Maka ketika Talut membawa bala tentaranya, dia berkata, "Allah akan menguji kamu dengan satu sungai. Maka barang siapa meminum (airnya), dia bukanlah pengikutku. Dan barang siapa tidak meminumnya, maka dia adalah pengikutku kecuali menciduk seciduk dengan tangan." Tetapi mereka meminumnya kecuali sebagian kecil dari mereka. Ketika dia (Talut) dan orang-orang yang beriman bersamanya menyeberangi sungai itu, mereka berkata, "Kami tidak kuat lagi pada hari ini melawan Jalut dan bala tentaranya." Mereka yang meyakini bahwa mereka akan menemui Allah berkata, "Betapa banyak kelompok kecil mengalahkan kelompok besar dengan izin Allah." Dan Allah beserta orang-orang yang sabar
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾.
وفى هذا الخبرِ من اللهِ تعالى ذكرُه متروكٌ قد استُغْنِي [بدَلالتِه على] ما ذُكِر عليه عن ذكرِه. ومعنى الكلامِ: إن في ذلك لآيةً لكم إن كنتم مؤمنين، فأتاهم التابوتُ فيه سَكِينةٌ من ربِّهم و بَقِيَّةُ مما ترَك آلُ موسى وآلُ هارونَ، تَحمِلُه الملائكةُ، فصدَّقوا عندَ ذلك نبيَّهم، وأَقَرُّوا بأن الله قد بعَث طالوتَ مَلِكًا عليهم، وأَذْعَنوا له بذلك. يَدُلُّ على ذلك قولُه: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾. وما كان ليَفصِلَ بهم إلا بعدَ رضاهم به، وتَسْليمِهم الملُكَ له؛ لأنه لم يكنْ مِمَّن يقدِرُ على إكْراهِهم على ذلك، فيُظَنَّ به أنه حَمَلهم على ذلك كرْهًا.
وأما قولُه: ﴿فَصَلَ﴾.
عدَ رضاهم به، وتَسْليمِهم الملُكَ له؛ لأنه لم يكنْ مِمَّن يقدِرُ على إكْراهِهم على ذلك، فيُظَنَّ به أنه حَمَلهم على ذلك كرْهًا.
وأما قولُه: ﴿فَصَلَ﴾. فإنه يعنى به: شخَص بالجُنُدِ ورحَل بهم.
وأصلُ الفصْلِ القَطْعُ، يقالُ منه: فَصَل الرجل من موضعِ كذا وكذا - يعنى
به: قَطَعَ ذلك فجَاوَزه شاخِصًا إلى غيره - يفصِلُ فصولًا، وفَصَل العَظْمَ والقولَ من غيرِه، فهو يفصِلُه فَصْلًا، إذا قَطَعه فأبانه. وفصَل الصبيَّ فِصالًا: إذا قطَعه عن اللبنِ. وقولٌ فَصْلٌ، يقطَعُ فيُفَرِّقُ بينَ الحقِّ والباطلِ لا يُرَدُّ.
وقيل: إن طالوتَ فَصَل بالجنودِ يومئذٍ من بيتِ المَقْدسِ، وهم ثمانون ألفَ مقاتلٍ، لم يتَخَلَّفُ من بنى إسرائيلَ عن الفصولِ معه إلا ذو عِلَّةٍ لعلَّتِه، أو كبيرٌ لهَرَمِه، أو معذورٌ لا طاقةَ له بالنهوضِ معه.
ذكرُ من قال ذلك
َ مقاتلٍ، لم يتَخَلَّفُ من بنى إسرائيلَ عن الفصولِ معه إلا ذو عِلَّةٍ لعلَّتِه، أو كبيرٌ لهَرَمِه، أو معذورٌ لا طاقةَ له بالنهوضِ معه.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حدَّثني بعضُ أهلِ العلمِ، عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: خرَج بهم طالوتُ حيَن استَوسَقوا له، ولم يتَخَلَّفْ عنه إلا كبيرٌ ذو عِلَّةٍ، أو ضَريرٌ معذورٌ، أو رجلٌ في ضَيْعةٍ لا بدَّ له من تَخَلُّفٍ فيها.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ. عن السُّدِّيِّ، قال: لمَّا جاءهم التابوتُ آمَنوا بنُبوَّة شمعونَ، وسَلَّموا مُلْكَ طالوتَ، فخَرَجوا معه وهم ثمانون ألفًا.
