القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾.
اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ دخولِ الفاءِ في قولِه: ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾؛ فقال بعضُ البَصْرِيين: دخَلَتِ الفاءُ، لأن (ما) بمنزلةِ "مَن" فجعل الخبرَ بالفاءِ.
وقال بعضُ الكُوفيين: "ما" في معنى جزاءٍ، ولها فعلٌ مُضْمَرٌ، كأنك قلتَ: ما يَكُنْ بكم مِن نعمةٍ فمن اللهِ؛ لأن الجزاءَ لا بدَّ له مِن فعل مجزومٍ، إن ظهرَ فهو جزمٌ، وإن لم يَظْهَرْ فهو مُضْمَرٌ، كما قال الشاعرُ:
إِنِ العَقْلُ في أموالِنا لا نَضِقُ به … ذِراعًا وإن صبرًا فنَعْرِفُ للصبرِ
وقال: أراد إن يَكُنِ العقلُ، فأَضْمَره، قال: وإن جعَلْتَ "ما بكم" في معنى "الذي" جاز، وجعَلْتَ صِلَتَه "بكم" و"ما" في موضع رفعٍ بقولِه: ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾. وأدْخَل الفاءَ، كما قال: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨].
في موضع رفعٍ بقولِه: ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾. وأدْخَل الفاءَ، كما قال: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨]. وكلُّ اسمٍ وُصِل مثلَ "مَن" و "ما" و "الذي" فقد يَجوزُ دخولُ الفاءِ في خبرِه؛ لأنه مضارعٌ للجزاءِ، والجزاءُ قد يُجابُ بالفاءِ، ولا يَجوزُ: أخوك فهو قائمٌ؛ لأنه اسمٌ غير موصولٍ، وكذلك تقولُ: ما لَك لى. فإن قلت: ما لَك. جاز أن تقولَ: ما لك فهو لى. وإن أَلْقَيْتَ الفاءَ فصوابٌ.
وتأويلُ الكلامِ: ما يكَنْ بكم في أبدانِكم، أيُّها الناسُ، مِن عافيةٍ وصحةٍ وسلامةٍ، وفي أموالِكم مِن نَماءٍ [فمِن اللهِ، هو] المُنعِمُ بذلك عليكم لا غيرُه؛ لأن ذلك إليه وبيدِه، ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرّ﴾. يقولُ: إذا أصابكم في أبدانِكم سَقَمٌ ومرضٌ، وعلةٌ عارضةٌ، وشدَّةٌ مِن عيشٍ، ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾. يقولُ: فإلى اللَّهِ تَصْرُخون بالدعاءِ، وتَسْتَغِيثون به؛ ليَكْشِفَ ذلك عنكم. وأصلُه: مِن جُؤَارِ الثورِ، يقال منه: جأَر الثورُ يَجْأَرُ جُؤَارًا.
﴾. يقولُ: فإلى اللَّهِ تَصْرُخون بالدعاءِ، وتَسْتَغِيثون به؛ ليَكْشِفَ ذلك عنكم. وأصلُه: مِن جُؤَارِ الثورِ، يقال منه: جأَر الثورُ يَجْأَرُ جُؤَارًا. وذلك إذا رفَع صوتًا شديدًا، مِن جُوعٍ أو غيرِه، منه قولُ الأَعْشَى:
وما أَيْبُلِيٌّ على هَيْكلٍ … بناه وصَلَّب فيه وصارا
يُراوِحُ مِن صَلواتِ المَلِيـ … ـكِ طَوْرًا سُجُودًا وَطَوْرًا جُؤَارَا.
يعنى بالجُوَارِ: الصياحَ؛ إما بالدعاءِ، وإما بالقراءةِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، [قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ]، قال: ثنا ورقاءُ، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرَنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرَنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن وَرْقاءَ جميعًا، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قولِه: ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾.
قال: تَضْرَعون دُعاءً.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
ن مجاهدٍ، في قولِه: ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾.
قال: تَضْرَعون دُعاءً.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني المثنى، قال: أخبَرنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ، ﵄، قال: الضُّرُّ السَّقَمُ.
﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾
يُقرر تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه لا ينبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، فإنه مالك كل شيء وخالقه وربه.
(وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا) قال ابن عباس، ومجاهد وعِكْرِمة وميمون بن مِهْران، والسدي، وقتادة، وغير واحد: أي دائما.
وعن ابن عباس أيضًا: واجبًا. وقال مجاهد: خالصا. أي: له العبادة وحده ممن في السماوات والأرض، كقوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣].
ن في السماوات والأرض، كقوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]. هذا على قول ابن عباس وعكرمة، فيكون من باب الخبر، وأما على قول مجاهد فإنه يكون من باب الطلب، أي: ارهبوا أن تشركوا به شيئا، وأخلصوا له الطلب، كما في قوله تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣].
ثم أخبر أنه مالك النفع والضر، وأن ما بالعبد من رزق ونعمة وعافية ونصر فمن فضله
عليه وإحسانه إليه.
تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣].
ثم أخبر أنه مالك النفع والضر، وأن ما بالعبد من رزق ونعمة وعافية ونصر فمن فضله
عليه وإحسانه إليه.
(ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ) أي: لعلمكم أنه لا يقدر على إزالته إلا هو، فإنكم عند الضرورات تلجئون إليه، وتسألونه وتلحون في الرغبة مستغيثين به كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧]، وقال هاهنا: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾.