هم به مِن الحُجَجِ والأدلةِ، ﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾، خائِفين مِن فرعونَ ومَلَئِهم.
اختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى الذُريَّة في هذا الموضعِ. فقال بعضُهم: معنى الذُّرِّيَّةِ في هذا الموضعِ: القليلُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾. قال: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: الذُّريَّةُ: القليلُ
حُدِّثتُ عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: حدَّثنا عُبيدُ بنُ سليمان، قال: سمِعْتُ الضّحَاكَ يقولُ في قولِه تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾. الذريةُ: القليلُ.
لُ: حدَّثنا عُبيدُ بنُ سليمان، قال: سمِعْتُ الضّحَاكَ يقولُ في قولِه تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾. الذريةُ: القليلُ. كما قال اللهُ تعالى: ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [سورة الأنعام: ١٣٣].
و قال آخرون: معنى ذلك: فما آمنَ لموسى إلا ذريةُ من أُرسِل إليه موسى مِن بنى إسرائيلَ لطولِ الزمانِ؛ لأن الآباءَ ماتوا وبَقِى الأبناء، فقيلَ لهم ذريةٌ؛ لأنهم كانوا ذريةَ مَن هلَك ممن أُرسِل إليهم موسى ﵇.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ أبى بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه تعالى ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾. قال: أولادُ الذين أُرسل إليهم، مِن طولِ الزمانِ، وماتَ
آباؤهم
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ.
ل: أولادُ الذين أُرسل إليهم، مِن طولِ الزمانِ، وماتَ
آباؤهم
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ. وحدَّثني المُثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾. قال: أولادُ الذين أُرسِل إليهم موسى، من طولِ الزمانِ، وماتَ آباؤهم.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾.
يزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾. قال: أبناءُ الذين أُرسِل إليهم، فطال عليهم الزمانُ، وماتت آباؤهم.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فما آمَن لموسى إلا ذريَّةٌ مِن قومِ فرعونَ.
ذكر من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾. قال: فإن الذُّريَّةَ التي آمنَتْ لموسى، مِن أناسٍ غيرِ بنى إسرائيلَ، مِن قومِ فرعونَ يسيرٌ؛ منهم امرأةُ فرعونَ، ومؤمنُ آلِ فرعونَ، وخازِنُ فرعونَ، وامرأةُ خازنه
وقد رُوىَ عن ابنِ عباس خبرٌ يَدُلُّ على خلافِ هذا القولِ، وذلك ما حدَّثني به المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾.
ُّ على خلافِ هذا القولِ، وذلك ما حدَّثني به المُثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾. يقولُ: بنى إسرائيلَ.
فهذا الخبرُ يُنبيُّ عن أنه كان يَرَى أن الذُّريَّةَ في هذا الموضعِ، هم بنو إسرائيلَ دونَ غيرِهم مِن قومِ فرعونَ.
وأَولى هذه الأقوالِ عندى بتأويلِ الآيةِ، القولُ الذي ذكرْتَه عن مجاهدٍ، وهو أن الذريةَ فى هذا الموضعِ، أُريد بها ذُرِّيةٌ مَن أُرسِل إليه موسى مِن بني إسرائيلَ، فهَلَكوا قبلَ أن يُقِرُّوا بِنُبُوَّته لطولِ الزمانِ، فأدركَتْ ذُرِّيتُهم، فآمنَ منهم مَن ذَكَر اللهُ بموسى.
وإنما قلتُ: هذا القولُ أولى بالصوابِ فى ذلك؛ لأنه لم يَجْرِ في هذه الآيةِ ذكرٌ لغيرِ موسى، فلأن تكونَ "الهاءُ" فى قولِه: ﴿مِنْ قَوْمِهِ﴾ من ذكر موسى لقُربها مِن ذكرِه، أولى مِن أن تكونَ مِن ذكرِ فرعونَ لبُعدِ ذكرِه منها، إذ لم يكن بخلافِ ذلك دليلٌ مِن خبرٍ ولا نظرٍ.
وبعدُ، فإن في قولِه: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾.
نَ مِن ذكرِ فرعونَ لبُعدِ ذكرِه منها، إذ لم يكن بخلافِ ذلك دليلٌ مِن خبرٍ ولا نظرٍ.
وبعدُ، فإن في قولِه: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾. الدليلَ الواضحَ على أن "الهاءَ" فى قولِه: ﴿إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾. من ذكرِ موسى، لا مِن ذكرِ فرعونِ؛ لأنها لو كانت مِن ذكرِ فرعونَ، لكان الكلامُ: على خوفٍ منه. ولم يكن: على خوفٍ مِن فرعونَ.
وأما قولُه: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ﴾. فإنه يعنى على حالِ خوفٍ ممِّنْ آمَنَ مِن ذُرِّية قومِ موسى بموسى.
فتأويلُ الكلامِ: فما آمن لموسى إلا ذريةٌ مِن قومِه، من بنى إسرائيلَ، وهم خائِفونَ من فرعونَ ومَلَئِهم أن يَفتِنوهم.