قال أبو جعفرٍ: فلمَّا فَصَل بهم طالوتُ على ما وصَفنا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ
مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾.
َّموا مُلْكَ طالوتَ، فخَرَجوا معه وهم ثمانون ألفًا.
قال أبو جعفرٍ: فلمَّا فَصَل بهم طالوتُ على ما وصَفنا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ
مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. يقولُ: إن الله مُخْتَبِرُكم بنَهَرٍ، ليَعْلَمَ كيف طاعتُكم له.
وقد دلَّلنا على أن معنى الابتلاء الاختبارُ فيما مضَى، بما أغنَى عن إعادته.
وبما قلنا في ذلك كان قتادةُ يقولُ.
حدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ في قولِ اللَّهِ تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. قال: إن الله يَبْتلى خلْقَه بما يشاءُ؛ ليَعْلَمَ مَن يطيعُه مِمَّن يَعْصِيه.
وقيل: إن طالوتَ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. لأنهم شكَوا إلى طالوتَ قلةَ المياهِ بينَهم وبيَن عدوِّهم، وسألوه أن يدعوَ اللَّهَ لهم أن يُجْرِيَ بينَهم وبينَ عدوِّهم نَهَرًا.
ْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. لأنهم شكَوا إلى طالوتَ قلةَ المياهِ بينَهم وبيَن عدوِّهم، وسألوه أن يدعوَ اللَّهَ لهم أن يُجْرِيَ بينَهم وبينَ عدوِّهم نَهَرًا. فقال لهم طالوتُ حينَئذٍ ما أخبَر الله عنه أنه قاله مِن قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمَةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: حدَّثني بعضُ أهلِ العلمِ، عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: لمَّا فَصَل طالوتُ بالجنودِ قالوا: إن المياهَ لا تحمِلُنا، فادْعُ الله لنا يُجْرِى لنا نَهَرًا. فقال لهم طالوتُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ الآية.
والنَّهَرُ الذي أخبرَهم طالوتُ أن الله مُبْتَلِيهم به، قيل: هو نهرٌ بينَ الأُرْدُنِّ وفِلَسْطيَن.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾.
ْطيَن.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. قال الربيعُ: ذُكِر لنا، والله أعلمُ، أنه نهرٌ بينَ الأُردُنِّ وفِلَسْطينَ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. قال: ذُكِر لنا أنه نَهرٌ بينَ الأُرْدُنِّ وفِلَسْطينَ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. قال: هو نَهَرٌ بينَ الأُردُنِّ وفِلَسطيَن.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾: غازيًا إلى جالوتَ، قال طالوتُ لبنى إسرائيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾.
ن جُرَيجٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾: غازيًا إلى جالوتَ، قال طالوتُ لبنى إسرائيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. قال: نَهَرٌ بينَ فِلَسْطيَن والأُرْدُنِّ، نَهَرٌ عَذْبُ المَاءِ طَيِّبُه.
وقال آخرون: بل هو نهرُ فِلَسْطينَ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن
أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾: فالنهرُ الذي ابتُلِى به بنو إسرائيلَ نَهَرُ فِلَسْطِينَ.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾: هو نَهَرُ فِلَسْطِينَ.
ئيلَ نَهَرُ فِلَسْطِينَ.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾: هو نَهَرُ فِلَسْطِينَ.
