القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه ﷺ: واعبُدْ ربَّك حتى يأتِيَك الموتُ، الذي هو مُوقَنٌ به. وقيل: يَقِينٌ. وهو مُوقَنٌ به، كما قيل: خمرٌ عتيقٌ، وهي مُعَتَّقةٌ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، قال: ثني طارقُ
ابن عبدِ الرحمنِ، عن سالم بن عبدِ اللَّهِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.
شارٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، قال: ثني طارقُ
ابن عبدِ الرحمنِ، عن سالم بن عبدِ اللَّهِ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. قال: الموتُ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، عن ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني عباسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ: أخبَرني ابن كثيرٍ، أنه سمِع مجاهدًا يقولُ: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. قال: الموتُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. قال: يعنى الموتَ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.
َأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. قال: يعنى الموتَ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. قال: اليقينُ الموتُ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبربا معمرٌ، عن قتادةَ مثلَه.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبربا ابن المباركِ، عن مباركِ بن فضالةَ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. قال: الموتُ.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن طارقٍ، عن سالمٍ مثلَه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبربا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾.
سفيانَ، عن طارقٍ، عن سالمٍ مثلَه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبربا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾. قال: الموتُ، إذا جاءه الموتُ، جاءه تصديقُ ما قال اللَّهُ له وحدَّثه مِن أمرِ الآخرةِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبربا ابن وهبٍ، قال: أخبرني يونسُ بنُ يزيدَ، عن ابن شهابٍ، أن خارجةَ بنَ زيدِ بن ثابتٍ أخبرَه، عن أمِّ العلاءِ - امرأةٍ مِن الأنصارِ قد بايعَت رسولَ اللَّهِ ﷺ أخبرَته أنهم اقتَسَموا المهاجرين قُرْعةً، قالت: وطار لنا عثمانُ (٢) بنُ مَظْعونٍ، فأنزَلناه في أبياتِنا، فوَجِع وجَعَه الذي مات فيه، فلما تُوُفِّي وغُسِّل وكُفِّن في أثوابِه، دخَل رسولُ اللَّهِ ﷺ، فقلْت: يا عثمانُ بنَ مظعونٍ، رحمةُ اللَّهِ عليك أبا السائبِ، فشهادَتي عليك، لقد أكرَمك اللَّهُ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "وما يُدْرِيكِ أن اللَّهَ أكْرَمه؟ ". قالت: يا رسولَ اللَّهِ فمَن؟
اللَّهِ عليك أبا السائبِ، فشهادَتي عليك، لقد أكرَمك اللَّهُ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "وما يُدْرِيكِ أن اللَّهَ أكْرَمه؟ ". قالت: يا رسولَ اللَّهِ فمَن؟ فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "أما هو فقد جاءَه اليقينُ، وواللَّهِ إنى لأرْجُو له الخيْرَ".
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا إسماعيلُ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، قال: ثنا ابن شهابٍ، عن خارجةَ بن زيدٍ، عن أمِّ العلاءِ، امرأةٍ مِن
نسائِهم، عن النبيّ ﷺ بنحوِه.
حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المسروقيُّ، قال: ثنا جعفرُ بنُ عونٍ، قال: أخبربا إبراهيمُ بنُ إسماعيلَ، عن محمدِ بن شهابٍ، أن خارجةَ بنَ زيدٍ حدَّثه، عن أمِّ العلاءِ، امرأةٍ منهم، عن النبيِّ ﷺ، بنحوِه، إلا أنه قال في حديثِه: فقال النبيُّ ﷺ: "أما هو فقد عايَن اليقينَ".
آخرُ تفسيرِ سورةِ الحجرِ
﷽
تفسيرُ سورةِ النحلِ
﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٩٦) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾
يقول تعالى آمرًا رسوله، صلوات الله وسلامه عليه، بإبلاغ ما بعثه به وبإنفاذه والصَّدع به، وهو مواجهة المشركين به، كما قال ابن عباس: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) أي: أمضه. وفي رواية: افعل ما تؤمر.
وقال مجاهد: هو الجهر بالقرآن في الصلاة.
وقال أبو عبيدة، عن عبد الله بن مسعود: ما زال النبي ﷺ مستخفيا، حتى نزلت: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ) فخرج هو وأصحابه
وقوله: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) أي: بلغ ما أنزل إليك من ربك، ولا تلتفت إلى المشركين الذين يريدون أن يصدوك عن آيات الله.
عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) أي: بلغ ما أنزل إليك من ربك، ولا تلتفت إلى المشركين الذين يريدون أن يصدوك عن آيات الله. ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] ولا تخفْهم؛ فإن الله كافيك إياهم، وحافظك منهم، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا يحيى بن محمد بن السكن، حدثنا إسحاق بن إدريس، حدثنا عون بن كَهْمَس، عن يزيد بن درهم، قال: سمعت أنسًا يقول في هذه الآية: (إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ * الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ)
قال: مر رسول الله ﷺ، فغمزه بعضهم، فجاء جبريل -أحسبه قال: فغمزهم فوقع في أجسادهم -كهيئة الطعنة حتى ماتوا
لَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ)
قال: مر رسول الله ﷺ، فغمزه بعضهم، فجاء جبريل -أحسبه قال: فغمزهم فوقع في أجسادهم -كهيئة الطعنة حتى ماتوا
وقال محمد بن إسحاق: كان عظماء المستهزئين -كما حدثني يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير -خمسة نفر، كانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم، من بني أسد بن عبد العزى بن قُصي: الأسود بن المطلب أبو زمعة، كان رسول الله ﷺ -فيما بلغني -قد دعا عليه، لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه [به] فقال: اللهم، أعم بصره، وأثكله ولده. ومن بني زهرة: الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زُهرة. ومن بني مخزوم: الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم. ومن بني سهم بن عمرو بن هُصيص بن كعب بن لؤي: العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سعد.
رة. ومن بني مخزوم: الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم. ومن بني سهم بن عمرو بن هُصيص بن كعب بن لؤي: العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سعد. ومن خزاعة: الحارث بن الطلاطلة بن عمرو بن الحارث بن عبد عمرو بن ملكان -فلما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله ﷺ الاستهزاء، أنزل الله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ) إلى قوله: (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)
وقال ابن إسحاق: فحدث يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، أو غيره من العلماء، أن جبريل أتى رسول الله ﷺ وهو يطوف بالبيت، فقام وقام رسول الله ﷺ إلى جنبه، فمر به الأسود [ابن المطلب فرمى في وجهه بورقة خضراء، فعمي، ومر به الأسود] بن عبد يغوث، فأشار إلى بطنه، فاستسقى بطنه، فمات منه حَبَنَا، ومر به الوليد بن المغيرة، فأشار إلى أثر جُرح بأسفل كعب رجله -كان أصابه قبل ذلك بسنتين وهو يجر إزاره، وذلك أنه مر برجل من خزاعة يريش نبلا له، فتعلق سهم من نبله بإزاره، فخدش رجله ذلك الخدش، وليس
رح بأسفل كعب رجله -كان أصابه قبل ذلك بسنتين وهو يجر إزاره، وذلك أنه مر برجل من خزاعة يريش نبلا له، فتعلق سهم من نبله بإزاره، فخدش رجله ذلك الخدش، وليس بشيء، فانتقض به فقتله. ومر به العاص بن وائل، فأشار إلى أخمص قدمه، فخرج على حمار له يريد الطائف، فربض على شِبْرِقَةٍ فدخلت في أخمص رجله منها شوكة فقتلته. ومر به الحارث بن الطلاطلة، فأشار إلى رأسه، فامتخط قيحا، فقتله
قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن رجل، عن ابن عباس قال: كان رأسُهم الوليد بن المغيرة، وهو الذي جمعهم.
وهكذا روي عن سعيد بن جبير وعكرمة، نحو سياق محمد بن إسحاق، عن يزيد، عن عروة، بطوله، إلا أن سعيدًا يقول: الحارث بن غيطلة.
د بن المغيرة، وهو الذي جمعهم.
وهكذا روي عن سعيد بن جبير وعكرمة، نحو سياق محمد بن إسحاق، عن يزيد، عن عروة، بطوله، إلا أن سعيدًا يقول: الحارث بن غيطلة. وعكرمة يقول: الحارث بن قيس.
قال الزهري: وصدقا، هو الحارث بن قيس، وأمه غيطلة.
وكذا روي عن مجاهد، ومقسم، وقتادة، وغير واحد، أنهم كانوا خمسة.
