Tanya Kitab
Daftar surahSurah Al-Baqarah › Ayat 251

QS 2:251

Surah Al-Baqarah (البقرة) ayat 251

2:251
فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ
Maka mereka mengalahkannya dengan izin Allah, dan Dawud membunuh Jalut. Kemudian Allah memberinya (Dawud) kerajaan, dan hikmah, dan mengajarinya apa yang Dia kehendaki. Dan kalau Allah tidak melindungi sebagian manusia dengan sebagian yang lain, niscaya rusaklah bumi ini. Tetapi Allah mempunyai karunia (yang dilimpahkan-Nya) atas seluruh alam
Tanya tentang ayat ini
← Ayat 250Ayat 252 →

Kata per kata

Lafadz, lema, dan akar tiap kata. Klik sebuah kata untuk melihat seluruh ayat yang memakai akar yang sama.

فَهَزَمُوهُم
هَزَمُ
هزم
بِإِذْنِ
إِذْن
اذن
ٱللَّهِ
ٱللَّه
اله
وَقَتَلَ
قَتَلَ
قتل
دَاوُۥدُ
دَاوُد
nama diri
جَالُوتَ
جَالُوت
nama diri
وَءَاتَىٰهُ
آتَى
اتي
ٱللَّهُ
ٱللَّه
اله
ٱلْمُلْكَ
مُلْك
ملك
وَٱلْحِكْمَةَ
حِكْمَة
حكم
وَعَلَّمَهُۥ
عَلَّمَ
علم
مِمَّا
مِن
preposisi
يَشَآءُ
شَآءَ
شيا
وَلَوْلَا
لَوْلَآ
partikel syarat
دَفْعُ
دَفْع
دفع
ٱللَّهِ
ٱللَّه
اله
ٱلنَّاسَ
نَّاس
نوس
بَعْضَهُم
بَعْض
بعض
بِبَعْضٍ
بَعْض
بعض
لَّفَسَدَتِ
فَسَدَتِ
فسد
ٱلْأَرْضُ
أَرْض
ارض
وَلَٰكِنَّ
لَٰكِنّ
partikel nashab
ٱللَّهَ
ٱللَّه
اله
ذُو
ذُو
nomina
فَضْلٍ
فَضْل
فضل
عَلَى
عَلَىٰ
preposisi
ٱلْعَٰلَمِينَ
عَٰلَمِين
علم

Tafsir dalam korpus (93 potongan)

QS 2:251 (jilid 4 hlm. 497) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 497 · #54917
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾. يعنى تعالى ذكرُه بذلك: فهَزَم طالوتُ وجنودُه أصحابَ جالوتَ، وقتَل داودُ جالوتَ. وفى هذا الكلامِ متروكٌ، تُرِك ذكرُه اكتفاءً بدلالةِ ما ظهَر منه عليه، وذلك أن معنى الكلامِ: ولمَّا برَزوا لجالوتَ وجنودِه، قالوا: ربَّنا أفرِغْ علينا صبرًا وثبِّتْ أقدامَنا وانصُرْنا على القومِ الكافرين، فاستجاب لهم ربُّهم، فأفرَغ عليهم صبرَه، وثبَّتَ أقدامَهم ونصَرهم على القومِ الكافرين، فهَزَموهم بإذنِ اللهِ. ولكنه ترَك ذكْرَ ذلك اكتفاءً بدلالةِ قولِه: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. على أن الله قد أجاب دعاءَهم الذي دَعَوه به. ومعنى قولِه: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: قتَلوهم بقضاءِ اللَّهِ وقَدَرِه، يقالُ منه: هزَم القومُ الجيشَ هزيمةً وهِزِّيمَى. ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 498) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 498 · #54918
ِه: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: قتَلوهم بقضاءِ اللَّهِ وقَدَرِه، يقالُ منه: هزَم القومُ الجيشَ هزيمةً وهِزِّيمَى. ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾. وداود هذا، هو داودُ بنُ إيشى نبيُّ اللهِ ﵇. وكان سببَ قتلِه إياه كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا بَكَّارُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: سمِعتُ وهبَ بنَ منبهٍ يُحدِّثُ، قال: لمَّا خرَج - أو قال: لمَّا بَرَز - طالوتُ الجالوتَ، قال جالوتُ: أبْرِزوا لى مَن يُقاتِلُنى، فإن قتَلنى فلكم مُلْكِى، وإن قتَلْتُه فلى مُلْكُكم. فأُتِى بداودَ إلى طالوتَ، فَقاضاه إن قتَله أن يُنكِحَه ابنتَه، وأن يُحَكِّمَه في مالِه، فألبَسه طالوتُ سلاحًا، فكَرِه داودُ أن يقاتِلَه بسلاحٍ، وقال: إنِ اللهُ لم يَنصُرْنى عليه لم يُغْنِ السلاحُ. فخرَج إليه بالمِقْلاعِ وبمِخْلاةٍ فيها أحجارٌ، ثم برَز له، قال له جالوتُ: أنت تُقاتِلُنى؟ قال داود: نعم. قال: وَيْلَك، [ما خرَجتَ إليَّ] إلا كما يُخرَجُ إلى الكلب بالمِقْلاعِ والحِجارةِ!
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 498) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 498 · #54919
ا أحجارٌ، ثم برَز له، قال له جالوتُ: أنت تُقاتِلُنى؟ قال داود: نعم. قال: وَيْلَك، [ما خرَجتَ إليَّ] إلا كما يُخرَجُ إلى الكلب بالمِقْلاعِ والحِجارةِ! لأُبَدِّدَنَّ لَحْمَك، ولأُطْعِمَنَّه اليومَ الطيرَ والسِّباعَ. فقال له داودُ: بل أنت عدوُّ اللهِ شرٌّ من الكلبِ. فأخَذ داودُ حجرًا ورماه بالمِقْلاعِ، فأصابه بينَ عَيْنَيه حتى نفَذ في دِماغِه، فصَرَع جالوتَ، وانهزَم مَن معه، واحتَزَّ داودُ رأسَه، فلما رجَعوا إلى طالوتَ ادَّعى الناسُ قتلَ جالوتَ؛ فمنهم مَن يأتى بالسيفِ وبالشئِ من سلاحِه أو جسدِه، وخَبَّأ داودُ رأسَه، فقال طالوتُ: مَن جاء برأسِه فهو الذي قتَله. فجاء به داودُ، ثم قال لطالوتَ: أعْطِنى ما وعَدْتَنى. فندِم طالوتُ على ما كان شرَط له وقال: إن بناتِ الملوكِ لابدَّ لهنَّ من صَداقٍ، وأنت رجلٌ جَرِئٌ شجاعٌ، فاحتَمِلْ صداقَها ثلاثَمائةِ غُلْفةٍ من أعدائِنا.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 499) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 499 · #54920
ِم طالوتُ على ما كان شرَط له وقال: إن بناتِ الملوكِ لابدَّ لهنَّ من صَداقٍ، وأنت رجلٌ جَرِئٌ شجاعٌ، فاحتَمِلْ صداقَها ثلاثَمائةِ غُلْفةٍ من أعدائِنا. وكان يرجو بذلك أن يُقْتَلَ داودُ، فغَزا داودُ، وأسَر منهم ثلاثَمائةٍ، وقطَع غُلَفَهم وجاء بها، فلم يَجِدْ طالوتُ بُدًّا من أن يُزَوِّجَه، ثم أدرَكَته النَّدامةُ، فأراد قتلَ داودَ حتى هرَب منه إلى الجبلِ، فنهَض إليه طالوتُ فحاصَره، فلما كان ذاتَ ليلةٍ سُلِّط النومُ على طالوتَ وحَرَسِه، فهَبَط إليهم داودُ، فأخَذ إبريقَ طالوتَ الذي كان يشرَبُ منه ويَتوضَّأُ، وقطَع شَعَراتٍ من لحيتِه وشيئًا من هُدْبِ ثيابِه، ثم رجَع داودُ إلى مكانِه، فناداه: [أنْ تَعاهَدْ] حرَسَك، فإنى لو شئتُ أن أقتُلَك البارحةَ فعلتُ، [وإنَّ] هذا إبْرِيقُك، وشيءٌ من شَعَرِ لحيتِك وهُدْبِ ثيابِك.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 499) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 499 · #54921
اودُ إلى مكانِه، فناداه: [أنْ تَعاهَدْ] حرَسَك، فإنى لو شئتُ أن أقتُلَك البارحةَ فعلتُ، [وإنَّ] هذا إبْرِيقُك، وشيءٌ من شَعَرِ لحيتِك وهُدْبِ ثيابِك. وبعَث به إليه، فعلِم طالوتُ أنه لو شاء قتَله، فعطَفه ذلك عليه، فأمَّنَه وعاهَده باللهِ لا يرَى منه بأسًا، ثم انصرَف، ثم كان في آخِرِ أمرِ طالوتَ أنه كان يَدُسُّ لقتْلِه، وكان طالوتُ لا يقاتِلُ عدوًّا إِلا هُزِم، حتى مات. قال بَكَّارٌ: وسُئِل وَهْبٌ وأنا أسمَعُ، أنَبِيًّا كان طالوتُ يُوحَى إليه؟ فقال: لم يأتِه وَحْيٌ، ولكن كان معه نبيٌّ يقالُ له: أشمويلُ.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 500) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 500 · #54922
زِم، حتى مات. قال بَكَّارٌ: وسُئِل وَهْبٌ وأنا أسمَعُ، أنَبِيًّا كان طالوتُ يُوحَى إليه؟ فقال: لم يأتِه وَحْيٌ، ولكن كان معه نبيٌّ يقالُ له: أشمويلُ. يُوحَى إليه، وهو الذي مَلَّك طالوتَ. حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: كان داودُ النبيُّ وإخوةٌ له أربعةٌ، معهم أبوهم شيخٌ كبيرٌ، فتَخَلَّف أبوهم وتَخلَّف معه داودُ من بين إخوتِه في غَنَمِ أبيه يَرْعاها له، وكان من أصْغرِهم، وخرَج إخوتُه الأربعةُ مع طالوتَ، فدَعاه أبوه وقد تقارَب الناسُ ودنا بعضُهم من بعضٍ - قال ابن إسحاقَ: وكان داودُ، فيما ذكَر لى بعضُ أهلِ العلمِ، عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ، رجلًا قصيرًا أزرقَ، قليلَ شعرِ الرأسِ، وكان طاهرَ القلبِ نَقِيَّه - فقال له أبوه: يا بُنَيَّ، إنا قد صنَعنا لإخوتِك زادًا يَتَقَوَّوْن به على عدوِّهم، فاخرُجْ به إليهم، فإذا دفَعتَه إليهم، فأقبِلْ إليَّ سريعًا. فقال: أفعَلُ.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 500) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 500 · #54923
أبوه: يا بُنَيَّ، إنا قد صنَعنا لإخوتِك زادًا يَتَقَوَّوْن به على عدوِّهم، فاخرُجْ به إليهم، فإذا دفَعتَه إليهم، فأقبِلْ إليَّ سريعًا. فقال: أفعَلُ. فخرَج وأخَذ معه ما عُمِل لإخوتِه، ومعه مِخْلاتُه التي يَحْمِلُ فيها الحجارةَ، ومِقْلاعُه الذي كان يَرْمى به عن غَنَمِه، حتى إذا فصَل من عندِ أبيه، فمرَّ بحَجَرٍ، فقال: يا داودُ، خُذْنى فاجعَلْنى في مِخْلاتِك تقتُلْ بى جالوتَ، فإنى حَجَرُ يعقوبَ. فأخَذه فجعَله في مِخْلاتِه، [ثم مضَى]، فبَيْنا هو يمشِى إذ مرَّ بحجَرٍ آخَرَ، فقال: يا داودُ، خُذْنى فاجعَلْنى في مِخْلاتِك تقتُلْ بى جالوتَ، فإنى حجرُ إسحاقَ. فأخَذه فجعَله في مِخْلاتِه، ثم مضَى، فبَيْنا هو يمشى إذ مرَّ بحجرٍ، فقال: يا داودُ، خُذْنى فاجعَلْنى في مِخْلاتِك تقتُلْ بى جالوتَ، فإنى حجرُ إبراهيمَ.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 501) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 501 · #54924
خَذه فجعَله في مِخْلاتِه، ثم مضَى، فبَيْنا هو يمشى إذ مرَّ بحجرٍ، فقال: يا داودُ، خُذْنى فاجعَلْنى في مِخْلاتِك تقتُلْ بى جالوتَ، فإنى حجرُ إبراهيمَ. فأخَذه فجعَله في مِخْلاتِه، ثم مضَى بما معه حتى انتهى إلى القومِ، فأعطَى إخوتَه ما بُعِث إليهم معه، وسَمِع في العسكرِ خَوْضَ الناسِ بذكرِ جالوتَ، وعِظَمِ شأنِه فيهم، وبهيبةِ الناسِ إيَّاه، ومما يُعَظِّمُون من أمرِه، فقال لهم: واللهِ إنكم لتعظِّمون من أمرِ هذا العدوِّ شيئًا ما أدرى ما هو، واللهِ لو أراه لقتَلتُه، فأدْخِلونى على المَلِكِ. فأُدْخِل على الملكِ طالوتَ، فقال: أيُّها الملِكُ، إنى أراكم تُعَظِّمون شأنَ هذا العدوِّ، واللَّهِ إنى لو أراه لقتَلْتُه. فقال: فآتِنى ما عندَك من القوَّةِ على ذلك، وما جرَّبْتَ من نفسِك. قال: قد كان الأسدُ يَعْدُو على الشاةِ من غَنِمى، فأُدْرِكُه فآخُذُ برأسِه، فأفُكُّ لَحْيَيهِ عنها، فآخُذُها مِن فِيه، فادْعُ لى بدِرْعٍ حتى أُلْقِيَها عليَّ.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 501) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 501 · #54925