وأما قولُه: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فإنه خيرٌ من الله تعالى ذكرُه عن طالوتَ أنه قال لجنودِه، إذ شَكَوا إليه العَطَشَ، فَأَخْبَرهم أَن اللَّهَ مُبْتَلِيهِم بِنَهَرٍ، ثم أعلَمَهم أن الابتلاءَ الذي أخبرَهم عن الله به مِن ذلك النَّهَرِ، هو أن مَن شَرِب مِن مائِه فليس هو منه، يعنى بذلك أنه ليس من أهلِ ولايتِه وطاعتِه، ولا من المؤمنين بالله وبلقائِه. ويدُلُّ على أن ذلك كذلك قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾.
لايتِه وطاعتِه، ولا من المؤمنين بالله وبلقائِه. ويدُلُّ على أن ذلك كذلك قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾. فَأَخرَجَ مَن لم يجاوزِ النهرَ من الذين آمنوا، ثم أخْلَص ذكرَ المؤمنين بالله ولقائِه عندَ دُنُوِّهم من جالوتَ وجنودِه بقولِه: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وأخبَرهم أنه مَن لم يَطْعَمُه؛ يعنى: مَن لم يَطْعَمِ الماءَ من ذلك النهرِ.
والهاءُ في قولِه: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ﴾. وفى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾. عائدةٌ على النَّهَرِ، والمعنى لمائِه. وإنما تَرَك ذكرَ الماءِ اكِتفاءً بفَهْمِ السامِعِ بذكْرِ النَّهَرِ كذلك، أن المرادَ به الماءُ الذي فيه.
ومعنى قولِه: ﴿لَمْ يَطْعَمْهُ﴾: لم يَذُقْه. يعنى: ومَن لم يَذُقْ ماءَ ذلك النَّهَرِ فهو مِنِّى. يقولُ: هو من أهلِ ولايتى وطاعتى، والمؤمنين بالله وبلقائِه. ثم استَثْنَى من قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾.
ن لم يَذُقْ ماءَ ذلك النَّهَرِ فهو مِنِّى. يقولُ: هو من أهلِ ولايتى وطاعتى، والمؤمنين بالله وبلقائِه. ثم استَثْنَى من قولِه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾. المُغْتَرِفِين بأيديهم غُرْفَةً، [فقال: و] مَن لم يَطْعَمْ ماءَ ذلك النهرِ إِلا غُرْفَةً يَغْتَرفُها بيدِه، فإِنه مِنِّي.
ثم اختلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾. فقرَأه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والبصرةِ: (غَرْفَةً) بِنَصْبِ الغَيْنِ من الغَرْفِةِ، بمعنى الغَرْفَةِ الواحدةِ، من قولِك: اغتَرفتُ غَرْفَةً. والغَرْفَةُ هي الفعلُ بعينِه من الاغْتِرافِ.
وقرَأه آخرون بالضَّمِّ، بمعنى الماءِ الذي يَصِيرُ في كَفِّ المُغْتَرِفِ، فالغُرْفةُ الاسمُ، والغَرْفةُ المصدرُ.
وأعجبُ القراءتين في ذلك إليَّ ضَمُّ الغَيْنِ في "الغُرْفَةِ" بمعنى: إلا مَنِ اعْتَرَف كَفًّا من ماءٍ. لاختلافِ"غرْفة" إذا فُتِحَت غَيْنُها، وما هي له مصدرٌ.
القراءتين في ذلك إليَّ ضَمُّ الغَيْنِ في "الغُرْفَةِ" بمعنى: إلا مَنِ اعْتَرَف كَفًّا من ماءٍ. لاختلافِ"غرْفة" إذا فُتِحَت غَيْنُها، وما هي له مصدرٌ. وذلك أن مصدرَ "اعْتَرَف" "اغتِرافةٌ"، وإنما "غَرْفَةٌ" مصدرُ "غَرَفْت"، فلما كانت "غَرْفةٌ" مُخالِفةً مصدرَ "اغتَرَف"، كانت الغُرْفةُ التي بمعنى الاسمِ على ما قد وصَفْنا أشبهَ منها بالغَرْفةِ التي هي بمعنى الفعلِ.
