آتاه وهو ابنُ عشرين سنةً، وجائزٌ أن يكونَ آتاه وهو ابنُ ثلاثٍ وثلاثين سنةً، ولا دلالةَ [له في كتابٍ] ولا أثرٍ عن الرسولِ ﷺ ولا في إجماعِ الأمةِ، على أىِّ ذلك كان، وإذ لم يَكُنْ ذلك موجودًا مِن الوجهِ الذى ذكَرْتُ، فالصوابُ أن يقالَ فيه كما قال ﷿ حتى تَثْبُتَ حجةٌ بصحةِ ما قيل في ذلك مِن الوجهِ الذى يَجِبُ التسليمُ له، فيُسَلَّمَ لها حينَئذٍ.
وقولُه: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾.
ه كما قال ﷿ حتى تَثْبُتَ حجةٌ بصحةِ ما قيل في ذلك مِن الوجهِ الذى يَجِبُ التسليمُ له، فيُسَلَّمَ لها حينَئذٍ.
وقولُه: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أعْطَيْناه حينَئذٍ الفهمَ والعلمَ.
كما حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. قال: العقلَ والعلمَ قبل النبوةِ.
وقولُه: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكما جزَيْتُ يوسُفَ فآتَيْتُه بطاعتِه إياى الحكمَ والعلمَ، ومكَّنْتُه فى الأرضِ، واسْتَنْقَذْتُه مِن أيدى إخوتِه الذين أرادوا قتلَه، كذلك نَجْزِى مَن أَحْسَن فى عملِه فأطاعنى فى أمرى، وانْتَهَى عما نهَيْتُه عنه مِن معاصىَّ.
الأرضِ، واسْتَنْقَذْتُه مِن أيدى إخوتِه الذين أرادوا قتلَه، كذلك نَجْزِى مَن أَحْسَن فى عملِه فأطاعنى فى أمرى، وانْتَهَى عما نهَيْتُه عنه مِن معاصىَّ.
وهذا وإن كان مخرجُ ظاهرِه على كلِّ محسنٍ، فإن المرادَ به محمدٌ نبيُّ الله ﷺ يقولُ له ﷿: كما فعَلْتُ هذا بيوسُفَ مِن بعدِ ما لقِى مِن إخوتِه ما لقِى وقاسَى مِن البلاءِ ما قاسَى، فمكَّنْتُه في الأرضِ، ووطَّأْتُ له في البلادِ، فكذلك أَفْعَلُ بك، فأُنَجِّيك مِن مشركي قومِك الذين يَقْصِدونك بالعَداوةِ، وأُمَكِّنُ لك في الأرضِ، وأُوتِيك الحكمَ والعلمَ؛ لأن ذلك جَزائي أهل الإحسانِ في أَمْرِى ونهيي.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. يقولُ: المُهْتدِين.
﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٢١) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٢٢)﴾
يخبر تعالى بألطافه بيوسف، ﵇، أنه قيض له الذي اشتراه من مصر، حتى اعتنى به وأكرمه، وأوصى أهله به، وتوسم فيه الخير والفلاح، فقال لامرأته: (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) وكان الذي اشتراه من مصر عزيزها، وهو الوزير بها.
يه الخير والفلاح، فقال لامرأته: (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) وكان الذي اشتراه من مصر عزيزها، وهو الوزير بها. [قال] العوفي، عن ابن عباس: وكان اسمه قطفير.
وقال محمد بن إسحاق: اسمه إطفير بن روحيب، وهو العزيز، وكان على خزائن مصر، وكان الملك يومئذ الريَّان بن الوليد، رجل من العماليق قال: واسم امرأته راعيل بنت رعائيل.
وقال غيره: اسمها زليخا.
وقال محمد بن إسحاق أيضا، عن محمد بن السائب، عن أبي صالح، عن ابن عباس: كان الذي باعه بمصر مالك بن دعر بن بُويب بن عنقا بن مديان بن إبراهيم، فالله أعلم.
وقال أبو إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: أفرس الناس ثلاثة: عزيز مصر حين قال لامرأته: (أَكْرِمِي مَثْوَاهُ) والمرأة التي قالت لأبيها [عن موسى]: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب، ﵄.
ها [عن موسى]: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب، ﵄.
يقول تعالى: وكما أنقذنا يوسف من إخوته، (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرْضِ) يعني: بلاد مصر، (وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ) قال مجاهد والسدي: هو تعبير الرؤيا، (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) أي إذا أراد شيئا فلا يرد ولا يمانع ولا يخالف، بل هو الغالب لما سواه.
قال سعيد بن جبير في قوله: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) أي: فعال لما يشاء.
وقوله: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) يقول: لا يدرون حكمته في خلقه، وتلطفه لما يريد.
وقوله: (وَلَمَّا بَلَغَ) أي: يوسف ﵇ (أَشُدَّهُ) أي: استكمل عقله وتم خلقه.
َرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) يقول: لا يدرون حكمته في خلقه، وتلطفه لما يريد.
وقوله: (وَلَمَّا بَلَغَ) أي: يوسف ﵇ (أَشُدَّهُ) أي: استكمل عقله وتم خلقه. (آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا) يعني: النبوة، إنه حباه بها بين أولئك الأقوام، (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) أي: إنه كان محسنًا في عمله، عاملا بطاعة ربه تعالى.
وقد اختُلِف في مقدار المدة التي بلغ فيها أشده، فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ثلاث وثلاثون. وعن ابن عباس: بضع وثلاثون. وقال الضحاك: عشرون. وقال الحسن: أربعون سنة. وقال عكرمة: خمس وعشرون سنة. وقال السدي: ثلاثون سنة. وقال سعيد بن جبير: ثمانية عشرة سنة. وقال الإمام مالك، وربيعة، وزيد بن أسلم، والشعبي: الأشد الحلم. وقيل غير ذلك،
والله أعلم.