كان الأسدُ يَعْدُو على الشاةِ من غَنِمى، فأُدْرِكُه فآخُذُ برأسِه، فأفُكُّ لَحْيَيهِ عنها، فآخُذُها مِن فِيه، فادْعُ لى بدِرْعٍ حتى أُلْقِيَها عليَّ. فأُتِى بدِرْعٍ فقَذَفها على عُنُقِه، ومَثَل فيها فملأَ عينَ طالوتَ ونفسَه ومَن حضَره من بنى إسرائيلَ، فقال طالوتُ: واللهِ، لعسى اللهُ أن يُهْلِكَه به. فلما أصبَحوا رجَعوا إلى جالوتَ، فلما التقَى الناسُ قال داودُ: أَرُونى جالوتَ. فأرَوه إيَّاه على فرسٍ عليه لأْمَتُه، فلما رَآه جعَلَت الأحجارُ الثلاثةُ تَواثبُ مِن مِخْلاتِه، فيقولُ هذا: خُذْنى. ويقولُ هذا: خُذْنى. ويقولُ هذا: خُذْنى. فأخَذ أحدَها، فجعَله في مِقلاعِه، ثم فَتَله به، ثم أرسَله فصَكَّ به بينَ عَيْنَى جالوتَ، فَدَمَغه، وتَنَكَّس عن دابتِه فقَتَله، ثم انهزَم جندُه، وقال الناسُ: قتَل داودُ جالوتَ.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 502) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 502 · #54926
لاعِه، ثم فَتَله به، ثم أرسَله فصَكَّ به بينَ عَيْنَى جالوتَ، فَدَمَغه، وتَنَكَّس عن دابتِه فقَتَله، ثم انهزَم جندُه، وقال الناسُ: قتَل داودُ جالوتَ. وخُلِع طالوتُ، وأقبَل الناسُ على داودَ مكانَه، حتى لم يُسْمَعْ لطالوتَ بذكرٍ، إلا أن أهلَ الكتابِ يزعُمون أنه لمَّا رأى انصرافَ بنى إسرائيلَ عنه إلى داودَ، هَمَّ بأن يَغْتالَ داودَ، وأراد قتلَه، فصَرَف اللهُ ذلك عنه وعن داودَ، وعَرَف خطيئتَه، والتَمَس التوبةَ منها إلى اللهِ. وقد رُوِى عن وَهْبِ بن مُنَبِّهٍ في أمرِ طالوتَ وداودَ قولٌ خلافُ الرِّوايتَين اللَّتين ذكَرتُ قبلُ، وهو ما حدَّثني به المُثَنَّى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ عبدِ الكريمِ، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بنُ مَعْقلٍ، أنه سمِع وَهْبَ بنَ مُنَبِّهٍ، قال: لمَّا سَلَّمَت بنو إسرائيلَ المُلْكَ لطالوتَ، أوحَى اللهُ إلى نبيِّ بنى إسرائيلَ: أن قُلْ لطالوتَ: فلْيَغْزُ أهلَ مَدْينَ، فلا يَترُكْ فيها حَيًّا إلا قتَله، فإنى سأُظهِرُه عليهم.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 502) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 502 · #54927
مُلْكَ لطالوتَ، أوحَى اللهُ إلى نبيِّ بنى إسرائيلَ: أن قُلْ لطالوتَ: فلْيَغْزُ أهلَ مَدْينَ، فلا يَترُكْ فيها حَيًّا إلا قتَله، فإنى سأُظهِرُه عليهم. فخَرَج بالناسِ حتى أتَى مَدْينَ، فقتَل مَن كان فيها إلا مَلِكَهم، فإنه أسَرَه، وساق مواشِيَهم، فأوحَى اللهُ إلى أشمويلَ: ألا تَعْجَبُ من طالوتَ إذ أمَرتُه بأمرِى فاختار فيه، فجاء بمَلِكِهم أسيرًا، وساق مواشِيَهم، فالْقَه فقلْ له: لأَنزِعَنَّ المُلْكَ من بيتِه، ثم لا يعودُ فيه إلى يومِ القيامةِ؛ فإنى إنما أُكْرِمُ مَن أطاعنى، وأُهِينُ مَن هانَ عليه أمرى. فلَقِيه، فقال له: ما صنَعتَ! لِمَ جِئْتَ بمَلِكِهم أسيرًا، ولِمَ سُقْتَ مواشِيَهم؟ قال: إنما سُقْتُ المواشىَ لأُقرِّبَها. قال له أشمويلُ: إن اللَّهَ قد نزَع من بيتِك المُلْكَ، ثم لا يعودُ فيه إلى يومِ القيامةِ. فأوحَى اللهُ إلى أشمويلَ أَن انطلِقْ إلى إيشَى، فيَعْرِض عليك بَنِيه، فادْهُنِ الذي آمُرُك بدُهْنِ القُدْسِ، يكنْ مَلِكًا على بنى إسرائيلَ.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 503) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 503 · #54928
القيامةِ. فأوحَى اللهُ إلى أشمويلَ أَن انطلِقْ إلى إيشَى، فيَعْرِض عليك بَنِيه، فادْهُنِ الذي آمُرُك بدُهْنِ القُدْسِ، يكنْ مَلِكًا على بنى إسرائيلَ. فانطلَق حتى أتَى إيشى، فقال: اعرِضْ عليَّ بَنِيك. فدَعا إيشى أكبرَ ولدِه، فأقبَل رجلٌ جَسيمٌ، حسنُ المنظرِ، فلما نظَر إليه أشمويلُ أعجَبه، فقال: الحمدُ للهِ، إن الله بصيرٌ بالعبادِ. فأوحَى اللهُ إليه: إن عَيْنَيك تُبْصِران ما ظهَر، وإنى أَطَّلِعُ على ما في القلوبِ، ليس بهذا. [فقال: ليس بهذا]، اعرِضْ عليَّ غيرَه. فعَرَض عليه ستةً، في كلِّ ذلك يقولُ: ليس بهذا. فقال: هل لك من ولدٍ غيرُهم. فقال: بلى، لى غلامٌ أمغَرُ، وهو راعٍ في الغنمِ. فقال: أرسِلْ إليه. فلما أن جاء داودُ جاء غلامٌ أمغرُ، فدَهَنه بدُهْنِ القُدْسِ، وقال لأبيه: اكتُمْ هذا، فإن طالوتَ لو يطَّلِعُ عليه قتَله. فسار جالوتُ في قومِه إلى بنى إسرائيلَ فعسكَر، وسار طالوتُ بينى إسرائيلَ وعسكَر، وتهيَّئُوا للقتالِ، فأرسَل جالوتُ إلى طالوتَ: لم يُقْتَلُ قومى وقومُك؟
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 503) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 503 · #54929
سار جالوتُ في قومِه إلى بنى إسرائيلَ فعسكَر، وسار طالوتُ بينى إسرائيلَ وعسكَر، وتهيَّئُوا للقتالِ، فأرسَل جالوتُ إلى طالوتَ: لم يُقْتَلُ قومى وقومُك؟ ابرُزْ لى، أو أبرِزْ لى مَن شئتَ، فإن قتَلتُك كان المُلْكُ لى، وإن قتَلْتَنى كان المُلْكُ لك. فأرسَل طالوتُ في عسْكرِه صائحًا: مَن يبرُزُ لجالوتَ، فإن قتَله فإن المَلِكَ يُنْكِحُه ابنتَه، ويُشْرِكُه في مُلْكِه؟ فأرسَل إيشى داودَ إلى إخوتِه - [قال الطبَريُّ: هو إيشى، ولكن قال المحدِّثُ: إيشى] - وكانوا في العسكرِ، فقال: اذهَبْ فزوِّدْ إخوتَك، وأخِبرْنى خبرَ الناسِ ماذا صنَعوا. فجاء إلى إخوتِه، وسمِع صوتًا: إن المَلِكَ يقولُ: مَن يَبْرُزُ لجالوتَ، فإن قتَله أنكَحَه المَلِكُ ابنتَه؟ فقال داودُ لإخوتِه: ما منكم رجلٌ يبرُزُ لجالوتَ فيقتُلَه ويَنكِحَ ابنةَ المَلِكِ؟ فقالوا: إنك غلامٌ أحمقُ، ومَن يُطِيقُ جالوتَ، وهو من بقيِة الجبَّارِين! فلما لم يَرَهم رَغِبوا في ذلك، قال: فأنا أذهَبُ فأقتُلُه.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 504) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 504 · #54930
ِحَ ابنةَ المَلِكِ؟ فقالوا: إنك غلامٌ أحمقُ، ومَن يُطِيقُ جالوتَ، وهو من بقيِة الجبَّارِين! فلما لم يَرَهم رَغِبوا في ذلك، قال: فأنا أذهَبُ فأقتُلُه. فانتَهَروه وغَضِبوا عليه، فلما غَفَلوا عنه، ذهَب حتى جاء الصائحَ، فقال: أنا أبرُزُ لجالوتَ. فذَهَب به إلى المَلِكِ، فقال له: لم يُجِبْنى أحدٌ إلا غلامٌ مِن بنى إسرائيلَ هو هذا. قال: يا بُنَيَّ، أنت تَبْرُزُ لجالوتَ فتُقاتِلُه؟ قال: نعم. قال: وهل آنَسْت من نفسِك شيئًا؟ قال: نعم، كنتُ راعيًا في الغنمِ، فأغارَ عليَّ الأسدُ، فأخَذتُ بلَحْيَيْه ففَكَكْتُهما. فدَعا له بقوسٍ وأداةٍ كاملةٍ، فلَبِسها وركِب الفرسَ، ثم سار منهم قريبًا، ثم صرَف فرسَه، فرَجَع إلى المَلِكِ، فقال الملكُ ومَن حولَه: جَبُن الغلامُ. فجاء فوَقَف على المَلِكِ، فقال: ما شأنُك؟ قال داودُ: إِنْ لم يقتُلْه اللهُ لى، لم يَقتُلْه هذا الفرسُ وهذا السلاحُ، فدَعْنى فأقاتِلَ كما أريدُ. فقال: نعم يا بُنَيَّ.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 504) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 504 · #54931
المَلِكِ، فقال: ما شأنُك؟ قال داودُ: إِنْ لم يقتُلْه اللهُ لى، لم يَقتُلْه هذا الفرسُ وهذا السلاحُ، فدَعْنى فأقاتِلَ كما أريدُ. فقال: نعم يا بُنَيَّ. فأخَذ داودُ مِخْلاتَه فتقَلَّدها، وألقَى فيها أحجارًا، وأخَذ مِقْلاعَه الذي كان يَرْمى به، ثم مضَى نحوَ جالوتَ، فلما دَنا من عسكرِه قال: أين جالوتُ يبرُزُ لى؟ فبرَز له على فرسٍ عليه السلاحُ كلُّه، فلما رآه جالوتُ قال: إليك أبرُزُ؟ قال: نعم. قال: فأتَيتَنى بالمِقْلاعِ والحَجَرِ كما يُؤتَى إلى الكلبِ! قال: هو ذاك. قال: لا جَرَمَ أنى سوف أُقسِّمُ لحمَك بينَ طيرِ السماءِ وسباعِ الأرضِ. قال داودُ: أو يُقَسِّمُ اللَّهُ لحمَك.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 505) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 505 · #54932
َرِ كما يُؤتَى إلى الكلبِ! قال: هو ذاك. قال: لا جَرَمَ أنى سوف أُقسِّمُ لحمَك بينَ طيرِ السماءِ وسباعِ الأرضِ. قال داودُ: أو يُقَسِّمُ اللَّهُ لحمَك. فوَضَع داودُ حجرًا في مِقْلاعِه، ثم دوَّره، فأرسَله نحوَ جالوتَ، فأصابَ أنفَ البَيْضةِ التي على جالوتَ حتى خالَط دماغَه، فوقَع من فرسِه، فمضَى داودُ إليه، فقطَع رأسَه بسيفِه، فأقبَل به في مِخْلاتِه، وبسَلَبِه يجُرُّه حتى ألقاه بينَ يَدَى طالوتَ، ففَرِحوا فرحًا شديدًا، وانصرَف طالوتُ، فلما كان داخلَ المدينةِ، سمِع الناسَ يذكُرون داودَ، فوَجَد في نفسِه، فجاءه داودُ، فقال: أعطِنى امْرأتى. فقال: أتريدُ ابنةَ المَلِكِ بغيرِ صَداقٍ؟ فقال داودُ: ما اشتَرطْتَ عليَّ صَداقًا، وما لي من شيءٍ. قال: لا أكلِّفُك إلا ما تُطِيقُ، أنت رجلٌ جرئٌ، وفى جبالِنا هذه جَراجِمةٌ يَحْتَرِبون الناسَ وهم غُلْفٌ، فإذا قتلتَ منهم مائتى رجلٍ، فائْتِنى بغُلَفِهم.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 505) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 505 · #54933
: لا أكلِّفُك إلا ما تُطِيقُ، أنت رجلٌ جرئٌ، وفى جبالِنا هذه جَراجِمةٌ يَحْتَرِبون الناسَ وهم غُلْفٌ، فإذا قتلتَ منهم مائتى رجلٍ، فائْتِنى بغُلَفِهم. فجعَل كلما قتَل منهم رجلًا نظَم غُلْفَتَه في خيطٍ، حتى نظَم مائتى غُلْفةٍ، فأَتَى إلى طالوتَ، فألقَى إليه، فقال: ادفَعْ إلى امرأتى، قد [جئتُ بما اشتَرطْتَ. فزوَّجه ابنتَه]. وأكثَر الناسُ ذكرَ داودَ، وزادَه عندَ الناسِ عَجَبًا، فقال طالوتُ لابنِه: لَتَقْتُلَنَّ داودَ. قال: سبحانَ اللهِ، ليس بأهلٍ لذلك منك. قال: إنك غلامٌ أحمقُ، ما أُرَاه إلا سوف يُخرِجُك وأهلَ بيتِك من المُلْكِ. فلما سمِع ذلك مِن أبيه، انطَلَق إلى أختِه، فقال لها: إنى قد خِفْتُ أباك أن يقتُلَ زوجَك داودَ، فمُرِيه أن يأخُذَ حِذْرَه، ويَتغيَّبَ منه. فقالت له امرأتُه ذلك فتَغيَّبَ، فلما أصبَح أرسَل طالوتُ مَن يدعو له داودَ، وقد صنَعَت امرأتُه على فِراشِه كهيئةِ النائمِ ولَحَّفَتْه، فلما جاء رسولُ طالوتَ قال: أين داودُ؟ ليُجِبِ المَلِكَ.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 505) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 505 · #54934