وذُكرِ لنا أن عامَّتَهم شَرِبوا مِن ذلك الماءِ، فكان مَن شَرِب منه عَطِش، ومَن اعْتَرَف غُرْفَةً رَوِى.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾: فشَرِب القومُ على قَدْرِ يَقينِهم، فأمَّا الكفارُ فجعَلوا يشرَبون فلا يَرْوَوْن، وأما المؤمنون فجعَل الرجلُ يغتَرِفُ غُرْفَةٌ بيدِه، فتَجْزِيه وتُرْوِيه.
ين منهم، وكان القومُ كثيرًا، ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾، يعنى المؤمنين منهم، كان أحدُهم يغتَرِفُ الغُرْفَةَ فيَجْزِيه ذلك ويُرْوِيه.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمروٌ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: لمَّا أصبَح التابوتُ وما فيه في دارِ طالوتَ، آمَنوا بِنُبُوَّةِ شَمْعونَ، وسَلَّموا مُلْكَ طالوتَ،
فخرَجوا معه وهم ثمانون ألفًا، وكان جالوتُ من أعظمِ الناسِ وأشدِّهم بأسًا، فَخَرَج يسيرُ بينَ يَدَى الجندِ، ولا تجتمِعُ إليه أصحابُه حتى يَهْزِمَ هُو مَن لَقِى، فلما خرَجوا قال لهم طالوتُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ فشَرِبوا منه هَيبةً من جالوتَ، فعَبَر منهم أربعةُ آلافٍ، ورجَع ستةٌ وسبعون ألفًا، فمَن شرِب منه عَطِش، ومَن لم يشرَبُ منه إلا غُرْفَةً رَوِى.
مِنِّي﴾ فشَرِبوا منه هَيبةً من جالوتَ، فعَبَر منهم أربعةُ آلافٍ، ورجَع ستةٌ وسبعون ألفًا، فمَن شرِب منه عَطِش، ومَن لم يشرَبُ منه إلا غُرْفَةً رَوِى.
حدَّثني يونسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ: أَلقَى الله على لسانِ طالوتَ حينَ فَصَل بالجنودِ، فقال: لا يَصْحَبْنى أحدٌ إلا أحدٌ له نِيَّةٌ في الجهادِ. فلم يَتَخلَّفْ عنه مُؤْمنٌ، ولم يَتْبَعْه منافِقٌ؛ [رجَعوا كفَّارًا]، فلما رأى قِلَّتَهم قالوا: لن نَمَسَّ هذا الماءَ غُرْفةً ولا غيرَها. وذلك أنه قال لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ الآية. فقالوا: لن نَمَسَّ هذا، لا غُرْفةً ولا غيرَ غُرْفَةٍ. قال: وأَخَذَ البَقِيةُ الغُرْفَةَ، فشَرِبوا منه حتى كَفَتْهم وفَضَل منهم.
كُمْ بِنَهَرٍ﴾ الآية. فقالوا: لن نَمَسَّ هذا، لا غُرْفةً ولا غيرَ غُرْفَةٍ. قال: وأَخَذَ البَقِيةُ الغُرْفَةَ، فشَرِبوا منه حتى كَفَتْهم وفَضَل منهم. قال: والذين لم يأخُذوا الغُرْفَةَ أَقوَى من الذين أخَذوها.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ
اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾: فشَرِب كلُّ إنسانٍ كَقَدْرِ الذي في قلبهِ، فمَن اعْتَرَف غُرْفةً وأطاعَه رَوى بطاعتِه، ومَن شَرِب فأكثَر عَصَى، فلم يَرْوَ لمعصيتِه.
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، في حديثٍ ذكَره عن بعضِ أهلِ العلمِ، عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾.
وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ في قولِه: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾. يقولُ الله تعالى ذكرُه: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ وكان - فيما يزعُمون - من تَتَابَعَ منهم في الشُّرْبِ الذي نُهِي عنه لم يُرْوِه، ومَن لم يَطْعَمُه إلا كما أُمِر غُرْفَةً بيدِه، أجْزأه وكَفاه.
أَهلِ بدرٍ؛ ثلاثَمائةِ رجلٍ وبِضْعةَ عشَرَ رجلًا.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا هارونُ بنُ إسحاقَ الهَمْدَانِيُّ، قال: ثنا مُصْعَبُ بنُ المِقْدام، وحدَّثنا
أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمد الزُّبيرِيُّ، قالا جميعًا: ثنا إسرائيلُ، قال: ثنا أبو إسحاق، عن البراءِ، قال: كُنَّا نتحدَّثُ أن عِدَّةَ أصحاب بدرٍ على عِدَّةِ أصحابِ طالوتَ الذين جاوَزوا النَّهَر معه، ولم يجز معه إلا مؤمنٌ، ثلاثُمائةٍ وبِضعةَ عشَرَ رجلًا.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ، قال: كُنَّا نتحدَّثُ أن أصحابَ بدر يومَ بدرٍ كعِدَّةِ أصحاب طالوت؛ ثلاثُمائةِ رجلٍ وثلاثةَ عشَرَ رجلًا الذين جاوَزوا النَّهَرَ.
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ، قال: كُنَّا نتحدَّثُ أن أصحابَ النبيِّ ﷺ كانوا يومَ بدرٍ ثلاثمائة وبضعَةَ عَشَرَ رجلًا على عدةِ أصحابِ طالوتَ مَن جاز معه، وما جاز معه إلا مؤمنٌ.
اءِ، قال: كُنَّا نتحدَّثُ أن أصحابَ النبيِّ ﷺ كانوا يومَ بدرٍ ثلاثمائة وبضعَةَ عَشَرَ رجلًا على عدةِ أصحابِ طالوتَ مَن جاز معه، وما جاز معه إلا مؤمنٌ.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن أبي إسحاقَ، عن البراء بنحوه.
حدَّثنا ابن بَشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: كُنَّا نتحدَّثُ أن أصحابَ النبيِّ ﷺ كانوا يومَ بدرٍ على عِدَّة أصحابِ طالوتَ يومَ جاوزوا النَّهَرَ، وما جاوَز معه إلا مسلمٌ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ مثله.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ قال لأصحابه يومَ بدرٍ: "أنتم بعِدَّةِ أصحاب طالُوتَ يومَ لَقِى".
َّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكر لنا أن نبيَّ الله ﷺ قال لأصحابه يومَ بدرٍ: "أنتم بعِدَّةِ أصحاب طالُوتَ يومَ لَقِى". وكان أصحاب رسول الله ﷺ يوم بدرٍ ثلاثمائةٍ وبضعةَ عشَرَ رجلًا.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: مَحَّصَ الله الذين آمنوا عندَ النَّهَرِ، وكانوا ثلاثمائةٍ وفوقَ العشَرَةِ ودونَ العشرين، فجاء داودُ ﵇ فأكمَلَ به العِدَّةَ.
وقال آخرون: بل جاوَز معه النَّهَرَ أربعةُ آلافٍ، وإنما خلَص أهلُ الإيمانِ منهم من أهل الكفر والنِّفاق حينَ لقُوا جالوتَ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، السُّدِّيِّ، قال: عبر مع طالوت النهَرَ من بنى إسرائيل أربعةُ آلافٍ، ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾، فنَظَروا إلى جالوت رجعوا أيضًا وقالوا: ﴿قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾.
مَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾، فنَظَروا إلى جالوت رجعوا أيضًا وقالوا: ﴿قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾. فرجع عنه أيضًا ثلاثةُ آلاف وستُّمائة وبضعةٌ وثمانون، وخلَص في ثلاثمائةٍ وبضْعَةَ عَشَرَ، عِدَّةِ أَهلِ بدرٍ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباس: لمَّا جاوزه هو والذين آمنوا معه، قال الذين شَرِبوا: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾.
