القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ثم إذا وهَب لكم ربُّكم العافيةَ، ورفَع عنكم ما أصابكم مِن المرضِ في أبدانِكم، ومن الشدةِ في معاشِكم، وفرَّج البلاءَ عنكم، ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾. يقولُ: إذا جماعةٌ منكم يَجْعَلُون للَّهِ شريكًا في عبادتهِم، فيَعْبُدون الأوثانَ، ويَذْبَحون لها الذبائحَ؛ شكرًا لغيرِ من أنعَم عليهم بالفرجِ مما كانوا فيه مِن الضُّرِّ
﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾.
دتهِم، فيَعْبُدون الأوثانَ، ويَذْبَحون لها الذبائحَ؛ شكرًا لغيرِ من أنعَم عليهم بالفرجِ مما كانوا فيه مِن الضُّرِّ
﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾. يقولُ: ليَجْحَدوا الله نعمتَه، فيما آتاهم مِن كشفِ الضرِّ عنهم، ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، وهذا مِن اللَّهِ وعِيدٌ لهؤلاء الذين وصَف صفتَهم في هذه الآياتِ، وتهديدٌ لهم، يقولُ لهم جلَّ ثناؤُه: تمتَّعوا في هذه الحياةِ الدنيا إلى أن تُوافِيَكم آجالُكم، وتَبْلُغوا الميقاتَ الذي وقَّته لحياتِكم وتمتُّعِكم فيها، فإنكم مِن ذلك ستَصِيرون إلى ربِّكم، فتَعْلَمون بلقائِه
وَبالَ ما كسَبَت أيديكم، وتَعْرِفون سوءَ [مَغَبَّةِ أمرِكم]، وتَنْدَمون [حينَ لا يَنْفَعُكم النَّدمُ].
﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾
يُقرر تعالى أنه لا إله إلا هو، وأنه لا ينبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له، فإنه مالك كل شيء وخالقه وربه.
(وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا) قال ابن عباس، ومجاهد وعِكْرِمة وميمون بن مِهْران، والسدي، وقتادة، وغير واحد: أي دائما.
وعن ابن عباس أيضًا: واجبًا. وقال مجاهد: خالصا. أي: له العبادة وحده ممن في السماوات والأرض، كقوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣].
ن في السماوات والأرض، كقوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [آل عمران: ٨٣]. هذا على قول ابن عباس وعكرمة، فيكون من باب الخبر، وأما على قول مجاهد فإنه يكون من باب الطلب، أي: ارهبوا أن تشركوا به شيئا، وأخلصوا له الطلب، كما في قوله تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣].
ثم أخبر أنه مالك النفع والضر، وأن ما بالعبد من رزق ونعمة وعافية ونصر فمن فضله
عليه وإحسانه إليه.
تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣].
ثم أخبر أنه مالك النفع والضر، وأن ما بالعبد من رزق ونعمة وعافية ونصر فمن فضله
عليه وإحسانه إليه.
(ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ) أي: لعلمكم أنه لا يقدر على إزالته إلا هو، فإنكم عند الضرورات تلجئون إليه، وتسألونه وتلحون في الرغبة مستغيثين به كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧]، وقال هاهنا: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾ بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أن بني آدم إذا مسهم
الضر دعوا الله وحده مخلصين له الدين، فإذا كشف عنهم الضر، وأزال عنهم الشدة إذا فريق منهم -وهم الكفار- يرجعون في أسرع وقت إلى ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي. وقد كرر جل وعلا هذا المعنى في القرآن، كقوله في "يونس": ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ -إلى قوله- إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ وقوله في "الإسراء": ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾ وقوله في آخر "العنكبوت": ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