َح أرسَل طالوتُ مَن يدعو له داودَ، وقد صنَعَت امرأتُه على فِراشِه كهيئةِ النائمِ ولَحَّفَتْه، فلما جاء رسولُ طالوتَ قال: أين داودُ؟ ليُجِبِ المَلِكَ. فقالت له: باتَ شاكِيًا ونام الآنَ، تَرَوْنه على الفراشِ. فرجَعوا إلى طالوتَ، فأخبرُوه ذلك، فمكَث ساعةً، ثم أرسَل إليه، فقالت: هو نائمٌ لم يستيقِظْ بعدُ. فرَجَعوا إلى المَلِكِ فقال: ائتونى به وإن كان نائمًا. فجاءوا إلى الفِراشِ، فلم يَجِدوا عليه أحدًا، فجاءوا المَلِكَ فأخبَروه، فأرسل إلى ابنتِه فقال: ما حَمَلك على أن تكْذِبينِ؟ قالت: هو أمَرنى بذلك، وخِفْتُ إن لم أفعَلْ أمرَه أن يقتُلَنى. وكان داودُ فارًّا في الجبلِ حتى قُتِل طالوتُ، ومُلِّك داودُ بعدَه. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان طالوتُ أميرًا على الجيشِ، فبَعَث أبو داودَ مع داودَ بشيءٍ إلى إخوتِه، فقال داودُ لطالوتَ: [ماذا لى فأقتُلَ] جالوتَ؟ قال: لكَ ثُلُثُ مالى، وأُنكِحُك ابنتى.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 506) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 506 · #54935
ُ أميرًا على الجيشِ، فبَعَث أبو داودَ مع داودَ بشيءٍ إلى إخوتِه، فقال داودُ لطالوتَ: [ماذا لى فأقتُلَ] جالوتَ؟ قال: لكَ ثُلُثُ مالى، وأُنكِحُك ابنتى. فأخَذ مِخْلاتَه، فجعَل فيها ثلاثَ مَرَواتٍ، ثم سَمَّى حجارتَه تلك إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ، ثم أدخَل يدَه فقال: باسمِ إلهى وإلِه آبائى إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ. فخَرَج على إبراهيمَ، فجعَله في مِرْجمتِه، فخَرَقَت ثلاثًا وثلاثين بَيْضةً عن رأسِه، وقتَلَت ثلاثين ألفًا من ورائِه. حدَّثني موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: عَبَر يومَئذٍ النهرَ مع طالوتَ أبو داودَ في مَن عَبَر، مع ثلاثةَ عشَرَ ابنًا له، وكان داودُ أصغرَ بَنِيه، فأتاه ذاتَ يومٍ، فقال: يا أبتاه، ما أرْمى بقَذَّافتى شيئًا إلا صرَعتُه، فقال: أبشِرْ يا بُنَيَّ، فإن الله قد جعَل رزقَك في قَذَّافتِك. ثم أتاه مرةً أخرى، فقال: يا أبتاه، لقد دخَلتُ بينَ الجبالِ، فوجَدتُ أسدًا رابِضًا، فركِبتُ عليه، فأخَذتُ بأُذُنَيه، فلم يَهِجْنى.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 507) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 507 · #54936
زقَك في قَذَّافتِك. ثم أتاه مرةً أخرى، فقال: يا أبتاه، لقد دخَلتُ بينَ الجبالِ، فوجَدتُ أسدًا رابِضًا، فركِبتُ عليه، فأخَذتُ بأُذُنَيه، فلم يَهِجْنى. فقال: أبشِرْ يا بُنَيَّ، فإن هذا خيرٌ يُعْطِيكَه اللهُ. ثم أتاه يومًا آخَرَ، فقال: يا أبَتاه، إنى لأمشى بينَ الجبالِ فأُسَبِّحُ، فما يبقَى جبلٌ إلا سَبَّح معى. فقال: أبشِرْ يا بُنَيَّ، فإن هذا خيرٌ أعطاكَهُ اللهُ. وكان داودُ راعِيًا، وكان أبوه خلَّفَه يأتى إليه وإلى إخوتِه بالطعامِ، فأتَى النبيُّ بقَرْنٍ فيه دُهْنٌ وثوبٍ من حديدٍ، فبعَث به إلى طالوتَ، فقال: إن صاحِبَكم الذي يقتُلُ جالوتَ يُوضَعُ هذا القَرْنُ على رأسِه، فيَغْلى حتى يَدَّهِنَ منه، ولا يسيلُ على وجهِه، يكونُ على رأسِه كهيئةِ الإكليلِ، ويدخُلُ في هذا الثوبِ فيَمْلؤُه. فدَعَا طالوتُ بنى إسرائيلَ فجرَّبَهم، فلم يوافِقْه منهم أحدٌ، فلما فرَغوا قال طالوتُ لأبى داودَ: هل بَقِى لك من ولدٍ لم يَشْهَدْنا؟ قال: نعم، بَقِى ابنى داودُ، وهو يأتِينا بطعامٍ.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 507) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 507 · #54937
َّبَهم، فلم يوافِقْه منهم أحدٌ، فلما فرَغوا قال طالوتُ لأبى داودَ: هل بَقِى لك من ولدٍ لم يَشْهَدْنا؟ قال: نعم، بَقِى ابنى داودُ، وهو يأتِينا بطعامٍ. فلما أتاه داودُ، مَرَّ في الطريقِ بثلاثةِ أحجارٍ، فكَلَّمَنه وقُلْنَ له: خُذْنا يا داودُ تقتُلْ بنا جالوتَ، قال: فأخَذَهن فجَعَلهن في مِخْلاتِه. وكان طالوتُ قال: مَن قتَل جالوتَ زوَّجتُه ابنتى، وأجرَيتُ خاتمَه في مُلْكِى. فلما جاء داودُ وضَعوا القَرْنَ على رأسِه، فَغَلى حتى ادَّهَن منه، ولبِس الثوبَ فملأه، وكان رجلًا مِسْقامًا مُصْفارًّا، ولم يَلبَسْه أحدٌ إلا تَقَلْقَل فيه، فلما لَبِسه داودُ تَضايقَ الثوبُ عليه حتى تَنَقَّضَ، ثم مشى إلى جالوتَ، وكان جالوتُ من أجسمِ الناس وأشَدِّهم، فلما نظَر إلى داودَ قُذِف في قلبِه الرُّعْبُ منه، فقال له: يا فتى، ارجِعْ، فإنى أرحَمُك أن أقتُلَك. قال داودُ: لا، بل أنا أقتُلُك.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 508) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 508 · #54938
ِ الناس وأشَدِّهم، فلما نظَر إلى داودَ قُذِف في قلبِه الرُّعْبُ منه، فقال له: يا فتى، ارجِعْ، فإنى أرحَمُك أن أقتُلَك. قال داودُ: لا، بل أنا أقتُلُك. فأخرَج الحجارةَ، فجعَلها في القَذَّافةِ، كلما رفَع حجرًا سمَّاه، فقال: هذا باسمِ أبى إبراهيمَ، والثانى باسمِ أبى إسحاقَ، والثالثُ باسمِ أبى إسرائيلَ. ثم أدار القَذَّافةَ، فعادَت الأحجارُ حَجَرًا واحدًا، ثم أرسَله فصَكَّ به بينَ عَيْنَى جالوتَ، فنَقَبت رأسَه فقتَله، ثم لم تَزَلْ تقتُلُ كلَّ إنسانٍ تُصِيبُه، تَنْفُذُ منه حتى لم يكُنْ بحيالِها أحدٌ، فهزَموهم عندَ ذلك، وقتَل داودُ جالوتَ، ورجَع طالوتُ، فأنكَح داودَ ابنتَه، وأجرَى خاتَمه في مُلْكِه، فمال الناسُ إلى داودَ فأحَبُّوه، فلما رأى ذلك طالوتُ وجَد في نفسِه وحسَده، فأراد قتْلَه، فعلِم به داودُ أنه يُريدُ به ذلك، فسَجَّى له زِقَّ خَمرٍ في مَضْجَعِه، فدَخَل طالوتُ إلى منامِ داودَ وقد هرَب داودُ، فضرَب الزِّقَّ ضرْبةً فخرَقه، فسالَت الخمرُ منه، فوقَعَت قطرةٌ من خمرٍ في فِيه، فقال: يَرحَمُ
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 508) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 508 · #54939
مَضْجَعِه، فدَخَل طالوتُ إلى منامِ داودَ وقد هرَب داودُ، فضرَب الزِّقَّ ضرْبةً فخرَقه، فسالَت الخمرُ منه، فوقَعَت قطرةٌ من خمرٍ في فِيه، فقال: يَرحَمُ اللَّهُ داودَ، ما كان أكثرَ شربِه للخمرِ! ثم إن داودَ أتاه من القابلةِ في بيتِه وهو نائمٌ، فوضَع سهمَين عندَ رأسِه، وعندَ رجلَيه وعن يمينِه وعن شمالِه سهمَين، فلما استيقظ طالوتُ بَصُر بالسهامِ فعرَفها، فقال: يرحَمُ اللهُ داودَ، هو خيرٌ مِنِّي، ظَفِرتُ به فقتَلتُه، وظَفِر بى فكَفَّ عنى. ثم إنه ركِب يومًا فوجَده يمشى في البَرِّيَّةِ، وطالوتُ على فرسٍ، فقال طالوتُ: اليومَ أقتُلُ داودَ. وكان داودُ إذا فَزِع لا يُدرَكُ، فركَض على أثرِه طالوتُ، ففَزِع داودُ، فاشتدَّ، فدخَل غارًا، وأوحَى اللهُ إلى العنكبوتِ، فضرَبَت عليه بيتًا، فلما انتهى طالوتُ إلى الغارِ، نظَر إلى بناءِ العنكبوتِ، فقال: لو كان دخَل ههنا لخرَق بيتَ العنكبوتِ.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 508) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 508 · #54940
وأوحَى اللهُ إلى العنكبوتِ، فضرَبَت عليه بيتًا، فلما انتهى طالوتُ إلى الغارِ، نظَر إلى بناءِ العنكبوتِ، فقال: لو كان دخَل ههنا لخرَق بيتَ العنكبوتِ. فخُيِّل إليه فترَكَه. حدِّثتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال: حدثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ذُكِر لنا أن داودَ حينَ أتاهم كان قد جعَل معه مِخْلاةً فيها ثلاثةُ أحجارٍ، وأن جالوتَ برَز لهم فنادَى: ألا رجلٌ لرجلٍ؟ فقال طالوتُ: مَن يبرُزُ له، وإلا برَزتُ له؟ فقام داودُ فقال: أنا. فقال له طالوتُ فشَدَّ عليه درعَه، فجعَل يراه يشخَصُ فيها ويرتفِعُ، فعجِب من ذلك طالوتُ، فشَدَّ عليه أداتَه كلَّها، وأن داودَ رماهم بحَجَرٍ من تلك الحجارةِ، فأصاب في القومِ، ثم رمَى الثانيةَ بحَجَرٍ، فأصاب فيهم، ثم رمَى الثالثةَ فقتَل جالوتَ، فآتاه اللهُ المُلْكَ والحكمةَ، وعلَّمه مما يشاءُ، وصار هو الرئيسَ عليهم، وأعطَوه الطاعةَ.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 509) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 509 · #54941
الثانيةَ بحَجَرٍ، فأصاب فيهم، ثم رمَى الثالثةَ فقتَل جالوتَ، فآتاه اللهُ المُلْكَ والحكمةَ، وعلَّمه مما يشاءُ، وصار هو الرئيسَ عليهم، وأعطَوه الطاعةَ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: حدثني ابن زيدٍ، في قولِ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فقَرأ حتى بلَغ: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾. قال: أوحَى اللهُ إلى نبيِّهم أن في ولدِ فلانٍ رجلًا يَقتُلُ اللهُ به جالوتَ، ومن علامتِه هذا القَرْنُ، تَضَعُه على رأسِه فيَفِيضُ ماءً. فأتاه فقال: إن الله أو حَى إليَّ أنَّ في ولدِك رجلًا يقتُلُ اللهُ به جالوتَ. فقال: نعم يا نبيَّ اللهِ. قال: فأخرَج له اثنى عشَرَ رجلًا أمثالَ السَّوارى، وفيهم رجلٌ بارعٌ عليهم، فجَعَل يَعْرِضُهم على القَرْنِ فلا يَرى شيئًا، فيقولُ لذلك الجَسيمٍ: ارجِعْ. فيُردِّدُه عليه.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 509) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 509 · #54942
ى عشَرَ رجلًا أمثالَ السَّوارى، وفيهم رجلٌ بارعٌ عليهم، فجَعَل يَعْرِضُهم على القَرْنِ فلا يَرى شيئًا، فيقولُ لذلك الجَسيمٍ: ارجِعْ. فيُردِّدُه عليه. فأوحَى اللهُ إليه: إنا لا نأخُذُ الرجالَ على صُوَرِهم، ولكنًّا نأخُذُهم على صَلاحِ قلوبِهم. قال: يا ربِّ، قد زعَم أنه ليس له ولدٌ غيرُه. فقال: كذَب. فقال: إن ربى قد كذَّبَك، وقال: إن لك ولدًا غيرَهم. فقال: قد صدَق يا نبيَّ اللهِ، لى ولدٌ قصيرٌ، استَحْييتُ أن يَراه الناسُ، فجعَلتُه في الغنمِ. قال: فأين هو؟ قال: في شِعْبِ كذا وكذا، من جبل كذا وكذا. فخرَج إليه، فوجَد الوادىَ قد سال بينَه وبينَ البقعةِ التي كان يُرِيحُ إليها، قال: وَوَجَده يحمِلُ شاتَيْنِ شاتَين يُجِيزُ بهما، ولا يخوضُ بهما السَّيلَ، فلما رآه قال: هذا هو لا شكَّ فيه، هذا يرحَمُ البهائمَ، فهو بالناسِ أرحمُ. قال: فوضَع القرنَ على رأسِه ففاض. فقال له: ابنَ أخى، هل رأيتَ ههنا من شيءٍ يُعْجِبُك؟
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 510) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 510 · #54943