وقال الشعبي: كانوا سبعة.
والمشهور الأول.
وقوله: (الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) تهديد شديد، ووعيد أكيد، لمن جعل مع الله معبودا آخر.
وقوله: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) أي: وإنا لنعلم يا محمد أنك يحصل لك من أذاهم لك انقباض وضيق صدر.
يقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) أي: وإنا لنعلم يا محمد أنك يحصل لك من أذاهم لك انقباض وضيق صدر. فلا يهيدنك ذلك، ولا يثنينك عن إبلاغك رسالة الله، وتوكل على الله فإنه كافيك وناصرك عليهم، فاشتغل بذكر الله وتحميده وتسبيحه وعبادته التي هي الصلاة؛ ولهذا قال: (وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ) كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد:
حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدِي، حدثنا معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن كثير بن مُرَّة، عن نعيم بن هَمَّار أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "قال الله: يا ابن آدم، لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره".
ورواه أبو داود من حديث مكحول، عن كثير بن مرة، بنحوه
ولهذا كان رسول الله ﷺ إذا حَزبه أمر صلَّى.
وقوله: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) قال البخاري: قال سالم: الموت
وسالم هذا هو: سالم بن عبد الله بن عمر، كما قال ابن جرير:
ر صلَّى.
وقوله: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) قال البخاري: قال سالم: الموت
وسالم هذا هو: سالم بن عبد الله بن عمر، كما قال ابن جرير:
حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، حدثني طارق بن عبد الرحمن، عن سالم بن عبد الله: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) قال: الموت
وهكذا قال مجاهد، والحسن، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيره
والدليل على ذلك قوله تعالى إخبارًا عن أهل النار أنهم قالوا: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: ٤٣ - ٤٧]
وفي الصحيح من حديث الزهري، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أم العلاء -امرأة من الأنصار -أن رسول الله ﷺ لما دخل على عثمان بن مظعون -وقد مات -قلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال رسول الله ﷺ: "وما يدريك أن الله أكرمه؟
الله ﷺ لما دخل على عثمان بن مظعون -وقد مات -قلت: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال رسول الله ﷺ: "وما يدريك أن الله أكرمه؟ "
فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، فمن؟ فقال: "أما هو فقد جاءه اليقين، وإني لأرجو له الخير"
ويستدل من هذه الآية الكريمة وهي قوله: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) -على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتا فيصلي بحسب حاله، كما ثبت في صحيح البخاري، عن عمران بن حصين، ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: "صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْب"
ويستدل بها على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط عنه التكليف عندهم. وهذا كفر وضلال وجهل، فإن الأنبياء، ﵈، كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله وأعرفهم بحقوقه وصفاته، وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع هذا أعبد الناس وأكثر الناس عبادة ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة.
ابهم أعلم الناس بالله وأعرفهم بحقوقه وصفاته، وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع هذا أعبد الناس وأكثر الناس عبادة ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة. وإنما المراد باليقين هاهنا الموت، كما قدمناه. ولله الحمد والمنة، والحمد لله على الهداية، وعليه الاستعانة والتوكل، وهو المسؤول أن يتوفانا على أكمل الأحوال وأحسنها [فإنه جواد كريم]
[وحسبنا الله ونعم الوكيل]
﷽
وما توفيقي إلا بالله
تفسير سورة النحل
وهي مكية.
قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ﴾ أمر الله جل وعلا نبيه ﷺ بأن يعبد ربه، أي: يتقرب له على وجه الذل والخضوع والمحبة بما أمر أن يتقرب له به من جميع الطاعات على الوجه المشروع. وجُلّ القرآن في تحقيق هذا الأمر الذي هو حظ الاثبات من لا إله إلا الله، مع حظ النفي منها. وقد بين القرآن أن هذا لا ينفع إلا مع تحقيق الجزء الثاني من كلمة التوحيد، الذي هو حظ النفي منها. وهو خلع جميع المعبودات سوى الله تعالى في جميع أنواع العبادات؛ قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ وقال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ وقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ وقال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ وقال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ والآيات في مثل ذلك كثيرة جدًا.
َدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ وقال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ والآيات في مثل ذلك كثيرة جدًا.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ قالت جماعة من أهل العلم، منهم سالم بن عبد الله بن عمر، ومجاهد، والحسن؛ وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم: اليقين: الموت، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ
الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ وهو الموت.
