القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: سبحانَ الذي أسرَى بعبدِه ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وآتى موسى الكتاب هدًى لبنى إسرائيل، يا ذرية من حمَلنا مع نوحٍ.
وعنَى بالذريةِ جميعَ مَن احتَجَّ عليه جلَّ ثناؤُه بهذا القرآنِ مِن أجناسِ الأممِ، عربِهم وعجمِهم، من بنى إسرائيلَ وغيرهم، وذلك أَنَّ كلَّ مَن على الأَرضِ مِن بنى آدمَ، فهم من ذرية من حمَله الله مع نوحٍ في السفينة.
وبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾: والناسُ كلُّهم ذريةُ من أنجى الله في تلك السفينة.
ك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾: والناسُ كلُّهم ذريةُ من أنجى الله في تلك السفينة. ذُكر لنا أنَّه ما نَجا فيها يومئذٍ غيرُ نوحٍ وثلاثةِ بنينَ له، وامرأته وثلاثِ نسوةٍ؛ وبنوه سامٌ، وحامٌ، ويافثُ؛ فأما سامٌ فأبو العرب، وأما حامٌ فأبو الحبَش، وأما يافثُ فأبو الروم.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾. قال: بنوه ثلاثةٌ ونساؤُهم، ونوحٌ وامرأتُه.
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: قال مجاهدٌ: بنوه ونساؤُهم ونوحٌ، ولم تكنْ معهم امرأتُه.
وقد بيَّنا هذا في غير هذا الموضع فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه.
وقولُه: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾.
نوه ونساؤُهم ونوحٌ، ولم تكنْ معهم امرأتُه.
وقد بيَّنا هذا في غير هذا الموضع فيما مضَى بما أغنَى عن إعادتِه.
وقولُه: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾. يعنى بقوله تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّهُ﴾: إنَّ نوحًا - والهاءُ من ذكر نوحٍ - كان عبدًا شكورًا لله على نعمه.
وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي سمَّاه اللهُ مِن أجله شكورًا؛ فقال بعضُهم: سمَّاه الله بذلك لأنَّه كان يَحمَدُ الله على طعامِه إِذا طَعِمَه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمن بنُ مهديٍّ، قالا: ثنا سفيانُ، عن التيميِّ، عن أبي عثمان، عن سلمانَ، قال: كان نوحٌ إذا لبس ثوبًا أو أكل طعامًا حمد الله، فسُمِّى عبدًا شكورًا
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمن، قالا: ثنا سفيانُ، عن أبي حصينٍ، عن عبدِ اللهِ بن سنانٍ، عن سعدِ بن مسعودٍ بمثله.
، فسُمِّى عبدًا شكورًا
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمن، قالا: ثنا سفيانُ، عن أبي حصينٍ، عن عبدِ اللهِ بن سنانٍ، عن سعدِ بن مسعودٍ بمثله.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، عن أبي حَصِينٍ، عن عبدِ اللهِ بن سنانٍ، عن سعد بن مسعودٍ، قال: ما ليس نوحٌ جديدًا قطُّ، ولا أكَل طعامًا قطُّ، إلا حمد الله، فلذلك قال الله: ﴿عَبْدًا شَكُورًا﴾.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا المُعتمرُ بنُ سليمان، قال: ثني سفيانُ الثوريُّ، قال: ثنى أبوك، عن أبي عثمانَ النهديِّ، عن سلمانَ، قال: إنما سُمِّى نوحٌ عبدًا شكورًا، أنَّه كان إذا لبس ثوبًا حمد الله، وإذا أكل طعامًا حمد الله.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾: من بني إسرائيلَ وغيرهم، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾.
ا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾: من بني إسرائيلَ وغيرهم، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾. قال: إنَّه لم يُجَدِّدُ ثوبًا قطُّ إِلَّا حمد الله، ولم يُبْلِ ثوبًا قطُّ إلَّا حمد الله، وإذا شرِب شَرْبةً حمد الله، قال: الحمدُ لله الذي سقانيها على شهوةٍ ولذةٍ وصحةٍ. وليس في تفسيرها، وإذا شرب شَرْبةً قال هذا، ولكنْ بلغني ذا.
حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو فَضَالةَ، عن النضر بن شُفَيٍّ، عن عِمْرانَ بن سُلَيمٍ، قال: إِنَّما سُمِّى نوحٌ عبدًا شكورًا؛ أنَّه كان إذا أكل الطعام قال: الحمد لله الذي أطعَمنى، ولو شاءَ أجاعنى. وإذا شرب قال: الحمدُ لله الذي سقاني، ولو شاء أَظمَأَنى. وإذا لبس ثوبًا قال: الحمدُ لله الذي كساني، ولو شاء أَعْرَاني. وإذا لبس نعلًا قال: الحمدُ لله الذي حذَاني، ولو شاءَ أَحْفَاني.
اني، ولو شاء أَظمَأَنى. وإذا لبس ثوبًا قال: الحمدُ لله الذي كساني، ولو شاء أَعْرَاني. وإذا لبس نعلًا قال: الحمدُ لله الذي حذَاني، ولو شاءَ أَحْفَاني. وإذا قضَى
حاجةً قال: الحمدُ لله الذي أخرَج عنى أَذَاه، ولو شاءَ حبَسه.
وقال آخرون في ذلك بما حدَّثني به يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: ثنى عبدُ الجبار بنُ عمرَ، أَنَّ ابن أبي مريم حدثه، قال: إِنَّما سَمَّى اللهُ نوحًا عبدًا شكورًا؛ أنه كان إذا خرَج البَرازُ منه قال: الحمدُ للهِ الذي سوَّغَنيك طيِّبًا، وأخرَج عنى أذاك، وأبْقَى منفعَتَكَ.
وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا به بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: قال الله لنوح: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾: ذُكِرَ لنا أنَّه لم يَسْتَجِدَّ ثوبًا قطُّ إلا حمد الله، وكان يَأْمرُ إذا استجَدَّ الرجلُ ثوبًا أن يقولَ: الحمدُ لله الذي كسانى ما أتجمَّلُ به، وأوارى به عورتي.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾.
كسانى ما أتجمَّلُ به، وأوارى به عورتي.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾. قال: كان إذا لبس ثوبًا قال: الحمدُ للهِ. وإذا أخلقه قال: الحمدُ للهِ.
﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلا (٢) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾.
لما ذكر تعالى أنه أسرى بعبده محمد، صلوات الله وسلامه عليه، عطف بذكر موسى عبده
وكليمه [﵇] أيضًا، فإنه تعالى كثيرًا ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد ﵉ وبين ذكر التوراة والقرآن؛ ولهذا قال بعد ذكر الإسراء: (وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) يعني التوراة (وَجَعَلْنَاهُ) أي الكتاب (هُدًى) أي هاديًا (لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلا تَتَّخِذُوا) أي لئلا تتخذوا (مِنْ دُونِي وَكِيلا) أي وليًا ولا نصيرًا ولا معبودًا دوني؛ لأن الله تعالى أنزل على كل نبي أرسله أن يعبده وحده لا شريك له.
ثم قال: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ) تقديره: يا ذرية من حملنا مع نوح. فيه تهييج وتنبيه على المنة، أي: يا سلالة من نجينا فحملنا مع نوح في السفينة، تشبهوا بأبيكم، (إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) فاذكروا أنتم نعمتي عليكم بإرسالي إليكم محمدًا ﷺ.
لمنة، أي: يا سلالة من نجينا فحملنا مع نوح في السفينة، تشبهوا بأبيكم، (إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا) فاذكروا أنتم نعمتي عليكم بإرسالي إليكم محمدًا ﷺ. وقد ورد في الحديث وفي الأثر عن السلف: أن نوحًا، ﵇، كان يحمد الله [تعالى] على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه كله; فلهذا سمي عبدًا شكورًا.
قال: الطبراني حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن أبي حُصَين، عن عبد الله بن سنان، عن سعد بن مسعود الثقفي قال: إنما سمي نوح عبدًا شكورًا؛ لأنه كان إذا أكل أو شرب حمد الله.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو أسامة، حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن سعيد بن أبي بُرْدَة، عن أنس بن مالك، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمد الله عليها".
وهكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من طريق أبي أسامة، به.
وقال مالك، عن زيد بن أسلم: كان يحمد الله على كل حال.
الأكلة أو يشرب الشربة فيحمد الله عليها".
وهكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من طريق أبي أسامة، به.
وقال مالك، عن زيد بن أسلم: كان يحمد الله على كل حال.
وقد ذكر البخاري هنا حديث أبي زُرْعَة، عن أبي هريرة [﵁]، عن النبي ﷺ قال: "أنا سيد الناس يوم القيامة -بطوله، وفيه -: فيأتون نوحًا فيقولون: يا نوح، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد سماك الله عبدًا شكورًا، اشفع لنا إلى ربك" وذكر الحديث بكماله.
قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة من حملهم مع نوح؛ تنبيهًا على النعمة التي نجاهم بها من الغرق، ليكون في ذلك تهييج لذرياتهم على طاعة الله. أي: يا ذرية من حملنا مع نوح فنجيناهم من الغرق، تشبهوا بأبيكم، فاشكروا نعمنا. وأشار إلى هذا المعنى في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ الآية.
وبين في مواضع أخر الذين حملهم مع نوح من هم؟
نْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ الآية.
وبين في مواضع أخر الذين حملهم مع نوح من هم؟ وبين الشيء الذي حملهم فيه، وبين من بقي له نسل وعقب منهم، ومن
انقطع ولم يبق له نسل ولا عقب.
فبين أن الذين حملهم مع نوح: هم أهله ومن آمن معه من قومه في قوله: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ﴾ وبين أن الذين آمنوا من قومه قليل بقوله: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾.
وبين أن ممن سبق عليه القول من أهله بالشقاء امرأته وابنه. قال في امرأته: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ﴾ إلى قوله ﴿وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾ وقال في ابنه: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)﴾ وقال فيه أيضًا: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ الآية.
﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)﴾ وقال فيه أيضًا: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ الآية. وقوله: ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي: الموعود بنجاتهم في قوله: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ الآية، ونحوها من الآيات.
وبين أن الذي حملهم فيه هو السفينة في قوله: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا .. ﴾ الآية، أي: السفينة، وقوله: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ .. ﴾ الآية، أي: أدخل فيها، أي: السفينة ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾.
وبين أن ذرية من حمل مع نوح لم يبق منها إلا ذرية نوح في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ وكان نوح يحمد الله على طعامه وشرابه، ولباسه وشأنه كله، فسماه الله عبدًا شكورًا.
وأظهر أوجه الإعراب في قوله: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا﴾ الآية: أنه منادى بحرف محذوف.
•