ال: هذا هو لا شكَّ فيه، هذا يرحَمُ البهائمَ، فهو بالناسِ أرحمُ. قال: فوضَع القرنَ على رأسِه ففاض. فقال له: ابنَ أخى، هل رأيتَ ههنا من شيءٍ يُعْجِبُك؟ قال: نعم، إذا سبَّحتُ سبَّحَت معى الجبالُ، وإذا أتَى النَّمِرُ أو الذئبُ أو السَّبُعُ أخَذ شاةً، قُمْتُ إليه، فأفتَحُ لَحْيَيه عنها، فلا يَهِيجُنى. قال: وألفَى معه صُفْنَه. قال: فمر بثلاثةِ أحجارٍ يَنْتَزى بعضُها على بعضٍ، كلُّ واحدٍ منها يقولُ: أنا الذي يأخُذُ. ويقولُ هذا: لا، بل إياى يأخُذُ. ويقولُ الآخرُ مثلَ ذلك. قال: فأخَذهنَّ جميعًا، فطَرَحهن في صُفْنِه، فلما جاء مع النبيِّ ﵇ وخرَجوا، قال لهم نبيُّهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾. فكان من قصةِ نبيِّهم وقصتِهم ما ذكَر اللهُ في كتابِه. وقرَأ حتى بلَغ: ﴿وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. قال: واجتَمع أمرُهم وكانوا جميعًا. وقرَأ: ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. وبرَز جالوتُ على بِرْذَونٍ له أبْلَقَ، في يدِه قوسُ نُشَّابٍ، فقال: مَن يَبْرُزُ؟
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 511) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 511 · #54944
وكانوا جميعًا. وقرَأ: ﴿وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. وبرَز جالوتُ على بِرْذَونٍ له أبْلَقَ، في يدِه قوسُ نُشَّابٍ، فقال: مَن يَبْرُزُ؟ أبْرِزوا إليَّ رأسَكم. قال: ففَظِع به طالوتُ. قال: فالتَفَت إلى أصحابِه فقال: مَن رجلٌ يكفِينى اليومَ جالوتَ؟ فقال داودُ: أنا. فقال: تعال. قال: فنزَع دِرْعًا له، فألبَسه إياها. قال: ونفَخ اللهُ من روحِه فيه حتى ملأه، قال: فرمَى بنُشَّابَةٍ فوضَعها في الدِّرعِ. قال: فكسَرها داودُ ولم تَضُرَّه شيئًا، ثلاثَ مراتٍ، ثم قال له: خُذِ الآنَ. فقال داودُ: اللهمَّ اجعَلْه حجرًا واحدًا. قال: وسَمَّى واحدًا إبراهيمَ، وآخرَ إسحاقَ، وآخَرَ يعقوبَ. قال: فجَمَعهنَّ جميعًا فكُنَّ حجرًا واحدًا. قال: فأخَذَهنَّ، وأخَذ مِقْلاعًا، فأدارَها ليَرمىَ بها، فقال: أتَرْمِينى كما يُرْمَى السَّبُعُ والذئبُ؟ ارْمِنى بالقوسِ. فقال: لا أرْمِيك اليومَ إلا بها. فقال له مثلَ ذلك أيضًا، فقال: نعم، وأنت أهونُ عليَّ من الذئب. فأدارها وفيها أمرُ اللهِ وسلطانُ اللَّهِ.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 511) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 511 · #54945
ِنى بالقوسِ. فقال: لا أرْمِيك اليومَ إلا بها. فقال له مثلَ ذلك أيضًا، فقال: نعم، وأنت أهونُ عليَّ من الذئب. فأدارها وفيها أمرُ اللهِ وسلطانُ اللَّهِ. قال: فخَلَّى سبيلَها مأمورةً، قال: فجاءت مُظِلَّةً، فضرَبت بينَ عينَيه حتى خرَجت من قَفاه، ثم قتَلَت من أصحابِه وراءَه كذا وكذا، وهزَمهم اللهُ. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: لما قطَعوا ذلك يعنى النهرَ الذي قال اللهُ فيه مُخْبِرًا عن قِيلِ طالوتَ لجنودِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾. وجاء جالوتُ، وشقَّ على طالوتَ قِتالُه، فقال طالوتُ للناسِ: لو أن جالوتَ قُتِل أعطَيتُ الذي يقتُلُه نِصْفَ مُلْكى، وناصَفتُه كلَّ شيءٍ أملِكُه.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 511) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 511 · #54946
هَرٍ﴾. وجاء جالوتُ، وشقَّ على طالوتَ قِتالُه، فقال طالوتُ للناسِ: لو أن جالوتَ قُتِل أعطَيتُ الذي يقتُلُه نِصْفَ مُلْكى، وناصَفتُه كلَّ شيءٍ أملِكُه. فبعَث اللهُ داودَ، وداودُ يومَئذٍ في الجبلِ رَاعِى غنمٍ، وقد غَزا مع طالوتَ تسعةُ إخوةٍ لداودَ، وهم أبدُّ منه، وأغْنى منه، وأعرَفُ في الناسِ منه، وأوْجَهُ عندَ طالوتَ منه، فغزوا وترَكوه في غنمِهم، فقال داودُ حينَ ألقَى اللَّهُ في نفسِه ما ألقَى وأكرَمه: لأستَودِعنَّ ربِّي غَنمى اليومَ، ولآتينَّ الناسَ، فلأنظُرَنَّ ما الذي بلَغنى من قولِ المَلِكِ لَمن قتَل جالوتَ. فأتَى داودُ إخوتَه، فلامُوه حين أتاهم، فقالوا: لِمَ جئتَ؟ قال: لأقتُلَ جالوتَ، فإن الله قادرٌ أن أقتُلَه. فسَخِروا منه، قال ابن جريجٍ: قال مجاهدٌ: كان بعَث أبو داودَ مع داودَ بشيءٍ إلى إخوتِه، فأخَذ مِخْلاةً، فجعَل فيها ثلاثَ مَرَواتٍ، ثم سمَّاهن إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ. قال ابن جريجٍ: قالوا: وهو ضعيفٌ رثُّ الحالِ.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 512) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 512 · #54947
داودَ بشيءٍ إلى إخوتِه، فأخَذ مِخْلاةً، فجعَل فيها ثلاثَ مَرَواتٍ، ثم سمَّاهن إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ. قال ابن جريجٍ: قالوا: وهو ضعيفٌ رثُّ الحالِ. فمَرَّ بثلاثةِ أحجارٍ فقُلْنَ له: خُذْنا يا داودُ فقاتِلْ بنا جالوتَ. فأخَذهنَّ داودُ وألْقاهُنَّ في مِخْلاتِه، فلما ألْقاهُنَّ سمِع حجرًا منهنَّ يقولُ لصاحبِه: أنا حجرُ هارونَ الذي قتَل بى مَلِكَ كذا وكذا. وقال الثاني: أنا حجرُ موسى الذي قتَل بى مَلِكَ كذا وكذا. وقال الثالثُ: أنا حجرُ داودَ الذي أقتُلُ جالوتَ. فقال الحجران: يا حجرَ داودَ، نحن أعوانٌ لك. فصِرْنَ حجرًا واحدًا. وقال الحجرُ: يا داودُ، اقذِفْ بى، فإنى سأستَعينُ بالريحِ - وكانت بَيضتُه فيما يقولون واللهُ أعلمُ فيها ستُّمائةِ رَطْلٍ - فأقَع في رأسِ جالوتَ فأقتُلُه - قال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ: سَمَّى واحدًا إبراهيمَ، والآخرَ إسحاقَ، والآخرَ يعقوبَ. وقال: باسمِ إلهى وإلهِ آبائى إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ، وجعَلهنَّ في مِرْجَمتِه.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 512) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 512 · #54948
وقال مجاهدٌ: سَمَّى واحدًا إبراهيمَ، والآخرَ إسحاقَ، والآخرَ يعقوبَ. وقال: باسمِ إلهى وإلهِ آبائى إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ، وجعَلهنَّ في مِرْجَمتِه. قال ابن جريجٍ: فانطلَق حتى نفَذ إلى طالوتَ، فقال: إنك قد جعَلت لمَن قتلَ جالوت نصفَ مُلْكِك، ونصفَ كلِّ شيءٍ تَملِكُه، أفَلِى ذلك إن قتَلتُه؟ قال: نعم. والناسُ يستهزئون بداودَ، وإخوةُ داودُ أشدُّ مَن هنالك عليه، وكان طالوتُ لا يَنتَدِبُ إليه أحدٌ زعَم أنه يقتُلُ جالوتَ إلا ألبَسه دِرْعًا عندَه، فإذا لم تكنْ قَدْرًا عليه نزَعها عنه، وكانت دِرْعًا سابِغةً من دورعِ طالوتَ، فألبَسها داودَ، فلما رأى قَدْرَها عليه أمَره أن يتقدَّمَ، فتقدَّم داودُ، فقام مَقامًا لا يقومُ فيه أحدٌ، وعليه الدِّرْعُ، فقال له جالوتُ: وَيُحك، مَن أنتَ؟ إنى أرحَمُك، ليَتقدَّمْ إليَّ غيرُك من هذه الملوكِ، أنتَ إنسانٌ ضعيفٌ مسكينٌ، فارجِعْ. فقال داودُ: أنا الذي أقتُلُك بإذنِ اللَّهِ، ولن أرجِعَ حتى أقتُلَك.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 513) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 513 · #54949
رحَمُك، ليَتقدَّمْ إليَّ غيرُك من هذه الملوكِ، أنتَ إنسانٌ ضعيفٌ مسكينٌ، فارجِعْ. فقال داودُ: أنا الذي أقتُلُك بإذنِ اللَّهِ، ولن أرجِعَ حتى أقتُلَك. فلما أبَى داودُ إلا قتالَه، تقدَّم جالوتُ إليه ليأخُذه بيدِه مُقْتدِرًا عليه، فأخرَج الحجَرَ من المِخْلاةِ، فدَعا ربَّه، ورَماه بالحجرِ، فألقَت الريحُ بَيضتَه عن رأسِه، فوقَع الحجرُ في رأسِ جالوتَ حتى دخَل في جوفِه، فقتَله. قال ابن جريجٍ: وقال مجاهدٌ: لمَّا رمَى جالوتَ بالحجَرِ، خرَق ثلاثًا وثلاثين بيضةً عن رأسِه، وقتَلَت من ورائِه ثلاثين ألفًا. قال اللهُ تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾. فقال داودُ لطالوتَ: وفِّ لى بما جعلْتَ. فأبَى طالوتُ أن يُعطِيَه ذلك، فانطلَق داودُ فسكَن مدينةً من مدائنِ بنى إسرائيلَ، حتى مات طالوتُ، فلما مات عمَد بنو إسرائيلَ إلى داودَ، فجاءوا به، فمَلَّكوه وأعطَوه خزائنَ طالوتَ، وقالوا: لم يقتُلْ جالوتَ إلا نبيٌّ.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 513) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 513 · #54950
ِ بنى إسرائيلَ، حتى مات طالوتُ، فلما مات عمَد بنو إسرائيلَ إلى داودَ، فجاءوا به، فمَلَّكوه وأعطَوه خزائنَ طالوتَ، وقالوا: لم يقتُلْ جالوتَ إلا نبيٌّ. قال اللهُ: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 513) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 513 · #54951
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾. يعنى تعالى ذكرُه بذلك: وأعطَى اللَّهُ داودَ المُلْكَ والحكمةَ، وعلَّمه مما يشاءُ. والهاءُ في قولِه: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ﴾. عائدةٌ على داودَ. والمُلْكُ السلطانُ، والحكمةُ النبوَّةُ. وقولُه: ﴿وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾. يعنى: عَلَّمه صَنعةَ الدروعِ والتقديرَ في السَّرْدِ، كما قال اللهُ تعالى ذكرُه: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِنْ بَأْسِكُمْ) [الأنبياء: ٨٠]. وقد قيل: إن معنى قولِه: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾. أن اللَّهَ آتَى داودَ مُلْكَ طالوتَ، ونبوَّةَ أشمويلَ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ، قال: مُلِّك داودُ بعدَ ما قُتِل طالوتُ، وجعَله اللهُ نبيًّا، وذلك قولُه: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾. قال: الحكمةُ هي النبوَّةُ، آتاه نبوَّةَ شَمعونَ ومُلْكَ طالوتَ.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 514) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 514 · #54952
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)﴾. يعنى تعالى ذكرُه بذلك: ولولا أن الله يدفَعُ ببعضِ الناسِ - وهم أهلُ الطاعةِ له والإيمانِ به - بعضًا - وهم أهلُ المعصيةِ للهِ والشركِ به - كما دفَع عن المتخلِّفين عن طالوتَ يومَ جالوتَ من أهلِ الكفرِ باللهِ والمعصيةِ له، وقد أعطاهم ما سألوا ربَّهم ابتداءً من بَعْثةِ مَلِكٍ عليهم؛ ليجاهِدوا معه في سبيلِه، بمَن جاهَد معه من أهلِ الإيمانِ باللهِ واليقينِ والصبرِ، جالوتَ وجنودَه ﴿لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 514) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 514 · #54953
اءً من بَعْثةِ مَلِكٍ عليهم؛ ليجاهِدوا معه في سبيلِه، بمَن جاهَد معه من أهلِ الإيمانِ باللهِ واليقينِ والصبرِ، جالوتَ وجنودَه ﴿لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾. يعنى: لهلَك أهلُها بعقوبةِ اللَّهِ إيَّاهم، ففَسَدَت بذلك الأرضُ، ولكنَّ اللَّهَ ذو مَنٍّ على خلقِه، وتَطوُّلٍ عليهم؛ بدفْعِه بالبَرِّ من خلقِه عن الفاجرِ، وبالمطيعِ عن العاصى منهم، وبالمؤمنِ عن الكافرِ. وهذه الآيةُ إعلامٌ من اللهِ تعالى ذكرُه أهلَ النِّفاقِ الذين كانوا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ المتخلِّفين عن مَشاهدِه والجهادِ معه؛ للشَّكِّ الذي في نفوسِهم ومرضِ قلوبِهم، والمشركين وأهلَ الكفرِ منهم، وأنه إنما يدفَعُ عنهم مُعاجَلَتهم العقوبةَ على كفرِهم ونِفاقِهم بإيمانِ المؤمنين به وبرسولِه، الذين هم أهلُ البصائرِ والجدِّ في أمرِ اللهِ، وذَوو اليقينِ بإنجازِ اللهِ إيَّاهم وعدَه على جهادِ أعدائِه وأعداءِ رسولِه، من النصرِ في العاجلِ، والفوزِ [بجنانِه في الآخرِ]. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 515) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 515 · #54954
وعدَه على جهادِ أعدائِه وأعداءِ رسولِه، من النصرِ في العاجلِ، والفوزِ [بجنانِه في الآخرِ]. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾. يقولُ: ولولا دفْعُ اللهِ بالبَرِّ عن الفاجرِ، ودفعُه ببقيةِ أخلافِ الناسِ بعضَهم عن بعضٍ، لفسَدَت الأرضُ بهَلاكِ أهلِها. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 515) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 515 · #54955
، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾. يقولُ: ولولا دفاعُ اللَّهِ بالبَرِّ عن الفاجرِ، وببَقِيةِ أخلافِ الناسِ بعضَهم عن بعضٍ، لهَلَك أهلُها. حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن حَنْظلةَ، عن أبي مسلمٍ، قال: سمِعتُ عليًّا يقولُ: لولا بَقِيةٌ من المسلمين فيكم لهلَكْتُم. حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾. يقولُ: لهَلَك مَن في الأرضِ. حدَّثنا أبو حُمَيدٍ الحِمْصيُّ أحمدُ بنُ المُغيرةِ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا حفصُ بنُ سليمانَ، عن محمدِ بن سُوقةَ، عن وَبَرةَ بن عبدِ الرحمنِ، عن ابن عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ لَيَدْفَعُ بالمسلمِ الصالحِ عن مائةِ أهلِ بيتٍ مِن جيرانِه البلاءَ".
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 516) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 516 · #54956
عن وَبَرةَ بن عبدِ الرحمنِ، عن ابن عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ لَيَدْفَعُ بالمسلمِ الصالحِ عن مائةِ أهلِ بيتٍ مِن جيرانِه البلاءَ". ثم قرَأ ابن عمرَ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾. حدَّثني أحمدُ أبو حُمَيدٍ الحِمْصيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا عثمانُ بن عبدِ الرحمنِ، عن محمدِ بن المُنْكَدِرِ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إنَّ اللَّهَ لَيُصلِحُ بصَلاحِ الرجلِ المسلمِ ولدَه، وولدَ ولدِه، وأهلَ دُوَيْرَتِه، ودُوَيْراتٍ حولَه، ولا يَزالون في حِفْظِ اللهِ ما دامَ فيهم ". وقد دلَّلنا على قولِه: ﴿الْعَالَمِينَ﴾. وذكَرنا الروايةَ فيه. وأما القرأةُ فإنها اختَلَفت في قراءةِ قولِه: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾. فقرَأته جماعةٌ من القرأةِ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ﴾. على وجهِ المصدرِ، من قولِ القائلِ: دفَع اللهُ عن خلقِه، فهو يدفَعُ دفْعًا.
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 517) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 517 · #54957
عْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾. فقرَأته جماعةٌ من القرأةِ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ﴾. على وجهِ المصدرِ، من قولِ القائلِ: دفَع اللهُ عن خلقِه، فهو يدفَعُ دفْعًا. واحتَجَّت لاختيارِها ذلك بأن الله تعالى ذكرُه هو المُنْفَرِدُ بالدَّفْعِ عن خلقِه، ولا أحدَ يُدافِعُه فيُغالِبَه. وقرَأت ذلك جماعةٌ أُخَرُ من القرأةِ: (ولولا دفاعُ اللهِ الناسَ) على وجهِ المصدرِ، من قولِ القائلِ: دافَع اللهُ عن خلقِه، فهو يُدافِعُ مُدافعةً ودِفاعًا. واحتَجَّت لاختيارِها ذلك بأن كثيرًا من خلْقِه يُعادُون أهلَ دينِ اللهِ وولايتِه والمؤمنين به، فهم بمُحاربتِهم إيَّاهم ومُعاداتِهم لهم، للهِ مُدافِعون بظنونِهم، ومُغالِبون بجَهْلِهم، واللَّهُ مُدافِعُهم عن أوليائِه وأهلِ طاعتِه والإيمانِ به. والقولُ في ذلك عندى أنهما قراءتان قد قرَأَت بهما القرَأةُ، وجاءت بهما جماعةُ الأمةِ، وليس في القراءةِ بأحدِ الحرفَين إحالةُ معنَى الآخرِ؛ وذلك أن من دافَع
QS 2:251 (jilid 4 hlm. 517) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 517 · #54958
ولُ في ذلك عندى أنهما قراءتان قد قرَأَت بهما القرَأةُ، وجاءت بهما جماعةُ الأمةِ، وليس في القراءةِ بأحدِ الحرفَين إحالةُ معنَى الآخرِ؛ وذلك أن من دافَع غيرَه عن شيءٍ، [فمُدافِعُه عنه] بشيءٍ دافعٌ، ومتى امتَنَع المدفوعُ من الاندفاعِ، فهو لدافِعه مُدافِعٌ، ولا شكَّ أن جالوتَ وجنودَه كانوا بقتالِهم طالوتَ وجنودَه، مُحاولِين مغالبةَ حزبِ اللهِ وجندِه، وكان في مُحاولتِهم ذلك محاولةُ مغالبةِ اللَّهِ ودفاعِه، عما قد تَضمَّن لهم من النُّصْرةِ، وذلك هو معنى مُدافعةِ اللَّهِ عن الذين دافَع اللهُ عنهم بمَن قاتَل جالوتَ وجنودَه من أوليائِه. فبيِّنٌ إذن أن سواءً قراءةُ مَن قرَأ: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾. وقراءةُ مَن قرَأ: (ولولا دفاعُ اللهِ الناسَ بعضَهم ببعضٍ). في التأويلِ والمعنى.
QS 2:250-252 (jilid 1 hlm. 669) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 669 · #82537
﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾ أي: لما واجه حزب الإيمان -وهم قليل-من أصحاب طالوت لعدوهم أصحاب جالوت -وهم عدد كثير- (قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا) أي: أنزل علينا صبرًا من عندك (وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا) أي: في لقاء الأعداء وجنبنا الفرار والعجز (وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)
QS 2:250-252 (jilid 1 hlm. 669) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 669 · #82538
ا صَبْرًا) أي: أنزل علينا صبرًا من عندك (وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا) أي: في لقاء الأعداء وجنبنا الفرار والعجز (وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) قال الله تعالى: (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: غلبوهم وقهروهم بنصر الله لهم (وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ) ذكروا في الإسرائيليات: أنه قتله بمقلاع كان في يده رماه به فأصابه فقتله، وكان طالوت قد وعده إن قتل جالوت أن يزوجه ابنته ويشاطره نعمته ويشركه في أمره فوفى له ثم آل الملك إلى داود ﵇ مع ما منحه الله به من النبوة العظيمة؛ ولهذا قال تعالى: (وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ) الذي كان بيد طالوت (والحكمة) أي: النبوة بعد شمويل (وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ) أي: مما يشاء الله من العلم الذي اختصه به ﷺ ثم قال تعالى: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ) أي: لولاه يدفع عن قوم بآخرين، كما دفع عن بني إسرائيل بمقاتلة طالوت وشجاعة داود لهلكوا كما قال: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ
QS 2:250-252 (jilid 1 hlm. 669) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 669 · #82539
يدفع عن قوم بآخرين، كما دفع عن بني إسرائيل بمقاتلة طالوت وشجاعة داود لهلكوا كما قال: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ الآية [الحج: ٤٠]. وقال ابن جرير، ﵀: حدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا حفص بن سليمان عن محمد بن سوقة عن وبرة بن عبد الرحمن عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء".
QS 2:250-252 (jilid 1 hlm. 669) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 669 · #82540
حفص بن سليمان عن محمد بن سوقة عن وبرة بن عبد الرحمن عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء". ثم قرأ ابن عمر: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ) وهذا إسناد ضعيف فإن يحيى بن سعيد [هذا] هو أبو زكريا العطار الحمصي وهو ضعيف جدًّا. ثم قال ابن جرير: حدثنا أبو حميد الحمصي حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عثمان بن عبد الرحمن عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله، ولا يزالون في حفظ الله ﷿ ما دام فيهم". وهذا أيضًا غريب ضعيف لما تقدم أيضا.
QS 2:250-252 (jilid 1 hlm. 669) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 669 · #82541
"إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله، ولا يزالون في حفظ الله ﷿ ما دام فيهم". وهذا أيضًا غريب ضعيف لما تقدم أيضا. وقال أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم أخبرنا علي بن إسماعيل بن حماد أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد أخبرنا زيد بن الحباب، حدثني حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان -رفع الحديث-قال: "لا يزال فيكم سبعة بهم تنصرون وبهم تمطرون وبهم ترزقون حتى يأتي أمر الله". وقال ابن مردويه أيضًا: وحدثنا محمد بن أحمد حدثنا محمد بن جرير بن يزيد، حدثنا أبو معاذ نهار بن عثمان الليثي أخبرنا زيد بن الحباب أخبرني عمر البزار، عن عنبسة الخواص، عن قتادة عن أبي قِلابة عن أبي الأشعث الصنعاني عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: "الأبدال في أمتي ثلاثون بهم تقوم الأرض، وبهم تمطرون وبهم تنصرون" قال قتادة: إني لأرجو أن يكون الحسن منهم.
