القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: إنا كفَيْناك المستهزئين يا محمدُ، الذين يَسْتَهْزِئون بك، ويَسْخرون منك، فاصْدَعْ بأمرِ اللَّهِ، ولا تَخَفْ شيئًا سوى اللَّهِ،
فإن اللَّهَ كافيك مَن ناصَبك وآذاك، كما كفاك المستهزِئين. وكان رؤساءُ المستهزِئين قومًا مِن قريشٍ معروفين.
ذكرُ أسمائِهم
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: ثنى محمدٌ، قال: كان عظماءُ المستهزِئين، كما حدَّثني يزيدُ بنُ رومانَ، عن عروةَ بن الزُّبيرِ، خمسةَ نفرٍ من قومِه، وكانوا ذوِى أسنانٍ وشرفٍ في قومِهم؛ مِن بني أسدِ بن عبدِ العُزَّى بن قُصَيٍّ: الأسودُ بنُ المطلبِ أبو زمْعَةَ - وكان رسولُ اللَّهُ ﷺ فيما بلَغني قد دعا عليه؛ لِما كان يَبْلُغُه مِن أذاه واستهزائِه، فقال: "اللهمَّ أعْمِ بصرَه، وأثْكِلْه ولدَه" - ومن بني زُهرةَ: الأسودُ بنُ عبدِ يَغُوثَ بن وهَبِ بن عبدِ منافِ
لِما كان يَبْلُغُه مِن أذاه واستهزائِه، فقال: "اللهمَّ أعْمِ بصرَه، وأثْكِلْه ولدَه" - ومن بني زُهرةَ: الأسودُ بنُ عبدِ يَغُوثَ بن وهَبِ بن عبدِ منافِ بن زُهرةَ، ومِن بني مخزومٍ: الوليدُ بنُ المغيرةِ بن عبدِ اللَّهِ [بن عمرَ] بن مخزومٍ، ومن بني سَهمِ بن عمرِو بن هُصَيصِ بن كعبِ بن لؤىٍّ: العاصُ بنُ وائلِ بن هشامِ بن سُعَيدِ بن سَهْمٍ، ومن خُزَاعةَ: الحارثُ بنُ الطُّلاطِلة بن عمرِو بن الحارثِ بن عبدِ عمرِو بن مَلْكان، فلما تمادَوْا في الشرِّ، وأكثَروا برسولِ اللَّهِ ﷺ الاستهزاءَ، أنزَل اللَّهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. إلى قولِه: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾.
تعالى ذكرُه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. إلى قولِه: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. قال محمدُ بنُ إسحاقَ: فحدَّثني يزيدُ بن رُومانَ، عن عُرُوةَ بن الزبيرِ، أو غيرِه مِن العلماءِ، أن جبريلَ أتى رسولَ اللَّهِ ﷺ وهم يَطُوفون بالبيتِ، فقام وقام رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى جنبِه، فمرَّ به الأسودُ بنُ المطلبِ، فرمَى في وجهِه بورقةٍ خضراءَ فعَمِى ومرَّ به الأسودُ بنُ عبدِ يَغُوثَ، فأشَار إلى بطنِه، فاسْتَسْقَى
بطنُه، فمات منه حَبَنًا. ومرَّ به الوليدُ بنُ المُغيرةِ، فأشار إلى أثرِ جُرْحٍ بأسفلِ كعبِ رجلِه كان أصابه قبلَ ذلك بسنين، وهو يَجُرُّ سَبَلَه - يَعْنى إزارَه - وذلك أنه مرَّ برجلٍ مِن خزاعةً يَرِيشُ نَبْلًا له، فتَعَلَّق سهمٌ مِن نَبْلِه بإزارِه، فخدَش رجلَه ذلك الخدشَ، وليس بشيءٍ، فانْتَقَض به فقتَله.
رَه - وذلك أنه مرَّ برجلٍ مِن خزاعةً يَرِيشُ نَبْلًا له، فتَعَلَّق سهمٌ مِن نَبْلِه بإزارِه، فخدَش رجلَه ذلك الخدشَ، وليس بشيءٍ، فانْتَقَض به فقتَله. ومرَّ به العاصُ بنُ وائلٍ السَّهْمِيُّ، فأشار إلى أَخْمَصِ رجلِه، فخرَج على حمارٍ له يُريدُ الطائفَ، فربَض على شِبْرِقةٍ، فدخَل في أخْمَصِ رجلِه منها شوكةٌ، فقتلَته - قال أبو جعفرٍ: الشِّبرقةُ: المعروفُ بالحَسَكِ. منه حَبَنًا، والحَبَنُ: الماءُ الأصفرُ - ومرَّ به الحارثُ بنُ الطُّلاطِلةِ، فأشار إلى رأسِه، فامتَخَط قَيْحًا فقتَله.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن أبي محمدٍ القرشيِّ، عن رجلٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كان رأسُهم الوليدَ بنَ المُغيرةِ، وهو الذي جمَعهم.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن زيادٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾.
ُغيرةِ، وهو الذي جمَعهم.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن زيادٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. قال: كان المستهزئين الوليدُ بنُ المغيرةِ، والعاصُ بنُ وائلٍ، وأبو زَمْعةَ، والأسودُ بنُ عبدِ يَغُوثَ، والحارثُ بنُ غَيْطلةَ،
فأتاه جبريلُ فأومَأ بإصبَعِه إلى رأسِ الوليدِ، فقال: "ما صَنَعتَ شيئًا". قال: كُفِيت. وأَوْمَأ بيدِه إلى أخْمَصِ العاصِ، فقال النبيُّ ﷺ: "مَا صَنَعت شيئًا". فقال: كُفِيت. وأومأ بيدِه إلى عينِ أبي زمعةَ، فقال النبيُّ ﷺ: "ما صنَعْتَ شيئًا". فقال: كُفِيت. [وأوْمَأ بإصبَعِه إلى رأسِ الأسودِ، فقال النبيُّ ﷺ: "ودَع لي خالي". فقال: كُفِيت]. وأومَأ بإصبعِه إلى بطنِ الحارثِ، فقال النبيُّ ﷺ: "ما صَنَعْت شيئًا". فقال كُفِيت.
ِه إلى رأسِ الأسودِ، فقال النبيُّ ﷺ: "ودَع لي خالي". فقال: كُفِيت]. وأومَأ بإصبعِه إلى بطنِ الحارثِ، فقال النبيُّ ﷺ: "ما صَنَعْت شيئًا". فقال كُفِيت. قال: فمرَّ الوليدُ على قَيْنٍ لخُزاعةَ وهو يَجُرُّ ثيابَه، فتَعَلَّقت بثوبِه بَرْوةٌ أو شَرَرَةٌ، وبين يدَيه نساءٌ، فجعَل يَسْتَحْيِي أَن يَطَأْمَنَ يَنْتَزِعُها، وجعَلت تَضْرِبُ ساقَه، فخَدَشَتْه، فلم يَزَلْ مريضًا حتى مات، وركِب العاصُ بنُ وائلٍ بغلةً له بيضاءَ، إلى حاجةٍ له بأسفلِ مكةَ، فذهَب يَنْزِلُ، فوضَع أَخْمَصَ قدمِه على شِبْرِقةٍ، فحكَّت رجلَه، فلم يزَلْ يَحُكُّها حتى مات، وعَمِى أبو زمعةَ، وأخَذت الأكِلَةُ في رأسِ الأسودِ، وأخَذ الحارثَ الماءُ في بطنِه.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾.
ِ، وأخَذ الحارثَ الماءُ في بطنِه.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. قال: هم خمسةُ رهطٍ مِن قريشٍ؛ الوليدُ بنُ المغيرةِ، والعاصُ بنُ وائلٍ، وأبو زمعةَ، والحارثُ بن غَيْطلةَ، والأسودُ بنُ قيسٍ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن
سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. قال: الوليدُ بنُ المغيرةِ، والعاصُ بنُ وائلٍ السَّهْمِيُّ، والأسودُ بنُ عبدِ يَغُوثَ، والأسودُ بنُ المُطَّلِبِ، والحارثُ بن غَيْطلةَ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرّزاقِ، قال: أخبربا ابن عيينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾.
الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرّزاقِ، قال: أخبربا ابن عيينةَ، عن عمرِو بن دينارٍ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. قال: هم خمسةٌ، كلُّهم هلَك قبل بَدْرٍ؛ العاصُ بنُ وائلٍ، والوليدُ بنُ المغيرةِ، وأبو زمعةَ بنُ عبدِ الأسودِ، والحارثُ بنُ قيسٍ، والأسودُ بنُ عبدِ يَغُوثَ.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عيينةَ، عن عمرٍو، عن عكرمةَ: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. قال: الوليدُ بنُ المغيرةِ، والعاصُ بنُ وائلٍ، والأسودُ بنُ عبدِ يَغُوثَ، والحارثُ بن غَيْطَلةَ (١).
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبربا هُشَيمٌ، عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ، قال: قلتُ للزُّهريِّ: إن سعيدَ بنَ جبيرٍ وعكرمةَ اختَلَفا في رجلٍ مِن المستهزئين، فقال سعيدٌ: هو الحارثُ بن غَيْطلةَ (١). وقال عكرمةُ: هو الحارثُ بنُ قيسٍ.
لتُ للزُّهريِّ: إن سعيدَ بنَ جبيرٍ وعكرمةَ اختَلَفا في رجلٍ مِن المستهزئين، فقال سعيدٌ: هو الحارثُ بن غَيْطلةَ (١). وقال عكرمةُ: هو الحارثُ بنُ قيسٍ. فقال: صدَقا، كانت أمُّه تسمى غَيْطلةَ (١)، وأبوه قيسٌ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبربا هُشَيمٌ، عن حُصَيْنٍ، عن الشعبيِّ، قال: المستهزئين سبعةٌ. وسَمَّى منهم أربعةً.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عامرٍ: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. قال: كانوا مِن قريشٍ خمسةُ نفرٍ؛ العاصُ بنُ وائلٍ السَّهْمِيُّ، كُفِى بصُداعٍ أخَذه في رأسِه، فسال دماغُه حتى كان يَتَكَلَّمُ مِن أنفِه، والوليدُ بنُ المغيرةِ المخزوميُّ، كُفِى برجلٍ من خُزاعةَ أصلَح سهمًا له، فندَرَت منه شَظِيَّةٌ، فَوَطِئَ عليها فمات، وهَبّارُ بنُ الأسودِ، وعبدُ يَغُوثَ بنُ وهبٍ، والحارثُ بن غَيْطلةَ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن جابرٍ، عن عامرٍ: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾.
، والحارثُ بن غَيْطلةَ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن جابرٍ، عن عامرٍ: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. قال: كلُّهم مِن قريشٍ؛ العاصُ بنُ وائلٍ، فكُفِى بأنه أصابه صُداعٌ في رأسِه، فسال دماغُه حتى لا يَتَكَلَّمَ إلا مِن تحتِ أنفِه، والحارثُ بن غَيْطلةَ بصَفَرٍ في بطنِه، وابنُ الأسودِ فكُفِى بالجُدَريِّ، والوليدُ بأن رجلًا ذهَب ليُصْلِحَ سهمًا له، فوقَعت شَظِيَّةٌ، فوَطِئَ عليها، وعبدُ يَغُوثَ فَكُفِي بالعَمَى، ذهَب بصرُه.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، وعن مِقْسمٍ: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. قال: هم الوليدُ بنُ المغيرةِ، والعاصُ بنُ وائلٍ، وعَدِيُّ بنُ قيسٍ، والأسودُ بنُ عبدِ يَغُوثَ، والأسودُ بنُ المطلبِ، مرُّوا رجلًا رجلًا على النبيِّ ﷺ ومعه جبريلُ، فإذا مرَّ به رجلٌ منهم قال جبريلُ: كيف تَجدُ هذا؟ فيقولُ: "بئسَ عدوُّ اللَّهِ". فيقولُ جبريلُ: كفاكَه.