وأولى القولين في ذلك بالصواب ما رُوى عن ابن عباس وقاله السُّدِّيُّ، وهو أنه جاوَز النَّهَرَ مع طالوت المؤمنُ الذي لم يَشْرَبْ من النهر إلا الغُرْفةَ، والكافرُ الذي شَرِب منه الكثيرَ، ثم وقع التمييزُ بينَهم بعدَ ذلك برؤية جالوتَ ولقائه، وانخَزَل عنه أهلُ الشِّرْكِ والنِّفاقِ، وهم الذين قالوا: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾.
ُ بينَهم بعدَ ذلك برؤية جالوتَ ولقائه، وانخَزَل عنه أهلُ الشِّرْكِ والنِّفاقِ، وهم الذين قالوا: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾. ومضى أهلُ البصيرةِ بأمرِ اللَّهِ على بصائِرِهم، وهم أهلُ الثَّباتِ على الإيمان، فقالوا: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
فإِن ظَنَّ ذو غَفْلَةٍ أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ جاوَز النَّهَرَ مع طالوتَ إِلا أَهلُ الإيمانِ الذين ثبتوا معه على إيمانِهم، ومَن لم يشرَب من النهر إلا الغُرْفَةَ؛ لأن الله تعالى ذكرُه قال: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾. فكان معلومًا أنه لم يجاوِزْ معه إلا أهلُ الإيمانِ، على ما رُوى به الخبرُ عن البَرَاءِ بن عازبٍ، ولأن أهلَ الكفرِ لو كانوا جاوزوا النهَرَ كما جاوَزه أهلُ الإيمانِ، لما خَصَّ الله بالذِّكْرِ في ذلك أهلَ الإيمانِ.
ى به الخبرُ عن البَرَاءِ بن عازبٍ، ولأن أهلَ الكفرِ لو كانوا جاوزوا النهَرَ كما جاوَزه أهلُ الإيمانِ، لما خَصَّ الله بالذِّكْرِ في ذلك أهلَ الإيمانِ. فإن الأمر في ذلك بخلافِ ما ظنَّ، وذلك أنه غيرُ مُسْتَنكرٍ أن يكونَ الفريقان - أعنى فريق الإيمان وفريق الكُفْرِ - جاوزوا النَّهَرَ، وأخبر الله نبيَّه محمدًا ﷺ عن المؤمنين بالمُجاوزة؛ لأنهم كانوا من الذين جاوَزوه مع مَلِكِهم، وتَرَك ذكرَ أهلِ الكفرِ، وإن كانوا قد جاوَزوا النَّهَرَ مع المؤمنين.
والذي يَدُلُّ على صحةِ ما قلنا في ذلك قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. فأوجب الله تعالى ذكرُه أن الذين يَظُنُّون أنهم ملاقو اللَّهِ هم الذين قالوا عند مجاوزة النهرِ: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. دون غيرهم الذين لا يَظُنُّون أنهم ملاقُو الله، وأن الذين لا يظُنُّون أنهم ملاقُو الله هم الذين قالوا: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾. وغيرُ جائزٍ أن يُضافَ الإيمانُ إلى مَن جَحَد أنه مُلاقى الله، أو شَكَّ فيه.
لوت ومن معه، وهم الذين عَصَوا أمرَ اللَّهِ لشُرْبهم من النَّهَرِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ بذلك. وهو
قولُ ابن عباسٍ، وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك عنه آنِفًا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: الذين يظُنُّون أنَّهم ملاقُو اللَّهِ، الذين اغتَرَفوا وأطاعوا، الذين مَضَوا مع طالوتَ المؤمنون، وجلَس الذين شَكُّوا.
