القول في تأويل قوله عزّ ذكرُه: ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢)﴾.
اختلفت القرأةُ في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرأةِ المدينة والشامِ: (اللَّهُ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ). برفعِ اسمِ الله على الابتداء، وتصييرِ قولِه: ﴿الَّذِى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ خبرَه.
وقرأته عامَّةُ قرأة أهل العراقِ والكوفةِ والبصرة: ﴿اللَّهِ الَّذِى﴾. بخفض اسم الله، على إتباع ذلك ﴿الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، وهما خفضٌ.
وقد اختلَف أهلُ العربية في تأويله إذا قُرِئ كذلك، فذُكر عن أبي عمرِو بن العلاء، أنه كان يَقْرَؤُه بالخفضِ، ويَقُولُ: معناه: بإذن ربهم إلى صراط الله العزيز الحميدِ، الذي له ما في السماواتِ، ويَقُولُ: هو مِن المؤخَّرِ الذي معناه
التقديم. ويُمثِّله بقول القائل: مَرَرْتُ بالظريف عبد الله.
ى صراط الله العزيز الحميدِ، الذي له ما في السماواتِ، ويَقُولُ: هو مِن المؤخَّرِ الذي معناه
التقديم. ويُمثِّله بقول القائل: مَرَرْتُ بالظريف عبد الله. والكلام الذي يوضع مكان الاسم النعتُ، ثم يُجْعَلُ الاسم مكان النعتِ، فيَتْبَعُ إعرابه إعراب النعتِ الذي وُضِع موضع الاسم، كما قال بعض الشعراء:
لو كنتُ ذا نَبْلٍ وذا شَرِيبٍ … ما خِفْتُ شَدَّات الخبيث الذيبِ
وأما الكسائي فإنه كان يقولُ، فيما ذُكر عنه: مَن حَفَض أراد أن يَجْعَلَه كلاما واحدًا، وأتبع الخفض الخفض.
ذا شَرِيبٍ … ما خِفْتُ شَدَّات الخبيث الذيبِ
وأما الكسائي فإنه كان يقولُ، فيما ذُكر عنه: مَن حَفَض أراد أن يَجْعَلَه كلاما واحدًا، وأتبع الخفض الخفض. وبالخفضِ كان يَقْرَأُ.
والصوابُ مِن القول في ذلك عندى أنهما قراءتان مشهورتان، قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهما أئمةٌ مِن القرأة، معناهما واحدٌ، فبأيتِهما قرأ القارئ فمصيبٌ، وقد يجوزُ أن يكون الذي قرأه بالرفعِ، أراد معنى من خفض في إتباع الكلام بعضه بعضا، ولكنه رفع لانفصالِه من الآية التي قبلَه، كما قال جل ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالِهُم﴾ إلى آخر الآية، ثم قال: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١١، ١١٢].
ومعنى قوله: ﴿اللَّهِ الَّذِى لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾: الله الذي يملكُ جميعَ ما في السماوات وما في الأرضِ، يقول لنبيه محمد ﷺ: أنزلنا إليك هذا الكتابَ، لتَدْعُوَ عبادى إلى عبادة من هذه صفتُه، ويدعوا عبادةَ مَن لا يَمْلك لهم ولا لنفسه ضَرًّا ولا نفعًا من الآلهة والأوثانِ.
د ﷺ: أنزلنا إليك هذا الكتابَ، لتَدْعُوَ عبادى إلى عبادة من هذه صفتُه، ويدعوا عبادةَ مَن لا يَمْلك لهم ولا لنفسه ضَرًّا ولا نفعًا من الآلهة والأوثانِ. ثم توعد جلَّ ثناؤُه مَن كَفَر به ولم يَسْتَجِبْ لدعاءِ رسوله إلى ما دعاه إليه من إخلاص التوحيد له، فقال: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. يقولُ: الوادى الذي يَسيلُ من صديد
أهلِ جهنم لمن جحد وحدانيته، وعبد معه غيرَه، مِن عذابِ اللَّهِ الشديدِ.
﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٣)﴾
قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور.
(كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ) أي: هذا كتاب أنزلناه إليك يا محمد، وهو القرآن العظيم، الذي هو أشرف كتاب أنزله الله من السماء، على أشرف رسول بعثه الله في الأرض، إلى جميع أهلها عربهم وعجمهم.
ا كتاب أنزلناه إليك يا محمد، وهو القرآن العظيم، الذي هو أشرف كتاب أنزله الله من السماء، على أشرف رسول بعثه الله في الأرض، إلى جميع أهلها عربهم وعجمهم.
(لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) أي: إنما بعثناك يا محمد بهذا الكتاب؛ لتخرج الناس مما هم فيه من الضلال والغي إلى الهدى والرشد، كما قال: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ الآية [البقرة: ٢٥٧]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الحديد: ٩].
لآية [البقرة: ٢٥٧]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الحديد: ٩].
وقوله: (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) أي: هو الهادي لمن قَدر له الهداية على يدي رسوله المبعوث عن أمره يهديهم (إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ) أي: العزيز الذي لا يمانع ولا يغالب، بل هو القاهر لكل ما سواه، "الحميد" أي: المحمود في جميع أفعاله وأقواله، وشرعه وأمره ونهيه، الصادق في خبره.
وقوله: (اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ) قرأه بعضهم مستأنفا مرفوعا، وقرأه آخرون على الإتباع صفة للجلالة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقوله: (وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) أي: ويل لهم يوم القيامة إذ خالفوك يا محمد
وكذبوك.
لْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقوله: (وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) أي: ويل لهم يوم القيامة إذ خالفوك يا محمد
وكذبوك.
ثم وصفهم بأنهم يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، أي: يقدمونها ويُؤثرونها عليها، ويعملون للدنيا ونَسُوا الآخرة، وتركوها وراء ظهورهم، (وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) وهي اتباع الرسل (وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا) أي: ويحبون أن تكون سبيل الله عوجًا مائلة عائلة وهي مستقيمة في نفسها، لا يضرها من خالفها ولا من خذلها، فهم في ابتغائهم ذلك في جهل وضلال بعيد من الحق، لا يرجى لهم -والحالة هذه -صلاح.