مرُّوا رجلًا رجلًا على النبيِّ ﷺ ومعه جبريلُ، فإذا مرَّ به رجلٌ منهم قال جبريلُ: كيف تَجدُ هذا؟ فيقولُ: "بئسَ عدوُّ اللَّهِ". فيقولُ جبريلُ: كفاكَه. فأما الوليدُ بنُ المغيرةِ، فتردَّى، فتعلَّق سهمٌ بردائِه، فذهَب يَجْلِسُ، فقُطِع أكْحَلُه، فنُزِف فمات، وأما
الأسودُ بنُ عبدِ يَغُوثَ، فأُتِى بغُصْنٍ فيه شَوْكٌ، فضُرِب به وجهُه، فسالت حدَقتاه على وجهِه، فكان يقولُ: دعَوتُ على محمدٍ دعوةً، ودعا عليَّ دعوةً، فاسْتُجيب لى، واسْتُجِيب له؛ دعا عليَّ أن أعْمَى، فَعَمِيتُ، ودعَوتُ عليه أن يكونَ وحيدًا فريدًا في أهلِ يَثْرِبَ، فكان كذلك. وأما العاصُ بنُ وائلٍ، فوَطِئَ على شَوْكةٍ فتساقَط لحمُه عن عِظامِه حتى هلَك.
مِيتُ، ودعَوتُ عليه أن يكونَ وحيدًا فريدًا في أهلِ يَثْرِبَ، فكان كذلك. وأما العاصُ بنُ وائلٍ، فوَطِئَ على شَوْكةٍ فتساقَط لحمُه عن عِظامِه حتى هلَك. وأما الأسودُ بنُ المطلبِ، وعديُّ بنُ قيسٍ، فإن أحدَهما قام مِن الليلِ وهو ظمآنُ، فشرِب ماءً مِن جَرَّةٍ، فلم يَزَلْ يَشْرَبُ حتى انْفَتَق بَطنُه فمات، وأما الآخرُ فَلَدَغته حيةٌ فمات.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبربا عبدُ الرَزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ وعثمانَ، عن مِقْسمٍ مولى ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾.
ى، قال: أخبربا عبدُ الرَزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ وعثمانَ، عن مِقْسمٍ مولى ابن عباسٍ في قولِه: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾. ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابن عبدِ الأعلى، عن ابن ثورٍ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾: هم رهطٌ خمسةٌ مِن قريشٍ، عَضَهوا القرآنَ؛ زعَم بعضُهم أنه سحرٌ، وزعَم بعضُهم أنه شعرٌ، وزعم بعضُهم أنه أساطيرُ الأوَّلين؛ أما أحدُهم فالأسودُ بنُ عبدِ يَغُوثَ، أَتى على نبيِّ اللَّهِ ﷺ وهو عندَ البيتِ، فقال له الملَكُ: كيف تَجِدُ هذا؟ قال: "بئسَ عبدُ اللَّهِ على أنه خالي". قال: كفَيناك. ثم أتَى عليه الوليدُ بنُ المغيرةِ، فقال له الملَكُ: كيف تَجِدُ هذا؟ قال: "بئسَ عبدُ اللَّهِ". قال: كفَيناك. ثمَّ أتى عليه عديُّ بنُ قيسٍ أخو بني، سهمٍ، فقال له الملَكُ: كيف تَجِدُ هذا؟ قال: "بئسَ عبدُ اللَّهِ". قال: كفَيناك.
ئسَ عبدُ اللَّهِ". قال: كفَيناك. ثمَّ أتى عليه عديُّ بنُ قيسٍ أخو بني، سهمٍ، فقال له الملَكُ: كيف تَجِدُ هذا؟ قال: "بئسَ عبدُ اللَّهِ". قال: كفَيناك. ثم أتَى عليه الأسودُ بنُ المطلبِ، فقال له الملَكُ: كيف تَجِدُ هذا؟ قال: "بِئسَ
عبدُ اللَّهِ". قال: كفَيناك. ثمَّ أتى عليه العاصُ بنُ وائلٍ، فقال له الملَكُ: كيف تَجِدُ هذا. قال: "بئس عبدُ اللَّهِ". قال: كفَيناك. فأما الأسودُ بنُ عبدِ يَغُوثَ، فَأُتِي بِغُصْنٍ مِن شَوْكٍ، فضُرِب به وجهُه، حتى سالَت حدَقتاه على وجهِه، فكان بعد ذلك يقولُ: دعا عليَّ محمدٌ بدعوةٍ، ودعَوتُ عليه بأخرى، فاستجاب اللَّهُ له فىَّ، واستجاب اللَّهُ لى فيه، دعا عليَّ أن أَثْكَلَ وأن أعْمَى، [وكان] كذلك، ودعَوتُ عليه أن يَصِيرَ شَرِيدًا طريدًا، فطرَدناه مع يهودِ يَثْربَ وسُرَاقِ الحجيجِ، وكان كذلك. وأما الوليدُ بنُ المغيرةِ، فذهَب يَرْتَدِى، فتعَلَّق برِدائِه سهمُ غَرْبٍ، فأصاب أَكْحَلَه أَو أَبْجَلَه، فأُتِيَ في كلِّ ذلك، فمات.