وقال آخرون: كلا الفريقَين كان أهلَ إيمانٍ، ولم يكنْ منهم أحدٌ شرِب مِن الماءِ إلا غُرْفةً، بل كانوا جميعًا أهلَ طاعةٍ، ولكنَّ بعضَهم كان أصحَّ يَقِينًا من بعضٍ، وهم الذين أخبَر اللهُ عنهم أنهم قالوا: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
لهِ]، المؤمنون بعضُهم أفضلَ جِدًّا وعَزْمًا من بعضٍ، وهم مؤمنون كلُّهم.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن
قتادةَ في قولِه: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: إِن النبيَّ ﷺ قال لأصحابِه يومَ بدرٍ: "أنتم بعِدَّةِ أصحابِ طالوتَ ثَلاثُمائةٍ". قال قتادةُ: وكان مع النبيِّ ﷺ يومَ بدرٍ ثلاثُمائةٍ وبضعَةَ عشَرَ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: الذين لم يأخُذوا الغُرْفةَ أقوى من الذين أخَذوا، وهم الذين قالوا: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
ويجِبُ على القولِ الذي رُوِى عن البَراءِ بن عازبٍ أنه لم يُجاوزِ النَّهَرَ مع طالوتَ إلا عدةُ أصحابِ بدرٍ، أن يكونَ كلا الفريقَين اللذَين وصَفَهما اللهُ بما وصَفهما به، أمرُهما على نحوِ ما قال فيهما قتادةُ وابنُ زيدٍ.
نَّهَرَ مع طالوتَ إلا عدةُ أصحابِ بدرٍ، أن يكونَ كلا الفريقَين اللذَين وصَفَهما اللهُ بما وصَفهما به، أمرُهما على نحوِ ما قال فيهما قتادةُ وابنُ زيدٍ.
وأولى القولَين في [ذلك بتأويلِ الآيةِ]، ما قاله ابن عباسٍ والسُّدِّيُّ وابنُ جُرَيجٍ. وقد ذكَرنا الحُجَّةَ في ذلك فيما مَضَى قبلُ آنِفًا.
وأما تأويلُ قولِه: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾. فإنه يعنى: قال الذين يعلَمون ويَسْتيقِنون أنهم ملاقو اللَّهِ.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ﴾: الذين يَسْتيقِنون:
فتأويلُ الكلامِ: قال الذين يُوقِنون بالمَعادٍ، ويُصَدِّقون بالمَرْجِعِ إلى اللهِ، للذين قالوا: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ
قَلِيلَةٍ﴾. يعنى بـ ﴿كَمْ﴾ كثيرًا، غلَبَت فئةٌ قليلةٌ فئةً كثيرةً ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يعنى: بقضاءِ اللهِ وقَدَرِه، ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾.
ةٍ
قَلِيلَةٍ﴾. يعنى بـ ﴿كَمْ﴾ كثيرًا، غلَبَت فئةٌ قليلةٌ فئةً كثيرةً ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. يعنى: بقضاءِ اللهِ وقَدَرِه، ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. يقولُ: مع الحابِسِين أنفسَهم على رضاه وطاعتِه.
وقد أتَينا على البَيانِ عن وجوهِ الظَّنِّ، وأن أحدَ معانيه العلمُ اليقينُ، بما يدُلُّ على صحةِ ذلك فيما مَضَى، فكَرِهنا إعادتَه.
وأما الفِئَةُ فإنهم الجماعةُ من الناسِ، لا واحدَ له من لفظِه، وهو مثلُ الرَّهْطِ والنَّفَرِ، يُجْمَعُ "فِئات"، و"فِئونَ" في الرفعِ، و"فِئينَ" في النصبِ والخَفضِ، بفتحِ نونِها في كلِّ حالٍ، و"فِتينُ" بالرفعِ بإعرابِ نونِها بالرفعِ، وتَرْكِ الياءِ فيها، وفى النصبِ "فِئينًا"، وفى الخَفْضِ "فِئينٍ"، فيكونُ الإعرابُ في الخفضِ والنصبِ في نونِها، وفى كلِّ ذلك مُقَرَّةٌ فيها الياءُ على حالِها، فإن أُضِيفت قيل: هؤلاء [فِئينُك. بإقرارِ] النونِ وحَذْفِ التنوينِ، كما قال الذين لغتُهم: هذه سنينٌ، في جميعِ السنةِ: هذه سنينُك.
ا الياءُ على حالِها، فإن أُضِيفت قيل: هؤلاء [فِئينُك. بإقرارِ] النونِ وحَذْفِ التنوينِ، كما قال الذين لغتُهم: هذه سنينٌ، في جميعِ السنةِ: هذه سنينُك. بإثباتِ النونِ وإعرابِها، وحَذْفِ التنوينِ منها للإضافةِ، وكذلك العملُ في كلِّ منقوصٍ، مثلَ: مائةٌ وثُبَةٌ وقُلَةٌ وعِزَةٌ. فأما ما كان نقصُه من أولِه، فإن جَمْعَه بالتاءِ، مثلَ: عِدَةٌ وعداتٌ، وصِلةٌ وصِلاتٌ.
وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. فإنه يعنى: واللَّهُ مُعِينُ الصَّابِرين على الجهادِ في سبيلِه، وغيرِ ذلك من طاعتِه، وظهورِهم ونصْرِهم على أعدائِه
الصَّادِّين عن سبيلِه، المخالِفين مِنْهاجَ دينِه. وكذلك يقالُ لكلِّ مُعينٍ رجلًا على غيره: هو معه. بمعنى: هو معه بالعَوْنِ له والنصرةِ.
َّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن طالوت ملك بني إسرائيل حين خرج في جنوده ومن أطاعه من ملأ بني إسرائيل وكان جيشه يومئذ فيما ذكره السدي ثمانين ألفًا فالله أعلم، أنه قال: (إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم [بِنَهَر]) قال ابن عباس وغيره: وهو نهر بين الأردن وفلسطين يعني: نهر الشريعة المشهور (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي) أي: فلا يصحبني اليوم في هذا الوجه (وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ) أي: فلا بأس عليه قال الله تعالى (فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ) قال ابن جريج: قال ابن عباس: من اغترف منه بيده روي، ومن شرب منه لم يرو. وكذا رواه السدي عن أبي مالك، عن ابن عباس.
رِبُوا مِنْهُ إِلا قَلِيلا مِنْهُمْ) قال ابن جريج: قال ابن عباس: من اغترف منه بيده روي، ومن شرب منه لم يرو. وكذا رواه السدي عن أبي مالك، عن ابن عباس. وكذا قال قتادة وابن شوذب.
وقال السدي: كان الجيش ثمانين ألفًا فشرب ستة وسبعون ألفًا وتبقى معه أربعة آلاف كذا قال.
وقد روى ابن جرير من طريق إسرائيل وسفيان الثوري ومِسْعَر بن كدام عن أبي إسحاق السبيعي، عن البراء بن عازب قال: كنا نتحدث أن أصحاب محمد ﷺ الذين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر على عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر، وما جازه معه إلا مؤمن.
لبراء بن عازب قال: كنا نتحدث أن أصحاب محمد ﷺ الذين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وبضعة عشر على عدة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر، وما جازه معه إلا مؤمن. ورواه البخاري عن عبد الله بن رجاء عن إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق عن البراء قال: "كنا -أصحاب محمد ﷺ-نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت، الذين جازوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا مؤمن بضعة عشر وثلاثمائة".
ثم رواه من حديث سفيان الثوري وزهير، عن أبي إسحاق عن البراء بنحوه ولهذا قال تعالى: (فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ) أي: استقلوا أنفسهم عن لقاء عدوهم لكثرتهم فشجعهم علماؤهم [وهم] العالمون بأن وعد الله حق فإن النصر من عند الله ليس عن كثرة عدد ولا عدد. ولهذا قالوا: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)