القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾.
وهذا خبرٌ مِن يوسُفَ ﵇ للقومِ، عما لم يَكُنْ في رؤيا مَلكِهم، ولكنه مِن علمِ الغيبِ الذي آتاه اللهُ دلالةً على نبوتِه، وحجةً على صدقِه.
كما حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: ثم زاده اللهُ علمَ سَنَةٍ لم يَسْأَلوه عنها، فقال: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾.
ويعنى بقولِه: ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾: بالمطرِ والغيثِ.
وبنحوِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قوله: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾. [قال: فيه يُغاثون بالمطرِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدَ الواسطيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾.
النَّاسُ﴾. [قال: فيه يُغاثون بالمطرِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدَ الواسطيُّ، عن جويبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾. قال]: بالمطرِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ﴾. قال: أخْبَرَهم بشيءٍ لم يَسْأَلوه عنه، وكان اللهُ قد علَّمه إياه؛ ﴿عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾: بالمطرِ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ﴾ بالمطرِ.
وأما قولُه: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. فإن أهلَ التأويلِ اخْتَلَفوا في تأويِله؛ فقال بعضُهم: معناه: وفيه يَعْصِرون العنبَ والسِّمْسِمَ وما أشبَه ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾.
السِّمْسِمَ وما أشبَه ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. قال: الأعنابَ والدُّهْنَ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، قال: قال ابن عباسٍ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ السِّمْسِمَ دُهْنُا، والعنبَ خمرًا، والزيتونَ زيتًا.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. يقولُ: يُصِيبُهم غيثٌ، فيَعْصِرون فيه العنبَ، ويَعْصِرون فيه الزيتَ، ويَعْصِرون مِن كلِّ الثَّمراتِ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. قال: يَعْصِرون أعنابَهم.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسْباطَ، عن السديِّ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾.
ن مجاهدٍ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. قال: يَعْصِرون أعنابَهم.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ محمدٍ، عن أسْباطَ، عن السديِّ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. قال: العنبَ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ محمدٍ، [قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدَ الواسطيُّ، عن جُوَيْبرٍ، عن الضحاكِ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾]. [قال: الزيتَ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، [قال: حدثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾]. قال: كانوا يَعْصِرون الأعنابَ والثَّمراتِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. قال: يَعْضِرون الأعنابَ والزيتونَ والثمارَ مِن الخَصْبِ، هذا علمٌ آتاه اللهُ يوسُفَ لم يُسْأَلْ عنه.
وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾: وفيه يَحْلِبون.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى [فرجُ بنُ فضالةَ]، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾.
يَحْلِبون.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى [فرجُ بنُ فضالةَ]، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. قال: فيه يَحْلِبون.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: أخْبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبى حمادٍ،
قال: ثنا الفرجُ بنُ فَضالةَ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، قال: كان ابن عباسٍ يَقْرَأُ: (فيه [تَعْصِروا) بالتاءِ]، يعنى تَحْتَلِبون.
واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُ قرأةٍ أهلِ المدينةِ والبصرةِ والكوفةِ: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ بالياءِ، بمعنى ما وصَفْتُ مِن قولِ مَن قال: عصرُ الأعنابِ والأدْهانِ.
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: (وفيه تَعْصِرون) بالتاءِ، وقرَأه بعضُهم: (وفيه يُعْصَرون).
عنى ما وصَفْتُ مِن قولِ مَن قال: عصرُ الأعنابِ والأدْهانِ.
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الكوفيين: (وفيه تَعْصِرون) بالتاءِ، وقرَأه بعضُهم: (وفيه يُعْصَرون). بمعنى: يُمْطَرون.
وهذه قراءةٌ لا أَسْتَجِيرُ القراءةَ بها؛ لخلافِها ما عليه قرأةُ الأمصارِ.
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك أن لقارئِه الخيارَ في قراءتِه بأيِّ القراءتين الأُخْرَيَينْ شاء؛ إن شاء بالياءِ ردًّا على [الخبرِ به] عن الناسِ، على معنى: فيه يُغاثُ الناسُ وفيه يَعْصِرون أعنابَهم وأدهانَهم، وإن شاء بالتاءِ ردًّا على قولِه: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾، وخطابًا به لمن خاطَبه بقولِه: ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا
مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾ - لأنهما قراءتان مُسْتَفِيضتان في قرأةِ الأمصارِ باتفاقِ المعنى، وإن اخْتَلَفت الألفاظُ بهما. وذلك أن المخاطَبِين بذلك كان لا شكَّ أنهم إذا أُغِيثوا وعصَروا، أُغِيث الناسُ الذين كانوا بناحيتِهم وعصَروا، وكذلك كانوا إذا أُغِيث الناسُ بناحيتِهم وعصَروا، أُغِيث المخاطَبون وعصَروا.
َ أنهم إذا أُغِيثوا وعصَروا، أُغِيث الناسُ الذين كانوا بناحيتِهم وعصَروا، وكذلك كانوا إذا أُغِيث الناسُ بناحيتِهم وعصَروا، أُغِيث المخاطَبون وعصَروا. فهما متفقتا المعنى، وإن اخْتَلَفَت الألفاظُ بقراءةِ ذلك.
