القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ثم لنحن أعلمُ من هؤلاء الذين نَنْزِعُهم مِن كلِّ شيعةٍ أَوْلَاهم بشِدَّةِ العذابِ، وأَحَقَّهم بعظيمِ العقوبةِ.
وذُكِر عن ابن جريجٍ أنه كان يقولُ في ذلك ما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى
بِهَا صِلِيًّا﴾. قال: أَوْلَى بالخلودِ في جهنمَ.
وهذا الذي قاله ابن جريجٍ قولٌ لا معنَى له؛ لأن الله تعالى ذكرُه أخبَر أن الذين ينزعُهم مِن كلِّ شيعةٍ مِن الكَفَرَةِ أشدُّهم كفرًا، ولا شكَّ أنه لا كافرَ باللهِ إلا مُخَلَّدٌ في النارِ، فلا وَجْهَ، وجميعُهم مُخَلَّدون في جهنمَ، لأن يقالَ: ثم لنحن أعلمُ بالذين هم أحقُّ بالخلودِ مِن هؤلاء المُخَلَّدين.
َ باللهِ إلا مُخَلَّدٌ في النارِ، فلا وَجْهَ، وجميعُهم مُخَلَّدون في جهنمَ، لأن يقالَ: ثم لنحن أعلمُ بالذين هم أحقُّ بالخلودِ مِن هؤلاء المُخَلَّدين. ولكن المعنى في ذلك ما ذكرنا.
وقد يحتمِلُ أن يكونَ معناه: ثم لنحن أعلمُ بالذين هم أَوْلَى ببعضِ طبقاتِ جهنمَ صِلِيًّا.
"والصِّلِيُّ" مصدرُ: صَلَيْتَ تَصْلِى صِلِيًّا. و"الصَّلِيُّ" فعولٌ، ولكنَّ واوَها انقلبَت ياءً فاندَغمت في الياءِ التي بعدَها التي هي لامُ الفعلِ، فصارت ياءً مشدَّدَةً.
ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، وفي الصحيح: "يقول الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني، وآذاني ابن آدم ولم يكن له أن يؤذيني، أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون عليّ من آخره، وأما أذاه إياي فقوله: إن لي ولدًا، وأنا الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد".
وقوله: (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ) أقسم الرب، ﵎، بنفسه الكريمة، أنه لا بد أن يحشرهم جميعًا وشياطينهم الذين كانوا يعبدون من دون الله، (ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا).
قال العَوْفي، عن ابن عباس: يعني: قعودا كقوله: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية: ٢٨].
وقال السدي في قوله: (ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا): يعني: قيامًا، وروي عن مرة، عن ابن مسعود [مثله].
وقوله: (ثُمَّ لَنَنزعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ) يعني: من كل أمة قاله مجاهد، (أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا).
عن مرة، عن ابن مسعود [مثله].
وقوله: (ثُمَّ لَنَنزعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ) يعني: من كل أمة قاله مجاهد، (أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا).
قال الثوري، عن [علي بن الأقمر]، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود قال: يحبس الأول على الآخر، حتى إذا تكاملت العدة، أتاهم جميعًا، ثم بدأ بالأكابر، فالأكابر جرما، وهو قوله: (ثُمَّ لَنَنزعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا).
وقال قتادة: (ثُمَّ لَنَنزعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا) قال: ثم لننزعن من أهل كل دين قادتهم [ورؤساءهم] في الشر. وكذا قال ابن جريج، وغير واحد من السلف.
شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا) قال: ثم لننزعن من أهل كل دين قادتهم [ورؤساءهم] في الشر. وكذا قال ابن جريج، وغير واحد من السلف. وهذا كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ أُولاهُمْ لأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨، ٣٩]
وقوله: (ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا) ثم" هاهنا لعطف الخبر على الخبر، والمراد أنه تعالى أعلم بمن يستحق من العباد أن يصلى بنار جهنم ويخلَّد فيها، وبمن يستحق تضعيف
العذاب، كما قال في الآية المتقدمة: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾.
قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ﴾ أي: لنستخرجن ﴿مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ أي: من كل أمة أهل دين واحد. وأصل الشيعة فِعْلة كفرقة، وهي الطائفة التي شاعت غيرها أي: تبعته في هدى أو ضلال؛ تقول العرب: شاعه شياعًا: إذا تبعه.
وقوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾ أي: لنستخرجن ولنميزن من كل طائفة من طوائف الغي والفساد أعصاهم فأعصاهم، وأعتاهم فأعتاهم، فيبدأ بتعذيبه وإدخاله النار على حسب مراتبهم في الكفر، والإضلال والضلال.
جن ولنميزن من كل طائفة من طوائف الغي والفساد أعصاهم فأعصاهم، وأعتاهم فأعتاهم، فيبدأ بتعذيبه وإدخاله النار على حسب مراتبهم في الكفر، والإضلال والضلال. وهذا هو الظاهر في معنى الآية الكريمة: أن الرؤساء القادة في الكفر يعذبون قبل غيرهم ويشدد عليهم العذاب لضلالهم وإضلالهم.
وقد جاءت آيات من كتاب الله تعالى تدل على هذا، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣) وقوله: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ ولأجل هذا كان في أمم النار أولى وأخرى.
فالأولى: التي يبدأ بعذابها وبدخولها النار.
ريمة: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾ يعني: أنَّه جل وعلا أعلم بمن يستحق منهم أن يصلى النار، ومن هو أولى بذلك. وقد بين أن الرؤساء والمرءوسين كلهم ممن يستحق ذلك في قوله: ﴿قَال لِكُلٍّ ضِعْفٌ .. ﴾ الآية، والصِّلِي مصدر صَلِي النار كرضي يصلاها صِلِيًّا -بالضم والكسر- إذا قاسى ألمها، وباشر حرها.
واختلف العلماء في وجه رفع "أي" مع أنَّه منصوب؛ لأنه مفعول ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾؛ فذهب سيبويه ومن تبعه إلى أن لفظة "أي" موصولة، وأنها مبنية على الضم إذا كانت مضافة وصدر صلتها ضمير محذوف كما هنا. وعقده ابن مالك في الخلاصة بقوله:
أيٌّ كما وأُعْرِبت ما لم تُضَف ... وصدْرُ وصلها ضميرٌ انحَذَف
وبعضُهم أعربَ مطلقًا .. إلخ. ويدل على صحة قول سيبويه ﵀ قول غسان بن وعلة:
إذا ما لقيتَ بني مالك ... فسلِّم على أيُّهم أفضل
والرواية بضم "أيهم"، وخالف الخليل ويونس وغيرهما سيبويه في "أي" المذكورة.
سيبويه ﵀ قول غسان بن وعلة:
إذا ما لقيتَ بني مالك ... فسلِّم على أيُّهم أفضل
والرواية بضم "أيهم"، وخالف الخليل ويونس وغيرهما سيبويه في "أي" المذكورة. فقال الخليل: إنها في الآية استفهامية محكية بقول مقدر، والتقدير: ثم لننزعن من كل شيعة الذي يقال فيه: أيهم أشد؛ وأنشد الخليل لهذا المعنى الذي ذهب إليه قول الشاعر:
ولقد أبيتُ من الفتاة بمنزل ... فأبيتُ لا حَرِج ولا محروم
أي: فأبيت بمنزلة الذي يقال له: لا هو حرج ولا محروم. وأما يونس فذهب إلى أنَّها استفهامية أيضًا؛ لكنه حكم بتعليق الفعل قبلها بالاستفهام لأن التعليق عنده لا يختص بأفعال القلوب، واحتج لسيبويه على الخليل ويونس ومن تبعهما ببيت غسان بن وعلة المذكور آنفًا؛ لأن الرواية فيه بضم ﴿أَيُّهُمْ﴾ مع أن حروف الجر، لا يضمر بينها وبين معمولها قول ولا تعلق على الأصوب، وإن خالف فيه بعضهم ببعض التأويلات. وبما ذكرنا تعلم أن ما ذكره بعضهم من أن جميع النحويين غلَّطوا سيبويه في قوله هذا في "أي" في هذه الآية الكريمة = خلاف التحقيق. والعلم عند الله تعالى.
ت. وبما ذكرنا تعلم أن ما ذكره بعضهم من أن جميع النحويين غلَّطوا سيبويه في قوله هذا في "أي" في هذه الآية الكريمة = خلاف التحقيق. والعلم عند الله تعالى. وقرأ حمزة والكسائى وحفص ﴿عِتِيًّا﴾ بكسر العين. و ﴿صِلِيًّا (٧٠)﴾ بكسر الصاد للإتباع. وقرأ الباقون بالضم فيهما على الأصل.
•