QS 2:250-252 (jilid 1 hlm. 670) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 670 · #82542
اني عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ﷺ: "الأبدال في أمتي ثلاثون بهم تقوم الأرض، وبهم تمطرون وبهم تنصرون" قال قتادة: إني لأرجو أن يكون الحسن منهم. وقوله: (وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) أي: مَنٌّ عليهم ورحمة بهم، يدفع عنهم ببعضهم بعضا وله الحكم والحكمة والحجة على خلقه في جميع أفعاله وأقواله. ثم قال تعالى: (تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) أي: هذه آيات الله التي قصصناها عليك من أمر الذين ذكرناهم بالحق أي: بالواقع الذي كان عليه الأمر، المطابق لما بأيدي أهل الكتاب من الحق الذي يعلمه علماء بني إسرائيل (وَإِنَّكَ) يا محمد (لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) وهذا توكيد وتوطئة للقسم.
QS 2:251 (jilid 1 hlm. 261) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 261 · #96354
قوله تعالى: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ لم يبين هنا شيئا مما علمه، وقد بين في مواضع أخر مما علمه صنعة الدروع كقوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. •
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 495) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 495 · #112815
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : الْآيَات ٢٤٩ الى ٢٥١] فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لَا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 495) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 495 · #112816
دُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٢٥١) فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لَا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 495) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 495 · #112817
ِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ. عطفت الْفَاءُ جُمْلَةَ: (لَمَّا فَصَلَ) ، عَلَى جُمْلَةِ وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ [الْبَقَرَة: ٢٤٨] إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ [الْبَقَرَة: ٢٤٧] لِأَنَّ بَعْثَ الْمَلِكِ لِأَجْلِ الْقِتَالِ، يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ لِلْقِتَالِ الَّذِي سَأَلُوا لِأَجْلِهِ بَعْثَ النَّبِيءِ، وَقَدْ حُذِفَ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ كَلَامٌ كَثِيرٌ مُقَدَّرٌ: وَهُوَ الرِّضَا بِالْمُلْكِ، وَمَجِيءُ التَّابُوتِ، وَتَجْنِيدُ الْجُنُودِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ.
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 495) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 495 · #112818
هُوَ الرِّضَا بِالْمُلْكِ، وَمَجِيءُ التَّابُوتِ، وَتَجْنِيدُ الْجُنُودِ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ. وَمَعْنَى فَصَلَ بِالْجُنُودِ: قَطَعَ وَابْتَعَدَ بِهِمْ، أَيْ تَجَاوَزُوا مَسَاكِنَهُمْ وَقُرَاهُمُ الَّتِي خَرَجُوا مِنْهَا وَهُوَ فِعْلٌ مُتَعَدٍّ لِأَنَّ أَصْلَهُ فَصْلُ الشَّيْءِ عَنِ الشَّيْءِ ثُمَّ عَدُّوهُ إِلَى الْفَاعِلِ فَقَالُوا فَصَلَ نَفْسَهُ حَتَّى صَارَ بِمَعْنَى انْفَصَلَ، فَحَذَفُوا مَفْعُولَهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَلِذَلِكَ تَجِدُ مَصْدَرَهُ الْفَصْلُ بِوَزْنِ مَصْدَرِ الْمُتَعَدِّي، وَلَكِنَّهُمْ رُبَّمَا قَالُوا فَصَلَ فُصُولًا نَظَرًا لِحَالَةِ قُصُورِهِ، كَمَا قَالُوا صَدَّهُ صَدًّا، ثُمَّ قَالُوا صَدَّ هُوَ صَدًّا، ثُمَّ قَالُوا صَدَّ صُدُودًا.
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 496) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 496 · #112819
مَا قَالُوا فَصَلَ فُصُولًا نَظَرًا لِحَالَةِ قُصُورِهِ، كَمَا قَالُوا صَدَّهُ صَدًّا، ثُمَّ قَالُوا صَدَّ هُوَ صَدًّا، ثُمَّ قَالُوا صَدَّ صُدُودًا. وَنَظِيرُهُ فِي حَدِيثِ صِفَةِ الْوَحْيِ «أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ» أَيْ فَيَفْصِلُ نَفْسَهُ عَنِّي، وَالْمَعْنَى فَيَنْفَصِلُ عَنِّي. وَضَمِيرُ قالَ رَاجِعٌ إِلَى (طَالُوتَ) ، وَلَا يَصِحُّ رُجُوعُهُ إِلَى نَبِيئِهِمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ مَعَهُمْ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ طَالُوتُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ مُبْتَلِيهِمْ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيئًا، يُوحَى إِلَيْهِ:
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 496) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 496 · #112820
َمْ يَخْرُجْ مَعَهُمْ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ طَالُوتُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ مُبْتَلِيهِمْ، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيئًا، يُوحَى إِلَيْهِ: إِمَّا اسْتِنَادًا لِإِخْبَارٍ تَلقاهُ من صمويل، وَإِمَّا لِأَنَّهُ اجْتَهَدَ أَنْ يَخْتَبِرَهُمْ بِالشُّرْبِ مِنَ النَّهَرِ لِمَصْلَحَةٍ رَآهَا فِي ذَلِكَ، فَأَخْبَرَ عَنِ اجْتِهَادِهِ، إِذْ هُوَ حُكْمُ اللَّهِ فِي شَرْعِهِمْ فَأَسْنَدَهُ إِلَى اللَّهِ، وَهَذَا مِنْ مَعْنَى قَوْلِ عُلَمَاءِ أُصُولِ الْفِقْهِ إِنَّ الْمُجْتَهِدَ يَصِحُّ لَهُ أَنْ يَقُولَ فِيمَا ظَهَرَ لَهُ بِاجْتِهَادِهِ إِنَّهُ دِينُ اللَّهِ أَوْ لِأَنَّهُ فِي شَرْعِهِمْ أَنَّ اللَّهُ أَوْجَبَ عَلَى الْجَيْشِ طَاعَةَ أَمِيرِهِمْ فِيمَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ، وَطَاعَةُ الْمَلِكِ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ مَصَالِحِهِمْ، وَكَانَ طَالُوتُ قَدْ رَأَى أَنْ يَخْتَبِرَ طَاعَتَهُمْ وَمِقْدَارَ صَبْرِهِمْ بِهَذِهِ الْبَلْوَى فَجَعَلَ الْبَلْوَى مِنَ اللَّهِ إِذْ قَدْ أَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِ
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 496) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 496 · #112821
تُ قَدْ رَأَى أَنْ يَخْتَبِرَ طَاعَتَهُمْ وَمِقْدَارَ صَبْرِهِمْ بِهَذِهِ الْبَلْوَى فَجَعَلَ الْبَلْوَى مِنَ اللَّهِ إِذْ قَدْ أَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِ بِهَا. وَعَلَى كُلٍّ فَتَسْمِيَةُ هَذَا التَّكْلِيفِ ابْتِلَاءً تَقْرِيبٌ لِلْمَعْنَى إِلَى عُقُولِهِمْ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إِظْهَارُ الِاعْتِنَاءِ بِهَذَا الْحُكْمِ، وَأَنَّ فِيهِ مَرْضَاةَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْمُمْتَثِلِ، وَغَضَبَهُ عَلَى الْعَاصِي، وَأَمْثَالُ هَذِهِ التَّقْرِيبَاتِ فِي مُخَاطَبَاتِ الْعُمُومِ شَائِعَةٌ، وَأَكْثَرُ كَلَامِ كُتُبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ.
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 496) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 496 · #112822
ْعَاصِي، وَأَمْثَالُ هَذِهِ التَّقْرِيبَاتِ فِي مُخَاطَبَاتِ الْعُمُومِ شَائِعَةٌ، وَأَكْثَرُ كَلَامِ كُتُبِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَلِكَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ سَائِرٌ بِهِمْ إِلَى عَدُوٍّ كَثِيرِ الْعدَد، وَقَوي الْعَهْد أَرَادَ أَنْ يَخْتَبِرَ قُوَّةَ يَقِينِهِمْ فِي نُصْرَةِ الدِّينِ، وَمُخَاطَرَتَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ وَتَحَمُّلَهُمُ الْمَتَاعِبَ وَعَزِيمَةَ مُعَاكَسَتِهِمْ نُفُوسَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ إِنَّكُمْ سَتَمُرُّونَ عَلَى نَهَرٍ، وَهُوَ نَهَرُ الْأُرْدُنِّ، فَلَا تَشْرَبُوا مِنْهُ فَمِنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي، وَرَخَّصَ لَهُمْ فِي غَرْفَةٍ يَغْتَرِفُهَا الْوَاحِدُ بِيَدِهِ يَبُلُّ بِهَا رِيقَهُ، وَهَذَا غَايَةُ مَا يَخْتَبِرُ بِهِ طَاعَةَ الْجَيْشِ، فَإِنَّ السَّيْرَ فِي الْحَرْبِ يُعَطِّشُ الْجَيْشَ، فَإِذَا وَرَدُوا الْمَاءَ تَوَافَرَتْ دَوَاعِيهِمْ إِلَى الشُّرْبِ مِنْهُ عَطَشًا وَشَهْوَةً، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 496) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 496 · #112823
حَرْبِ يُعَطِّشُ الْجَيْشَ، فَإِذَا وَرَدُوا الْمَاءَ تَوَافَرَتْ دَوَاعِيهِمْ إِلَى الشُّرْبِ مِنْهُ عَطَشًا وَشَهْوَةً، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ إِبْقَاءَ نَشَاطِهِمْ: لِأَنَّ الْمُحَارِبَ إِذَا شَرِبَ مَاءً كَثِيرًا بَعْدَ التَّعَبِ، انْحَلَّتْ عُرَاهُ وَمَالَ إِلَى الرَّاحَةِ، وَأَثْقَلَهُ الْمَاءُ. وَالْعَرَبُ تَعْرِفُ ذَلِكَ قَالَ طُفَيْلٌ يَذْكُرُ خَيْلَهُمْ: فَلَمَّا شَارَفْتَ أَعْلَامُ طَيٌّ ... وَطَيٌّ فِي الْمَغَارِ وَفِي الشِّعَابِ سَقَيْنَاهُنَّ مِنْ سَهْلِ الْأَدَاوِي ...
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 496) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 496 · #112824
فَيْلٌ يَذْكُرُ خَيْلَهُمْ: فَلَمَّا شَارَفْتَ أَعْلَامُ طَيٌّ ... وَطَيٌّ فِي الْمَغَارِ وَفِي الشِّعَابِ سَقَيْنَاهُنَّ مِنْ سَهْلِ الْأَدَاوِي ... فَمُصْطَبِحٌ عَلَى عَجَلٍ وَآبِي يُرِيدُ أَنَّ الَّذِي مَارَسَ الْحَرْبَ مِرَارًا لَمْ يَشْرَبْ لِأَنَّهُ لَا يَسْأَمُ مِنَ الرَّكْضِ وَالْجَهْدِ، فَإِذَا كَانَ حَاجِزًا كَانَ أَخَفَّ لَهُ وَأَسْرَعَ، وَالْغِرُّ مِنْهُمْ يَشْرَبُ لِجَهْلِهِ لِمَا يُرَادُ مِنْهُ، وَلِأَجْلِ هَذَا رَخَّصَ لَهُمْ فِي اغْتِرَافِ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ. وَالنَّهَرُ بِتَحْرِيكِ الْهَاءِ وَبِسُكُونِهَا لِلتَّخْفِيفِ، وَنَظِيرُهُ فِي ذَلِكَ شَعْرٌ وَبَحْرٌ وَحَجْرٌ فَالسُّكُونُ ثَابِتٌ لِجَمِيعِهَا.
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 496) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 496 · #112825
َةٍ. وَالنَّهَرُ بِتَحْرِيكِ الْهَاءِ وَبِسُكُونِهَا لِلتَّخْفِيفِ، وَنَظِيرُهُ فِي ذَلِكَ شَعْرٌ وَبَحْرٌ وَحَجْرٌ فَالسُّكُونُ ثَابِتٌ لِجَمِيعِهَا. وَقَوْلُهُ: فَلَيْسَ مِنِّي أَيْ فَلَيْسَ مُتَّصِلًا بِي وَلَا عَلَقَةَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، وَأَصْلُ «مِنْ» فِي مِثْلِ هَذَا التَّرْكِيبِ لِلتَّبْعِيضِ، وَهُوَ تَبْعِيضٌ مَجَازِيٌّ فِي الِاتِّصَالِ، وَقَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ [آل عمرَان: ٢٨] وَقَالَ النَّابِغَةُ: إِذَا حَاوَلَتْ فِي أَسَدٍ فُجُورًا ... فَإِنِّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي وَسَمَّى بَعْضُ النُّحَاةِ «مِنْ» هَذِهِ بِالِاتِّصَالِيَّةِ.
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 497) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 497 · #112826
ابِغَةُ: إِذَا حَاوَلَتْ فِي أَسَدٍ فُجُورًا ... فَإِنِّي لَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي وَسَمَّى بَعْضُ النُّحَاةِ «مِنْ» هَذِهِ بِالِاتِّصَالِيَّةِ. وَمَعْنَى قَوْلِ طَالُوتَ «لَيْسَ مِنِّي» يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْغَضَبَ عَلَيْهِ وَالْبُعْدَ الْمَعْنَوِيَّ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ يَفْصِلُهُ عَنِ الْجَيْشِ، فَلَا يُكْمِلُ الْجِهَادَ مَعَهُ، وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ لِقَوْلِهِ وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ إِظْهَارَ مَكَانَةِ مَنْ تَرَكَ الشُّرْبَ مِنَ النَّهَرِ وَوَلَائِهِ وَقُرْبِهِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا مُرَادَهُ لَكَانَ فِي قَوْلِهِ: فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي غُنْيَةٌ عَنْ قَوْلِهِ: وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الشَّارِبُ مُبْعَدًا مِنَ الْجَيْشِ فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَشْرَبْ هُوَ بَاقِي الْجَيْشِ.