جيجِ، وكان كذلك. وأما الوليدُ بنُ المغيرةِ، فذهَب يَرْتَدِى، فتعَلَّق برِدائِه سهمُ غَرْبٍ، فأصاب أَكْحَلَه أَو أَبْجَلَه، فأُتِيَ في كلِّ ذلك، فمات. وأما العاصُ بنُ وائلٍ، فَوَطِئَ على شَوْكَةٍ، فأُتي في ذلك؛ جعَل يَتَساقَطُ لحمُه عُضْوًا عُضْوًا، فمات وهو كذلك. وأما الأسودُ بنُ المطَّلِبِ، وعديُّ بنُ قيسٍ، فلا أدرى ما أصابَهما. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللَّهِ ﷺ يومَ بَدْرٍ نهَى أصحابَه عن قتلِ أبي البَخْتَريِّ، وقال: "خُذُوه أخْذًا، فإنه قد كان له بلاءٌ". فقال له أصحابُ النبيَّ ﷺ: يا أبا البَخْتَريَّ، إنا قد نُهينا عن قتلِك، فهلُمَّ إلى الأمَنةِ والأمانِ. فقال أبو البَخْتَريِّ: وابنُ أخى معى. فقالوا: لم تُؤْمَرُ إلا بك. فراوَدوه ثلاثَ مراتٍ، فأبى إلا وابنُ أخيه معه، قال: فأغلَظ للنبيِّ ﷺ الكلامَ، فحمَل عليه رجلٌ مِن القومِ فطعَنه فقتَله، فجاء قاتلُه وكأنما على ظهرِه جبَلٌ أو ثِقْلٌ، مخافةَ أن يَلُومَه النبيُّ ﷺ، فلما أُخْبِر بقولِه،
قال النبيُّ ﷺ: "أبْعَدَه اللَّهُ وأَسْحَقَه".
قتَله، فجاء قاتلُه وكأنما على ظهرِه جبَلٌ أو ثِقْلٌ، مخافةَ أن يَلُومَه النبيُّ ﷺ، فلما أُخْبِر بقولِه،
قال النبيُّ ﷺ: "أبْعَدَه اللَّهُ وأَسْحَقَه". وهم المستهزِئون الَّذين قال اللَّهُ: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾. وهم الخمسةُ الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾: استهزَءوا بكتابِ اللَّهِ ونبيِّه ﷺ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾: هم مِن قريشٍ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ: وزعَم ابن أبي بَزَّة أنهم: العاصُ بنُ وائلٍ السهميُّ، والوليدُ بنُ المغيرةِ الوحيدُ، والحارثُ بنُ عديِّ بن سهمِ، ابن الغَيْطِلةِ، والأسودُ بنُ المطَّلبِ بن أسدِ بن عبدِ العُزَّى بن قُصَيٍّ وهو أبو زمعةَ، والأسودُ بنُ عبدِ يغوثَ، وهو ابن خالِ رسولِ اللَّهِ ﷺ.
همِ، ابن الغَيْطِلةِ، والأسودُ بنُ المطَّلبِ بن أسدِ بن عبدِ العُزَّى بن قُصَيٍّ وهو أبو زمعةَ، والأسودُ بنُ عبدِ يغوثَ، وهو ابن خالِ رسولِ اللَّهِ ﷺ.
حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: أخبرني عمرُو بنُ دينارٍ، عن ابن عباسٍ، نحوَ حديثِ محمدِ بن عبدِ الأعلى، عن محمدِ بن ثورٍ، غيرَ أنه قال: كانوا ثمانيةً. ثم عدَّهم وقال: كلُّهم مات قبلَ بدرٍ.