وكان بعضُ مَن لا علمَ له بأقوالِ السلفِ مِن أهلِ التأويلِ، ممن يُفَسِّرُ القرآنَ برأيِه على مذهبِ كلامِ العربِ، يُوَجِّهُ معنى قولِه: ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾. إلى: وفيه يَنْجُون من الجَدْبِ والقَحْطِ بالغَيْثِ، ويَزْعُمُ أَنه مِن العَصَرِ، والعَصَرُ التي بمعنى المَنْجاةِ، مِن قولِ أبى زُبَيْدٍ الطائيِّ:
صادِيًا يَسْتَغِيثُ غيرَ مُغاثٍ … ولقد كان عُصْرةَ المنجودِ
أي: المقهورِ، ومِن قولِ لَبيدٍ:
فبات [وأسْرَى] القومُ آخرَ ليلِهم … وما كان وَفَّافًا بغيرِ مُعَصَّرٍ
وذلك تأويلٌ يَكْفِى مِن الشهادةِ على خطئِه خلافُه قولَ جميعٍ أهلِ العلمِ مِن الصحابةِ والتابعين.
لقومُ آخرَ ليلِهم … وما كان وَفَّافًا بغيرِ مُعَصَّرٍ
وذلك تأويلٌ يَكْفِى مِن الشهادةِ على خطئِه خلافُه قولَ جميعٍ أهلِ العلمِ مِن الصحابةِ والتابعين.
وأما القولُ الذي روَى الفرجُ بنُ فَضَالةَ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، فقولٌ لا معنى له؛ لأنه خلافُ المعروفِ مِن كلامِ العربِ، وخلافُ ما يُعْرَفُ مِن قولِ ابن عباسٍ ﵄.
َ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلا قَلِيلا مِمَّا تُحْصِنُونَ (٤٨) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾
واعتذروا إليه بأن هذه (أَضْغَاثُ أَحْلامٍ) أي: أخلاط اقتضت رؤياك هذه (وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحْلامِ بِعَالِمِينَ) أي: ولو كانت رؤيا صحيحة من أخلاط، لما كان لنا معرفة بتأويلها، وهو تعبيرها. فعند ذلك تَذَكَّرَ ذلك الذي نجا من ذينك الفتيين اللذين كانا في السجن مع يوسف، وكان الشيطان قد أنساه ما وصّاه به يوسف، من ذكر أمره للملك، فعند ذلك تذكر (بَعْدَ أُمَّةٍ) أي: مدة -وقرأ بعضهم: "بعد أَمِةٍ" أي: بعد نسيان، فقال للملك والذين جمعهم لذلك: (أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ) أي: بتأويل هذا المنام، (فَأَرْسِلُونِ) أي: فابعثون إلى يوسف الصديق إلى السجن. ومعنى الكلام: فبعثوا فجاء.
هم لذلك: (أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ) أي: بتأويل هذا المنام، (فَأَرْسِلُونِ) أي: فابعثون إلى يوسف الصديق إلى السجن. ومعنى الكلام: فبعثوا فجاء. فقال: (يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا) وذكر المنام الذي رآه الملك، فعند ذلك ذكر له يوسف، ﵇، تعبيرها من غير تعنيف لذلك الفتى في نسيانه ما وصاه به، ومن غير اشتراط للخروج قبل ذلك، بل قال: (تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا) أي يأتيكم الخصب والمطر سبع سنين متواليات، ففسر البقر بالسنين؛ لأنها تثير الأرض التي تُسْتغل منها الثمرات والزروع، وهن السنبلات
سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا) أي يأتيكم الخصب والمطر سبع سنين متواليات، ففسر البقر بالسنين؛ لأنها تثير الأرض التي تُسْتغل منها الثمرات والزروع، وهن السنبلات
الخضر، ثم أرشدهم إلى ما يعتمدونه في تلك السنين فقال: (فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلا قَلِيلا مِمَّا تَأْكُلُونَ) أي: مهما استغللتم في هذه السبع السنين الخصب فاخزنوه في سنبله، ليكون أبقى له وأبعد عن إسراع الفساد إليه، إلا المقدار الذي تأكلونه، وليكن قليلا قليلا لا تسرفوا فيه، لتنتفعوا في السبع الشداد، وهن السبع السنين المُحْل التي تعقب هذه السبع متواليات، وهن البقرات العجاف اللاتي يأكلن السِّمان؛ لأن سنى الجَدْب يؤكل فيها ما جَمَعَوه في سنى الخصب، وهن السنبلات اليابسات.
وأخبرهم أنهن لا ينبتن شيئا، وما بذروه فلا يرجعون منه إلى شيء؛ ولهذا قال: (يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلا قَلِيلا مِمَّا تُحْصِنُونَ)
ليابسات.
وأخبرهم أنهن لا ينبتن شيئا، وما بذروه فلا يرجعون منه إلى شيء؛ ولهذا قال: (يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلا قَلِيلا مِمَّا تُحْصِنُونَ)
ثم بشرهم بعد الجَدْب العام المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك (عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ) أي: يأتيهم الغيث، وهو المَطرُ، وتُغل البلاد، ويَعصرُ الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم، من زيت ونحوه، وسكر ونحوه حتى قال بعضهم: يدخل فيه حلب اللبن أيضًا.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) يحلبون.