ويؤيد هذا ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أم العلاء (امرأة من الأنصار) أن رسول الله - ﷺ - لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، قالت أم العلاء: رحمة الله عليك أبا السائب! فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال رسول الله - ﷺ -: "وما يدريك أن الله قد أكرمه"؟ فقالت: بأبي وأمي يا رسول الله! فمن يكرمه الله! ؟
له عليك أبا السائب! فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال رسول الله - ﷺ -: "وما يدريك أن الله قد أكرمه"؟ فقالت: بأبي وأمي يا رسول الله! فمن يكرمه الله! ؟ فقال: "أما هو فقد جاءه اليقين، وإني لأرجو له الخير" الحديث. وهذا الحديث الصحيح يدل على أن اليقين الموت. وقول من قال: إن المراد باليقين انكشاف الحقيقة، وتيقن الواقع لا ينافي ما ذكرنا؛ لأن الإنسان إذا جاءه الموت ظهرت له الحقيقة يقينًا. ولقد أجاد التهامي في قوله:
والعيش نوم والمنية يقظة ... والمرء بينهما خيال ساري
وقال صاحب الدر المنثور: أخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، والحاكم في التاريخ، وابن مردويه، والديلمي عن أبي مسلم الخولاني قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما أوحي إلى أن أجمع المال، وأكون من التاجرين، ولكن أوحي إلى: أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين".
قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ما أوحي إلى أن أجمع المال، وأكون من التاجرين، ولكن أوحي إلى: أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين".
وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما أوحي إلى أن أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحي إلى: أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين".
وأخرج ابن مردويه، والديلمي عن أبي الدرداء ﵁: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "ما أوحي إلى أن أكون تاجرًا ولا أجمع المال متكاثرًا، ولكن أوحي إلى: أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين".
تنبيهان
الأول: هذه الآية الكريمة تدل على أن الإنسان ما دام حيًا، وله عقل ثابت يميز به، فالعبادة واجبة عليه بحسب طاقته، فإن لم يستطع الصلاة قائمًا فليصل قاعدًا، فإن لم يستطع فعلى جنب.
تدل على أن الإنسان ما دام حيًا، وله عقل ثابت يميز به، فالعبادة واجبة عليه بحسب طاقته، فإن لم يستطع الصلاة قائمًا فليصل قاعدًا، فإن لم يستطع فعلى جنب. وهكذا قال تعالى عن نبيه عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١)﴾.
وقال البخاري في صحيحه: "باب إذا لم يطق قاعدًا صلى على جنب" وقال عطاء: إن لم يقدر أن يتحول إلى القبلة صلى حيث كان وجهه.
حدثنا عبدان، عن عبد الله، عن إبراهيم بن طهمان قال: حدثني الحسين المكتب، عن بريدة، عن عمران بن حصين ﵄ قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي - ﷺ - عن الصلاة فقال: "صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب" اه ونحو هذا معلوم؛ قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقال - ﷺ - "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" الحديث.
التنبيه الثاني: اعلم أن ما يفسر به هذه الآية الكريمة بعض
ُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقال - ﷺ - "إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" الحديث.
التنبيه الثاني: اعلم أن ما يفسر به هذه الآية الكريمة بعض
الزنادقة الكفرة المدعين للتصوف = من أن معنى اليقين المعرفة بالله جل وعلا، وأن الآية تدل على أن العبد إذا وصل من المعرفة بالله إلى تلك الدرجة المعبرة عنها باليقين = أنه تسقط عنه العبادات والتكاليف، لأن ذلك اليقين هو غاية الأمر بالعبادة.
إن تفسير الآية بهذا كفر بالله وزندقة، وخروج عن ملة الإسلام بإجماع المسلمين. وهذا النوع لا يسمى في الاصطلاح تأويلًا، بل يسمى لعبًا كما قدمنا في آل عمران. ومعلوم أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم هم وأصحابهم هم أعلم الناس بالله، وأعرفهم بحقوقه وصفاته وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع ذلك أكثر الناس عبادة لله جل وعلا، وأشدهم خوفًا منه وطمعًا في رحمته، وقد قال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ والعلم عند الله تعالى.
﷽
سورة النحل
﷽
•