وقولُه: ﴿الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾. وعيدٌ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه، وتهديدٌ للمُسْتَهزِئين الذين أخبَر نبيَّه ﷺ أنه قد كفَاه أمرَهم. يقولُ تعالى ذكرُه: إنا كفَيناك يا محمدُ الساخرين منك، الجاعلين مع اللَّهِ شريكًا
في عبادتِه، فسوف يَعْلَمون ما يَلْقَون مِن عذابِ اللَّهِ عندَ مصيرِهم إليه في القيامةِ، وما يَحُلُّ بهم مِن البلاءِ.
﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾
يقول تعالى آمرًا رسوله، صلوات الله وسلامه عليه، بإبلاغ ما بعثه به وبإنفاذه والصَّدع به، وهو مواجهة المشركين به، كما قال ابن عباس: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) أي: أمضه. وفي رواية: افعل ما تؤمر.
وقال مجاهد: هو الجهر بالقرآن في الصلاة.
وقال أبو عبيدة، عن عبد الله بن مسعود: ما زال النبي ﷺ مستخفيا، حتى نزلت: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) فخرج هو وأصحابه
وقوله: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) أي: بلغ ما أنزل إليك من ربك، ولا تلتفت إلى المشركين الذين يريدون أن يصدوك عن آيات الله.
عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) أي: بلغ ما أنزل إليك من ربك، ولا تلتفت إلى المشركين الذين يريدون أن يصدوك عن آيات الله. ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] ولا تخفْهم؛ فإن الله كافيك إياهم، وحافظك منهم، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يحيى بن محمد بن السكن، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا عون بن كَهْمَس، عن يزيد بن درهم، قال: سمعت أنسًا يقول في هذه الآية: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ)
قال: مر رسول الله ﷺ، فغمزه بعضهم، فجاء جبريل -أحسبه قال: فغمزهم فوقع في أجسادهم -كهيئة الطعنة حتى ماتوا
لَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ)
قال: مر رسول الله ﷺ، فغمزه بعضهم، فجاء جبريل -أحسبه قال: فغمزهم فوقع في أجسادهم -كهيئة الطعنة حتى ماتوا
وقال محمد بن إسحاق: كان عظماء المستهزئين -كما حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير -خمسة نفر، كانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم، من بني أسد بن عبد العزى بن قُصي: الأسود بن المطلب أبو زمعة، كان رسول الله ﷺ -فيما بلغني -قد دعا عليه، لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه [به] فقال: اللهم، أعم بصره، وأثكله ولده. ومن بني زهرة: الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زُهرة. ومن بني مخزوم: الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم. ومن بني سهم بن عمرو بن هُصيص بن كعب بن لؤي: العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سعد.
رة. ومن بني مخزوم: الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم. ومن بني سهم بن عمرو بن هُصيص بن كعب بن لؤي: العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سعد. ومن خزاعة: الحارث بن الطلاطلة بن عمرو بن الحارث بن عبد عمرو بن ملكان -فلما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله ﷺ الاستهزاء، أنزل الله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) إلى قوله: (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)
وقال ابن إسحاق: فحدث يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، أو غيره من العلماء، أن جبريل أتى رسول الله ﷺ وهو يطوف بالبيت، فقام وقام رسول الله ﷺ إلى جنبه، فمر به الأسود [ابن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء، فعمي، ومر به الأسود] بن عبد يغوث، فأشار إلى بطنه، فاستسقى بطنه، فمات منه حَبَنَا، ومر به الوليد بن المغيرة، فأشار إلى أثر جُرح بأسفل كعب رجله -كان أصابه قبل ذلك بسنتين وهو يجر إزاره، وذلك أنه مر برجل من خزاعة يريش نبلا له، فتعلق سهم من نبله بإزاره، فخدش رجله ذلك الخدش، وليس
رح بأسفل كعب رجله -كان أصابه قبل ذلك بسنتين وهو يجر إزاره، وذلك أنه مر برجل من خزاعة يريش نبلا له، فتعلق سهم من نبله بإزاره، فخدش رجله ذلك الخدش، وليس بشيء، فانتقض به فقتله. ومر به العاص بن وائل، فأشار إلى أخمص قدمه، فخرج على حمار له يريد الطائف، فربض على شِبْرِقَةٍ فدخلت في أخمص رجله منها شوكة فقتلته. ومر به الحارث بن الطلاطلة، فأشار إلى رأسه، فامتخط قيحا، فقتله
قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن رجل، عن ابن عباس قال: كان رأسُهم الوليد بن المغيرة، وهو الذي جمعهم.
وهكذا روي عن سعيد بن جبير وعكرمة، نحو سياق محمد بن إسحاق، عن يزيد، عن عروة، بطوله، إلا أن سعيدًا يقول: الحارث بن غيطلة.
د بن المغيرة، وهو الذي جمعهم.
وهكذا روي عن سعيد بن جبير وعكرمة، نحو سياق محمد بن إسحاق، عن يزيد، عن عروة، بطوله، إلا أن سعيدًا يقول: الحارث بن غيطلة. وعكرمة يقول: الحارث بن قيس.
قال الزهري: وصدقا، هو الحارث بن قيس، وأمه غيطلة.
وكذا روي عن مجاهد، ومقسم، وقتادة، وغير واحد، أنهم كانوا خمسة.
وقال الشعبي: كانوا سبعة.
والمشهور الأول.
وقوله: (الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) تهديد شديد، ووعيد أكيد، لمن جعل مع الله معبودا آخر.
وقوله: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) أي: وإنا لنعلم يا محمد أنك يحصل لك من أذاهم لك انقباض وضيق صدر.
يقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) أي: وإنا لنعلم يا محمد أنك يحصل لك من أذاهم لك انقباض وضيق صدر. فلا يهيدنك ذلك، ولا يثنينك عن إبلاغك رسالة الله، وتوكل على الله فإنه كافيك وناصرك عليهم، فاشتغل بذكر الله وتحميده وتسبيحه وعبادته التي هي الصلاة؛ ولهذا قال: (وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد:
حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدِي، حدثنا معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مُرَّة، عن نعيم بن هَمَّار أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "قال الله: يا ابن آدم، لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره".
ورواه أبو داود من حديث مكحول، عن كثير بن مرة، بنحوه
ولهذا كان رسول الله ﷺ إذا حَزبه أمر صلَّى.
وقوله: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) قال البخاري: قال سالم: الموت
وسالم هذا هو: سالم بن عبد الله بن عمر، كما قال ابن جرير:
ر صلَّى.
وقوله: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) قال البخاري: قال سالم: الموت
وسالم هذا هو: سالم بن عبد الله بن عمر، كما قال ابن جرير:
حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدثني طارق بن عبد الرحمن، عن سالم بن عبد الله: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) قال: الموت
وهكذا قال مجاهد، والحسن، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيره
والدليل على ذلك قوله تعالى إخبارًا عن أهل النار أنهم قالوا: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٣ - ٤٧]
وفي الصحيح من حديث الزهري، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أم العلاء -امرأة من الأنصار -أن رسول الله ﷺ لما دخل على عثمان بن مظعون -وقد مات -قلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال رسول الله ﷺ: "وما يدريك أن الله أكرمه؟
الله ﷺ لما دخل على عثمان بن مظعون -وقد مات -قلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال رسول الله ﷺ: "وما يدريك أن الله أكرمه؟ "
فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، فمن؟ فقال: "أما هو فقد جاءه اليقين، وإني لأرجو له الخير"
ويستدل من هذه الآية الكريمة وهي قوله: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) -على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتا فيصلي بحسب حاله، كما ثبت في صحيح البخاري، عن عمران بن حصين، ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْب"
ويستدل بها على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط عنه التكليف عندهم. وهذا كفر وضلال وجهل، فإن الأنبياء، ﵈، كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله وأعرفهم بحقوقه وصفاته، وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع هذا أعبد الناس وأكثر الناس عبادة ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة.
ابهم أعلم الناس بالله وأعرفهم بحقوقه وصفاته، وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع هذا أعبد الناس وأكثر الناس عبادة ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة. وإنما المراد باليقين هاهنا الموت، كما قدمناه. ولله الحمد والمنة، والحمد لله على الهداية، وعليه الاستعانة والتوكل، وهو المسؤول أن يتوفانا على أكمل الأحوال وأحسنها [فإنه جواد كريم]
[وحسبنا الله ونعم الوكيل]
﷽
وما توفيقي إلا بالله
تفسير سورة النحل
وهي مكية.