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 497) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 497 · #112827
مْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الشَّارِبُ مُبْعَدًا مِنَ الْجَيْشِ فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَشْرَبْ هُوَ بَاقِي الْجَيْشِ. وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ مِنْ قَوْلِهِ: فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ لِأَنَّهُ مِنَ الشَّارِبِينَ، وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ عَنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَأَتَى بِهِ بَعْدَ جُمْلَةِ وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ لِيَقَعَ بَعْدَ الْجُمْلَةِ الَّتِي فِيهَا الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ مَعَ الْجُمْلَةِ الْمُؤَكِّدَةِ لَهَا لِأَنَّ التَّأْكِيدَ شَدِيدُ الِاتِّصَالِ بِالْمُؤَكِّدِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ رَاجِعٌ إِلَى مَنْطُوق الأولى وَمَفْهُومِ الثَّانِيَةِ، فَإِنَّ مَفْهُومَ (مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي) أَنَّ مَنْ طَعِمَهُ لَيْسَ مِنْهُ، لِيَعْلَمَ السَّامِعُونَ أَنَّ الْمُغْتَرِفَ غَرْفَةً بِيَدِهِ هُوَ كَمَنْ لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ شَيْئًا، وَأَنَّهُ لَيْسَ دُونَ مَنْ لَمْ يَشْرَبْ فِي الْوَلَاءِ
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 497) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 497 · #112828
السَّامِعُونَ أَنَّ الْمُغْتَرِفَ غَرْفَةً بِيَدِهِ هُوَ كَمَنْ لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ شَيْئًا، وَأَنَّهُ لَيْسَ دُونَ مَنْ لَمْ يَشْرَبْ فِي الْوَلَاءِ وَالْقُرْبِ، وَلَيْسَ هُوَ قِسْمًا وَاسِطَةً. وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ الرُّخْصَةُ لِلْمُضْطَرِّ فِي بِلَالِ رِيقِهِ، وَلَمْ تَذْكُرْ كُتُبُ الْيَهُودِ هَذَا الْأَمْرَ بِتَرْكِ شُرْبِ الْمَاءِ مِنَ النَّهَرِ حِينَ مُرُورِ الْجَيْشِ فِي قِصَّةِ شَاوُلَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَتْ قَرِيبا مِنْهُ إِذْ قَالَ فِي سِفْرِ صَمْوِيلَ لَمَّا ذَكَرَ أَشَدَّ وَقْعَةٍ بَيْنَ الْيَهُودِ وَأَهْلِ فِلَسْطِينَ:
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 497) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 497 · #112829
ّةِ شَاوُلَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَتْ قَرِيبا مِنْهُ إِذْ قَالَ فِي سِفْرِ صَمْوِيلَ لَمَّا ذَكَرَ أَشَدَّ وَقْعَةٍ بَيْنَ الْيَهُودِ وَأَهْلِ فِلَسْطِينَ: «وَضَنُكَ رِجَالُ إِسْرَائِيلَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِأَنَّ شَاوُلَ حَلَّفَ الْقَوْمَ قَائِلًا مَلْعُونٌ مَنْ يَأْكُلُ خُبْزًا إِلَى الْمَسَاءِ حَتَّى أَنْتَقِمَ مِنْ أَعْدَائِي» وَذَكَرَ فِي سِفْرِ الْقُضَاةِ فِي الْإِصْحَاحِ السَّابِعِ مِثْلَ وَاقِعَةِ النَّهَرِ، فِي حَرْبِ جَدْعُونَ قَاضِي إِسْرَائِيلَ لِلْمَدْيَانِيِّينَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاقِعَةَ تَكَرَّرَتْ لِأَنَّ مِثْلَهَا يَتَكَرَّرُ فَأَهْمَلَتْهَا كُتُبُهُمْ فِي أَخْبَارِ شَاوُلَ. وَقَوْلُهُ: لَمْ يَطْعَمْهُ بِمَعْنَى لَمْ يَذُقْهُ، فَهُوَ مِنَ الطَّعْمِ بِفَتْحِ الطَّاءِ، وَهُوَ الذَّوْقُ أَيِ اخْتِبَارُ الْمَطْعُومِ،
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 497) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 497 · #112830
شَاوُلَ. وَقَوْلُهُ: لَمْ يَطْعَمْهُ بِمَعْنَى لَمْ يَذُقْهُ، فَهُوَ مِنَ الطَّعْمِ بِفَتْحِ الطَّاءِ، وَهُوَ الذَّوْقُ أَيِ اخْتِبَارُ الْمَطْعُومِ، وَكَانَ أَصْلُهُ اخْتِبَارَ طَعْمِ الطَّعَامِ أَيْ مُلُوحَتِهِ أَوْ ضِدِّهَا، أَوْ حَلَاوَتِهِ أَوْ ضِدِّهَا، ثُمَّ تَوَسَّعَ فِيهِ فَأَطْلَقَ عَلَى اخْتِبَارِ الْمَشْرُوبِ، وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِالْقَرِينَةِ، قَالَ الْحَارِثُ بْنُ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيُّ وَقِيلَ الْعَرْجِيُّ: فَإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمْ ... وَإِنْ شِئْتِ لَمْ أَطْعَمْ نُقَاخًا وَلَا بَرْدًا (١) فَالْمَعْنَى لَمْ أَذُقْ.
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 498) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 498 · #112831
قِيلَ الْعَرْجِيُّ: فَإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النِّسَاءَ سِوَاكُمْ ... وَإِنْ شِئْتِ لَمْ أَطْعَمْ نُقَاخًا وَلَا بَرْدًا (١) فَالْمَعْنَى لَمْ أَذُقْ. فَأَمَّا أَنْ يُطْلَقَ الطَّعْمُ عَلَى الشُّرْبِ أَيِ ابْتِلَاعِ الْمَاءِ فَلَا، لِأَنَّ الطَّعْمَ الْأَكْلُ وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الْآيَةِ وَالْبَيْتِ مَنْفِيًّا، لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ أَقَلُّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الذَّوْقِ، وَمِنْ أَجْلِ هَذَا عَيَّرُوا خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيَّ لَمَّا أَخْبَرَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ بِخُرُوجِ الْمُغِيرَةِ بْنِ سَعِيدٍ عَلَيْهِ فَقَالَ «أَطْعِمُونِي مَاءً» إِذْ لَمْ يُعْرَفُ فِي كَلَام الْعَرَب الْأَمر مِنَ الْإِطْعَامِ إِلَّا بِمَعْنَى الْأَكْلِ، وَأَمَّا مَنْ يَطْلُبُ الشَّرَابَ فَإِنَّمَا يَقُولُ اسْقُونِي لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ طَعِمَ بِمَعْنَى شَرِبَ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى أَكَلَ (٢) .
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 498) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 498 · #112832
، وَأَمَّا مَنْ يَطْلُبُ الشَّرَابَ فَإِنَّمَا يَقُولُ اسْقُونِي لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ طَعِمَ بِمَعْنَى شَرِبَ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى أَكَلَ (٢) . وَالْغَرْفَةُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ فِي قِرَاءَةِ نَافِعٍ وَابْنِ كَثِيرٍ وَابْنِ عَامِرٍ وَأَبِي جَعْفَرٍ، الْمَرَّةُ مِنَ الْغَرْفِ وَهُوَ أَخْذُ الْمَاءِ بِالْيَدِ، وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ وَعَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ وَيَعْقُوبُ وَخَلَفٌ، بِضَمِّ الْغَيْنِ، وَهُوَ الْمِقْدَارُ الْمَغْرُوفُ مِنَ الْمَاءِ. وَوَجْهُ تَقْيِيدِهِ بِقَوْلِهِ: بِيَدِهِ مَعَ أَنَّ الْغَرْفَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْيَدِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ تَقْدِيرَ مِقْدَارِ الْمَاءِ الْمَشْرُوبِ، فَيَتَنَاوَلُهُ بَعْضُهُمْ كَرْهًا، فَرُبَّمَا زَادَ عَلَى الْمِقْدَارِ فَجُعِلَتِ الرُّخْصَةُ الْأَخْذَ بِالْيَدِ.
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 498) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 498 · #112833
َ مِقْدَارِ الْمَاءِ الْمَشْرُوبِ، فَيَتَنَاوَلُهُ بَعْضُهُمْ كَرْهًا، فَرُبَّمَا زَادَ عَلَى الْمِقْدَارِ فَجُعِلَتِ الرُّخْصَةُ الْأَخْذَ بِالْيَدِ. وَقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ: فَشَرِبُوا مِنْهُ عَلَى قِلَّةِ صَبْرِهِمْ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا بِأَهْلٍ لِمُزَاوَلَةِ الْحُرُوبِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَلْبَثُوا أَنْ صَرَّحُوا بَعْدَ مُجَاوَزَةِ النَّهَرِ فَقَالُوا: لَا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ ذَلِكَ قَالُوهُ لَمَّا رَأَوْا جُنُودَ الْأَعْدَاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَ قُوَّةَ الْعَدُوِّ، وَكَانُوا يُسِرُّونَ الْخَوْفَ، فَلَمَّا اقْتَرَبَ الْجَيْشَانِ، لَمْ يَسْتَطِيعُوا كِتْمَانَ مَا بِهِمْ.
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 498) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 498 · #112834
هُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَ قُوَّةَ الْعَدُوِّ، وَكَانُوا يُسِرُّونَ الْخَوْفَ، فَلَمَّا اقْتَرَبَ الْجَيْشَانِ، لَمْ يَسْتَطِيعُوا كِتْمَانَ مَا بِهِمْ. وَفِي الْآيَةِ انْتِقَالٌ بَدِيعٌ إِلَى ذِكْرِ جُنْدِ جَالُوتَ وَالتَّصْرِيحِ بِاسْمِهِ، وَهُوَ قَائِدٌ مِنْ قُوَّادِ الْفِلَسْطِينِيِّينَ اسْمُهُ فِي كُتُبِ الْيَهُودِ جُلْيَاتٍ كَانَ طُولُهُ سِتَّةَ أَذْرُعٍ وَشِبْرًا، وَكَانَ مُسَلَّحًا مُدَرَّعًا، وَكَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُبَارِزَهُ أَحَدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَكَانَ إِذَا خَرَجَ لِلصَّفِّ عَرَضَ عَلَيْهِمْ مبارزته وعيرهم بجنبهم. وَقَوْلُهُ: قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ الْآيَةَ، أَيِ الَّذِينَ لَا يُحِبُّونَ الْحَيَاةَ وَيَرْجُونَ الشَّهَادَةَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَلِقَاءُ اللَّهِ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ الْمَوْتِ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ شَهَادَةٌ وَفِي الْحَدِيثِ «مِنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ» فَالظَّنُّ عَلَى بَابِهِ.
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 499) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 499 · #112835
ةٌ عَنِ الْمَوْتِ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ شَهَادَةٌ وَفِي الْحَدِيثِ «مِنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ» فَالظَّنُّ عَلَى بَابِهِ. وَفِي قَوْلِهِ: كَمْ مِنْ فِئَةٍ خَبَرِيَّةٌ لَا مَحَالَةَ إِذْ لَا مَوْقِعَ لِلِاسْتِفْهَامِ فَإِنَّهُمْ قَصَدُوا بِقَوْلِهِمْ هَذَا تَثْبِيتَ أنفسهم وأنفس رفقائهم، وَلِذَلِكَ دَعَوْا إِلَى مَا بِهِ النَّصْرُ وَهُوَ الصَّبْر والتوكل فَقَالُوا وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ. وَالْفِئَةُ: الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْفَيْءِ وَهُوَ الرُّجُوعُ، لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَرْجِعُ إِلَى بَعْضٍ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ مُؤَخِّرَةُ الْجَيْشِ فِئَةً، لِأَنَّ الْجَيْشَ يَفِيءُ إِلَيْهَا.
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 499) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 499 · #112836
ْءِ وَهُوَ الرُّجُوعُ، لِأَنَّ بَعْضَهُمْ يَرْجِعُ إِلَى بَعْضٍ، وَمِنْهُ سُمِّيَتْ مُؤَخِّرَةُ الْجَيْشِ فِئَةً، لِأَنَّ الْجَيْشَ يَفِيءُ إِلَيْهَا. وَقَوْلُهُ: وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً هَذَا دُعَاؤُهُمْ حِينَ اللِّقَاءِ بِطَلَبِ الصَّبْرِ مِنَ اللَّهِ، وَعَبَّرُوا عَنْ إِلْهَامِهِمْ إِلَى الصَّبْرِ بِالْإِفْرَاغِ اسْتِعَارَةً لقُوَّة الصَّبْر فَإِن الْقُوَّة وَالْكَثْرَةِ يَتَعَاوَرَانِ الْأَلْفَاظَ الدَّالَّةَ عَلَيْهِمَا، كَقَوْلِ أَبِي كَبِيرٍ الْهُذَلِيِّ: كَثِيرُ الْهَوَى شَتَّى النَّوَى وَالْمَسَالِكِ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ، فَاسْتُعِيرَ الْإِفْرَاغُ هُنَا لِلْكَثْرَةِ مَعَ التَّعْمِيمِ وَالْإِحَاطَةِ وَتَثْبِيتِ الْأَقْدَامِ اسْتِعَارَةً لِعَدَمِ الْفِرَارِ شِبْهِ الْفِرَارِ وَالْخَوْفِ بِزَلَقِ الْقَدَمِ، فَشَبَّهَ عَدَمَهُ بِثَبَاتِ الْقَدَمِ فِي الْمَأْزِقِ.