وقد زَعَم بعضُ أهلِ العربيةِ أنه إنما قيل: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾، لأن الذين كانوا آمنوا به إنما كانت أُمَّهاتُهم من بني إسرائيلَ، وآباؤُهم مِن القِبْط، فقيل لهم: الذريةُ.
َ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾، لأن الذين كانوا آمنوا به إنما كانت أُمَّهاتُهم من بني إسرائيلَ، وآباؤُهم مِن القِبْط، فقيل لهم: الذريةُ. من أجل ذلك، كما قيل لأبناءِ الفُرْسِ الذين أُمَّهَاتُهم مِن العَرَبِ وآباؤُهم مِن العَجَمِ: أبناءٌ.
والمعروفُ مِن معنى الذريَّةِ فى كلامِ العربِ، أنها أعقابُ من نُسِبَتْ إليه من قِبَلِ الرجالِ والنساءِ. كما قال الله جلَّ ثناؤُه: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ٣]. وكما قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ﴾. ثم قال بعدُ: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾ [الأنعام: ٨٥،٨٤]. فجَعل مَن كان مِن قِبَل الرجال والنساء من ذرية إبراهيمَ.
وأما قولُه: ﴿وَمَلَئِهِمْ﴾. فإن الملأَ الأشرافُ. وتأويلُ الكلام: على خوفٍ مِن فرعونَ ومن أشرافِهم.
واختلَفَ أهلُ العربيةِ فى مَن عُنِى بالهاءِ والميمِ اللتين فى قولِه: ﴿وَمَلَئِهِمْ﴾.
إلى مَن معه]. وقال: ألا تَرى أنك تقولُ: قَدِمَ الخليفةُ فكَثُرَ الناسُ. تريدُ: بمنَ معه، وقَدِمَ فعلتِ الأسعارُ. [لأنك تَنِوى] بقدومِه قدومَ مَن معه. قال: وقد يكونُ أن تريدَ بفرعونَ آل فرعونَ، وتحذفُ الآلَ، فيجوزُ كما قال: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] يريدُ أهل القرية، والله أعلمُ.
قال: ومثلُه قولُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].
وأولى القولين في ذلك بالصوابِ عندى قولُ مَن قال: الهاءُ والميمُ عائدتان على الذريةِ، ووجَّه معنى الكلامِ إلى أنه: على خوفٍ مِن فرعونَ، وملأ الذريةِ. لأنه كان في ذريةِ القَرْنِ الذين أُرسِلَ إليهم موسى مَن كان أبوه قبطيًّا وأمه إسرائيليةً، فمن كان كذلك منهم كان مع فرعونَ على موسى.
وقولُه: ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾.
ذريةِ القَرْنِ الذين أُرسِلَ إليهم موسى مَن كان أبوه قبطيًّا وأمه إسرائيليةً، فمن كان كذلك منهم كان مع فرعونَ على موسى.
وقولُه: ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾. [يقولُ: كان إيمانُ مَنْ آمَن مِن ذريَّةِ قومِ موسى على خوفٍ من فرعونَ أن يفتنَهم] بالعذابِ، فيَصُدَّهم عن دينِهم، ويحملَهم على الرجوعِ عن الإيمانِ، والكفرِ باللهِ.
وقال: أن يَفْتِتَهم، فوحَّد، ولم يَقُلْ: أن يَفْتِنوهم؛ لدليلِ الخبرِ عن فرعونَ بذلك؛ أن قومَه كانوا على مثلِ ما كان عليه، لمِا قد تقدَّم من قولِه: ﴿عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ﴾.
وقولُه: ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾. يقولُ فإنه لمن المُتَجاوِزِين الحقِّ إلى الباطلِ، وذلك كفرُه باللهِ، وتركُه الإيمانَ به، وجُحودُه وحدانيةَ اللهِ، وادعاؤُه لنفسِه الألوهةَ، وسفكُه الدماءَ بغيرِ حِلِّها.
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (٨١) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (٨٢)﴾
ذكر تعالى قصة السحرة مع موسى، ﵇، في سورة الأعراف، وقد تقدم الكلام عليها هناك. وفي هذه السورة، وفي سورة طه، وفي الشعراء؛ وذلك أن فرعون -لعنه الله -أراد أن يَتَهَرَّج على الناس، ويعارض ما جاء به موسى، ﵇، من الحق المبين، بزخارف السحرة والمشعبذين، فانعكَس عليه النظام، ولم يحصل له ذلك المرام، وظهرت البراهين الإلهية في ذلك المحفل العام، و ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ * قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الشعراء: ٤٦ - ٤٨] فظن فرعون أن يستنصر بالسحَّار، على رسول عالم الأسرار، فخاب وخسر الجنة، واستوجب النار.
ُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ).
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عمار بن الحارث، حدثنا عبد الرحمن -يعني الدَّشْتَكِيّ -أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن لَيْث -وهو ابن أبي سليم -قال: بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن الله تعالى، تقرأ في إناء فيه ماء، ثم يصب على رأس المسحور: الآية التي من سورة يونس: (فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ) والآية الأخرى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١١٨]، وقوله ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩].