ن بعضُ أهلِ العربيةِ يزعُمُ أنه من المؤخَّرِ الذى معناه التقديمُ. وكأنَّ معنى الكلام عندَه: وإذا استعذتَ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ، فاقرَأَ القرآنَ. ولا وجهَ لِمَا قال من ذلك؛ لأنَّ ذلك لو كان كذلك لكان متى استعاذَ مستعيذٌ من الشيطانِ الرجيمِ، لزمَه أن يقرَأَ القرآنَ، ولكن معناه ما وصَفنا.
وليس قولُه: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ بالأمرِ اللازمِ، وإنما هو إعلامٌ وندبٌ، وذلك أنه لا خلافَ بين الجميعِ أن مَن قرَأ القرآنَ ولم يستعذْ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ قبلَ قراءتِه أو بعدَها، أنه لم يُضَيِّعْ فرضًا واجبًا. وكان ابنُ زيدٍ يقولُ فى ذلك نحوَ الذي قلنا.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. قال: فهذا دليلٌ من اللهِ تعالَى ذكرُه دَلَّ عبادَه عليه.
وأما قولُه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
دليلٌ من اللهِ تعالَى ذكرُه دَلَّ عبادَه عليه.
وأما قولُه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. فإنه يعنى بذلك: إن الشيطانَ ليستْ له حجةٌ على الذين آمنوا باللهِ
ورسولِه، وعمِلوا بما أمَر اللهُ به، وانتَهَوْا عما نهاهم اللهُ عنه، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. يقولُ: وعلى ربِّهم يتوكلون، فيما نابهم من مُهماتِ أمورِهم، ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾. يقولُ: إنما حجتُه على الذين يعبُدونه، ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: والذين هم باللهِ مشركون.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكر من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾.
نا ورقاءُ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾. قال: حجَّتُه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾. قال: يُطيعونه.
واختلَف أهلَ التأويلِ فى المعنى الذى من أجله لم يُسَلَّطْ فيه الشيطانُ على المؤمنِ؛ فقال بعضهم بما حُدِّثتُ عن زافِرِ بنِ سليمانَ، عن سفيانَ في قولِه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. قال: ليس له سلطانٌ
على أن يحمِلَهم على ذنبٍ لا يُغْفَرُ.
وقال آخرون: هو الاستعاذةُ، فإنه إذا استعاذ باللهِ مُنِع منه، ولم يُسَلَّطْ عليه. واستشهَدوا لصحةِ قولهم ذلك بقولِ اللهِ تعالى ذكْرُه: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠].
ِ قولهم ذلك بقولِ اللهِ تعالى ذكْرُه: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]. وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك في سورةِ "الحِجْرِ".
وقال آخرون في ذلك، بما حدَّثني به المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الله بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾. قال: إن عدوَّ اللهِ إبليسَ قال: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢، ٨٣] فهؤلاء الذين لم يُجعَلْ للشيطانِ عليهم سبيلٌ، وإنما سلطانُه على قومٍ اتخذوه وليًّا، وأشرَكوه في أعمالِهم.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾. يقولُ: السلطانُ على من تولَّى الشيطانَ وعمِل بمعصيةِ اللهِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾. يقولُ: الذين يُطيعونه ويعبُدونه.
وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: معناه: إنه ليس له سلطانٌ على
الذين آمنوا، فاستعاذوا باللهِ منه؛ بما ندَب اللهُ تعالى ذكرُه من الاستعاذةِ، وعلى ربِّهم يتوكلون على ما عرَض لهم من خَطَراتِه ووساوسِه.
وإنما قلنا: ذلك أولى التأويلاتِ بالآيةِ؛ لأن اللهَ تعالَى ذكرُه أتْبَع هذا القولَ: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. وقال في موضعٍ آخر: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠].
طَانِ الرَّجِيمِ﴾. وقال في موضعٍ آخر: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]. فكان بيِّنًا بذلك أنه إنما ندَب عبادَه إلى الاستعاذةِ منه في هذه الأحوالِ، ليُعيذَهم من سلطانِه.
وأما قولُه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ فإن أهلَ التأويلِ اختلَفوا في تأويلِه؛ فقال بعضُهم فيه بما قلنا: إن معناه: والذين هم باللهِ مشركون.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾. قال: يعدلِون بربِّ العالمين.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾.
ُونَ﴾. قال: يعدلِون بربِّ العالمين.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾. قال: يعدِلون باللهِ.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ فى قولِه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾. قال: عدَلوا إبليسَ بربِّهم، فإنهم باللهِ مشركون.
وقال آخرون: معنى ذلك: والذين هم به مشركو الشيطانِ في أعمالِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾: أشركوه فى أعمالِهم.
والقولُ الأولُ -أعنى قولَ مجاهدٍ- أولى القولين في ذلك بالصوابِ، وذلك أن الذين يتولَّون الشيطانَ إنما يُشرِكونه باللهِ فى عبادتِهم وذبائِحهم ومطاعمِهم ومشارِبهم، لا أنهم يُشرِكون بالشيطانِ. ولو كان معنى الكلامِ ما قاله الربيعُ، لكان التنزيلُ: الذين هم مشركوه.
ه باللهِ فى عبادتِهم وذبائِحهم ومطاعمِهم ومشارِبهم، لا أنهم يُشرِكون بالشيطانِ. ولو كان معنى الكلامِ ما قاله الربيعُ، لكان التنزيلُ: الذين هم مشركوه. ولم يَكُنْ فى الكلامِ "به"، فكان يَكونُ لو كان التنزيلُ كذلك: والذين هم مشركوه في أعمالِهم. إلا أن يُوجِّهَ موجِّهٌ معنى الكلامِ إلى أن القومَ كانوا يَدِينون بأُلوهةِ الشيطانِ ويُشرِكون اللهَ به في عبادتِهم إياه، فيصحَّ حينئذٍ معنى الكلامِ، ويخرجَ عما جاء التنزيلُ به في سائرِ القرآنِ؛ وذلك أن اللهَ تعالَى ذكْرُه وصَف المشركين في سائرِ سُورِ القرآنِ أنهم أشرَكوا باللهِ ما لم ينزِّلْ به عليهم سلطانًا، وقال في كلِّ موضعٍ تقدَّم إليهم بالزجرِ عن ذلك: لا تُشركوا بالله شيئًا. ولم نجدْ في شيءٍ من التنزيلِ: لا تُشرِكوا اللهَ بشيءٍ. ولا في شيءٍ من القرآنِ
خبرًا من اللهِ عنهم أنهم أشرَكوا اللهَ بشيءٍ، فيجوزَ لنا توجيهُ معنى قولِه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ إلى: والذين هم بالشيطانِ مشركو اللهِ.
خبرًا من اللهِ عنهم أنهم أشرَكوا اللهَ بشيءٍ، فيجوزَ لنا توجيهُ معنى قولِه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ إلى: والذين هم بالشيطانِ مشركو اللهِ. فبيِّنٌ إذنْ إذ كان ذلك كذلك، أن الهاءَ فى قولِه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ﴾ عائدةٌ على الربِّ في قولِه: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾.
﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾
هذا أمر من الله تعالى لعباده على لسان نبيه ﷺ: إذا أرادوا قراءة القرآن، أن يستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم. وهو أمرُ ندبٍ ليس بواجب، حكى الإجماع على ذلك الإمام أبو جعفر بن جرير وغيره من الأئمة. وقد قدمنا الأحاديث الواردة في الاستعاذة مبسوطة في أول التفسير، ولله الحمد والمنة.
والمعنى في الاستعاذة عند ابتداء القراءة، لئلا يلبس على القارئ قراءته ويخلط عليه، ويمنعه من التدبر والتفكر، ولهذا ذهب الجمهور إلى أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة وحكي عن حمزة وأبي حاتم السجستاني: أنها تكون بعد التلاوة، واحتجا بهذه الآية. ونقل النووي في شرح المهذب مثل ذلك عن أبي هريرة أيضًا، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النَّخَعي.
ي حاتم السجستاني: أنها تكون بعد التلاوة، واحتجا بهذه الآية. ونقل النووي في شرح المهذب مثل ذلك عن أبي هريرة أيضًا، ومحمد بن سيرين، وإبراهيم النَّخَعي. والصحيح الأول، لما تقدم من الأحاديث الدالة على تقدمها على التلاوة، والله أعلم.
وقوله: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) قال الثوري: ليس له عليهم سلطان أن يوقعهم في ذنب لا يتوبون منه.
وقال آخرون: معناه لا حجة له عليهم. وقال آخرون: كقوله: ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣].
(إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ) قال مجاهد: يطيعونه.
وقال آخرون: اتخذوه وليًا من دون الله.
(وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ) أي: أشركوا في عبادة الله تعالى. ويحتمل أن تكون الباء سببية، أي: صاروا بسبب طاعتهم للشيطان مشركين بالله تعالى.
وقال آخرون: معناه: أنه شركهم في الأموال والأولاد.
ُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾
واختلف العلماء في معني السلطان في هذه الآيات، فقال أكثر أهل العلم: هو الحجة، أي: ليس للشيطان عليهم حجة فيما يدعوهم إليه من عبادة الأوثان.
وقال بعضهم: ليس له سلطان عليهم، أي: تسلط وقدرة على أن يوقعهم في ذنب لا توبة منه. وقد قدمنا هذا. والمراد
بـ ﴿الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ الذين يطيعونه فيوالونه بالطاعة.
وأظهر الأقوال في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ أن الضمير عائد إلى الشيطان، لا إلى الله، ومعنى كونهم مشركين به هو طاعتهم له في الكفر والمعاصي، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ وقوله عن إبراهيم: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ وقوله عن إبراهيم: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وأما سلطانه على الذين يتولونه فهو ما جعلوه له أنفسهم من الطاعة والاتباع والموالاة، بغير موجب يستوجب ذلك.
تنبيه
فإن قيل: أثبت الله للشيطان سلطانًا على أوليائه في آيات؛ كقوله هنا: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ فالاستثناء يدل على أن له سلطانًا على من اتبعه من الغاوين، مع أنه نفي عنه السلطان عليهم في آيات أخر، كقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ الآية.
وقوله تعالى حاكيًا عنه مقررًا له: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾.
مْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ الآية.
وقوله تعالى حاكيًا عنه مقررًا له: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾.
فالجواب هو: أن السلطان الذي أثبته له عليهم غير السلطان الذي نفاه، وذلك من وجهين:
الأول: أن السلطان المثبت له هو سلطان إضلاله لهم
بتزيينه، والسلطان المنفي هو سلطان الحجة، فلم يكن لإبليس عليهم من حجة يتسلط بها، غير أنه دعاهم فأجابوه بلا حجة ولا برهان. وإطلاق السلطان على البرهان كثير في القرآن.
الثاني: أن الله لم يجعل له عليهم سلطانًا ابتداء البتة، ولكنهم هم الذين سلطوه على أنفسهم بطاعاته ودخولهم في حزبه، فلم يتسلط عليهم بقوة؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ وإنما يتسلط عليهم بإرادتهم واختيارهم.
ذكر هذا الجواب بوجهيه العلامة ابن القيم ﵀. وقد بينا هذا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب).
•