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 499) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 499 · #112837
لْأَقْدَامِ اسْتِعَارَةً لِعَدَمِ الْفِرَارِ شِبْهِ الْفِرَارِ وَالْخَوْفِ بِزَلَقِ الْقَدَمِ، فَشَبَّهَ عَدَمَهُ بِثَبَاتِ الْقَدَمِ فِي الْمَأْزِقِ. وَقَدْ أَشَارَتِ الْآيَةُ فِي قَوْلِهِ: فَهَزَمُوهُمْ إِلَخْ إِلَى انْتِصَارِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى الْفِلَسْطِينِيِّينَ وَهُوَ انْتِصَارٌ عَظِيمٌ كَانَ بِهِ نَجَاحُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي فِلَسْطِينَ وَبِلَادِ الْعَمَالِقَةِ، مَعَ قِلَّةِ عَدَدِهِمْ فَقَدْ قَالَ مُؤَرِّخُوهُمْ إِنَّ طَالُوتَ لَمَّا خَرَجَ لِحَرْبِ الْفِلَسْطِينِيِّينَ جَمَعَ جَيْشًا فِيهِ ثَلَاثَةُ آلَافِ رَجُلٍ، فَلَمَّا رَأَوْا كَثْرَةَ الْفِلَسْطِينِيِّينَ حَصَلَ لَهُمْ ضَنْكٌ شَدِيدٌ وَاخْتَبَأَ مُعْظَمُ الْجَيْشِ فِي جَبَلِ إِفْرَايِمْ فِي الْمَغَارَاتِ وَالْغِيَاضِ وَالْآبَارِ، وَلَمْ يَعْبُرُوا الْأُرْدُنَّ، وَوَجَمَ طالوت واستخار صمويل، وَخَرَجَ لِلْقِتَالِ فَلَمَّا اجْتَازَ نَهَرَ الْأُرْدُنِّ عَدَّ الْجَيْشَ الَّذِي مَعَهُ فَلَمْ يَجِدْ إِلَّا نَحْوَ
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 499) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 499 · #112838
ّ، وَوَجَمَ طالوت واستخار صمويل، وَخَرَجَ لِلْقِتَالِ فَلَمَّا اجْتَازَ نَهَرَ الْأُرْدُنِّ عَدَّ الْجَيْشَ الَّذِي مَعَهُ فَلَمْ يَجِدْ إِلَّا نَحْوَ سِتِّمِائَةِ رَجُلٍ، ثُمَّ وَقَعَتْ مُقَاتَلَاتٌ كَانَ النَّصْرُ فِيهَا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَتَشَجَّعَ الَّذين جبنوا واختبأوا فِي الْمَغَارَاتِ وَغَيْرِهَا فَخَرَجُوا وَرَاءَ الْفِلَسْطِينِيِّينَ وَغَنِمُوا غَنِيمَةً كَثِيرَةً، وَفِي تِلْكَ الْأَيَّامِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ فِي كُتُبِ الْيَهُودِ لِمِقْدَارِ الْمَدَدِ بَيْنَ الْحَوَادِثِ وَلَا تَنْصِيصَ عَلَى الْمُتَقَدِّمِ
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 499) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 499 · #112839
َةً، وَفِي تِلْكَ الْأَيَّامِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ فِي كُتُبِ الْيَهُودِ لِمِقْدَارِ الْمَدَدِ بَيْنَ الْحَوَادِثِ وَلَا تَنْصِيصَ عَلَى الْمُتَقَدِّمِ مِنْهَا وَالْمُتَأَخِّرِ وَمَعَ انْتِقَالَاتٍ فِي الْقِصَصِ غَيْرِ مُتَنَاسِبَةٍ، ظَهَرَ دَاوُدُ بْنُ يَسَّى الْيَهُودِيُّ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى صَمْوِيلَ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى بَيْتِ يَسَّى فِي بَيْتِ لَحْمٍ وَيَمْسَحُ أَصْغَرَ أَبْنَاءِ يَسَّى لِيَكُونَ مَلِكًا عَلَى إِسْرَائِيلَ بَعْد حِينٍ، وَسَاقَ اللَّهُ دَاوُدَ إِلَى شَاوُلَ (طَالُوتَ) بِتَقْدِيرٍ عَجِيبٍ فَحُظِيَ عِنْدَ شَاوُلَ، وَكَانَ دَاوُدُ مِنْ قَبْلُ رَاعِيَ غَنَمِ أَبِيهِ، وَكَانَ ذَا شَجَاعَةٍ وَنَشَاطٍ
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 499) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 499 · #112840
َى شَاوُلَ (طَالُوتَ) بِتَقْدِيرٍ عَجِيبٍ فَحُظِيَ عِنْدَ شَاوُلَ، وَكَانَ دَاوُدُ مِنْ قَبْلُ رَاعِيَ غَنَمِ أَبِيهِ، وَكَانَ ذَا شَجَاعَةٍ وَنَشَاطٍ وَحُسْنِ سَمْتٍ، وَلَهُ نُبُوغٌ فِي رَمْيِ الْمِقْلَاعِ، فَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ الْتَقَى الْفِلَسْطِينِيُّونَ مَعَ جَيْشِ طَالُوتَ وَخَرَجَ زَعِيمٌ مِنْ زُعَمَاءِ فِلَسْطِينَ اسْمُهُ جُلْيَاتٍ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ مُبَارَزَتَهُ فَانْبَرَى لَهُ دَاوُدُ وَرَمَاهُ بِالْمِقْلَاعِ فَأَصَابَ الْحَجَرُ جَبْهَتَهُ وَأَسْقَطَهُ إِلَى الْأَرْضِ وَاعْتَلَاهُ دَاوُدُ وَاخْتَرَطَ سَيْفَهُ وَقَطَعَ رَأْسَهُ، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى شَاوُلَ وَانْهَزَمَ الْفِلَسْطِينِيُّونَ، وَزَوَّجَ شَاوُلُ ابْنَتَهُ الْمُسَمَّاةَ مِيكَالَ مِنْ دَاوُدَ، وَصَارَ دَاوُدُ بَعْدَ حِينٍ مَلِكًا عِوَضَ شَاوُلَ، ثُمَّ آتَاهُ اللَّهُ النُّبُوءَةَ فَصَارَ مَلِكًا نَبِيئًا، وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ.
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 500) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 500 · #112841
دَاوُدَ، وَصَارَ دَاوُدُ بَعْدَ حِينٍ مَلِكًا عِوَضَ شَاوُلَ، ثُمَّ آتَاهُ اللَّهُ النُّبُوءَةَ فَصَارَ مَلِكًا نَبِيئًا، وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ. وَيَأْتِي ذِكْرُ دَاوُدَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَام [٨٣] . وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ. ذَيَّلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْعَظِيمَةُ كُلَّ الْوَقَائِعِ الْعَجِيبَةِ الَّتِي أَشَارَتْ بِهَا الْآيَاتُ السَّالِفَةُ لِتَدْفَعَ عَنِ السَّامِعِ الْمُتَبَصِّرِ مَا يُخَامِرُهُ مِنْ تَطَلُّبِ الْحِكْمَةِ فِي حَدَثَانِ هَذِهِ الْوَقَائِعِ وَأَمْثَالِهَا فِي هَذَا الْعَالَمِ وَلِكَوْنِ مَضْمُونِ هَذِهِ الْآيَةِ عِبْرَةً مَنْ عِبَرِ الْأَكْوَانِ وَحِكْمَةً مِنْ حِكَمِ التَّارِيخِ، وَنُظُمِ الْعُمْرَانِ الَّتِي لَمْ يَهْتَدِ إِلَيْهَا أَحَدٌ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَبْلَ
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 500) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 500 · #112842
الْأَكْوَانِ وَحِكْمَةً مِنْ حِكَمِ التَّارِيخِ، وَنُظُمِ الْعُمْرَانِ الَّتِي لَمْ يَهْتَدِ إِلَيْهَا أَحَدٌ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَبْلَ إِدْرَاكِ مَا فِي مَطَاوِيهَا، عُطِفَتْ عَلَى الْعِبَرِ الْمَاضِيَةِ كَمَا عُطِفَ قَوْلُهُ: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ [الْبَقَرَة: ٢٤٧] وَمَا بعده من رُؤُوس الْآيِ. وَعدل عَن الْمُتَعَارف فِي أَمْثَالِهَا مِنْ تَرْكِ الْعَطْفِ، وَسُلُوكِ سَبِيلِ الِاسْتِئْنَافِ. وَقَرَأَ نَافِعٌ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبُ (وَلَوْلَا دِفَاعُ اللَّهِ النَّاسَ) بِصِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ، وَقَرَأَهُ الْجُمْهُورُ (دَفْعُ) بِصِيغَةِ الْمُجَرَّدِ. وَالدِّفَاعُ مَصْدَرُ دَافَعَ الَّذِي هُوَ مُبَالَغَةٌ فِي دَفْعٍ لَا لِلْمُفَاعَلَةِ، كَقَوْل مُوسَى بن جَابِرٍ الْحَنَفِيِّ: لَا أَشْتَهِي يَا قَوْمُ إِلَّا كَارِهًا ...
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 500) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 500 · #112843
دَافَعَ الَّذِي هُوَ مُبَالَغَةٌ فِي دَفْعٍ لَا لِلْمُفَاعَلَةِ، كَقَوْل مُوسَى بن جَابِرٍ الْحَنَفِيِّ: لَا أَشْتَهِي يَا قَوْمُ إِلَّا كَارِهًا ... بَابَ الْأَمِيرِ وَلَا دِفَاعَ الْحَاجِبِ وَإِضَافَتُهُ إِلَى اللَّهِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ كَمَا هُوَ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الْحَج: ٣٨] أَيْ يَدْفَعُ لِأَنَّ الَّذِي يَدْفَعُ حَقِيقَةً هُوَ الَّذِي يُبَاشِرُ الدَّفْعَ فِي مُتَعَارَفِ النَّاسِ وَإِنَّمَا أُسْنِدَ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ الَّذِي قَدَّرَهُ وَقَدَّرَ أَسْبَابَهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ: بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ فَجُعِلَ سَبَبُ الدِّفَاعِ بَعْضَهُمْ وَهُوَ مِنْ بَابِ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الْأَنْفَال: ١٧] وَأَصْلُ مَعْنَى الدَّفْعِ الضَّرْبُ بِالْيَدِ لِلْإِقْصَاءِ عَنِ الْمَرَامِ. قَالَ: فَدَفَعْتُهَا فَتَدَافَعَتْ وَهُوَ ذَبٌّ عَنْ مَصْلَحَةِ الدَّافِعِ.
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 500) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 500 · #112844
صْلُ مَعْنَى الدَّفْعِ الضَّرْبُ بِالْيَدِ لِلْإِقْصَاءِ عَنِ الْمَرَامِ. قَالَ: فَدَفَعْتُهَا فَتَدَافَعَتْ وَهُوَ ذَبٌّ عَنْ مَصْلَحَةِ الدَّافِعِ. وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّهُ لَوْلَا وُقُوعُ دَفْعِ بَعْضِ النَّاسِ بَعْضًا آخَرَ بِتَكْوِينِ اللَّهِ وَإِيدَاعِهِ قُوَّةَ الدَّفْعِ وَبَوَاعِثَهُ فِي الدَّافِعِ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ، أَيْ مَنْ عَلَى الْأَرْضِ، وَاخْتَلَّ نِظَامُ مَا عَلَيْهَا، ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الْمَوْجُودَاتِ الَّتِي عَلَى الْأَرْضِ مِنْ أَجْنَاسٍ وَأَنْوَاعٍ وَأَصْنَافٍ، خَلَقَهَا قَابِلَةً لِلِاضْمِحْلَالِ، وَأَوْدَعَ فِي أَفْرَادِهَا سُنَنًا دَلَّتْ عَلَى أَنَّ مُرَادَ اللَّهِ بَقَاؤُهَا إِلَى أَمَدٍ أَرَادَهُ، وَلِذَلِكَ نَجِدُ قَانُونَ الْخَلَفِيَّةِ مُنْبَثًّا فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمَوْجُودَاتِ فَمَا مِنْ نَوْعٍ إِلَّا وَفِي أَفْرَادِهِ قُوَّةُ إِيجَادِ أَمْثَالِهَا لِتَكُونَ تِلْكَ الْأَمْثَالُ أَخْلَافًا عَنِ الْأَفْرَادِ عِنْدَ
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 501) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 501 · #112845
َوْجُودَاتِ فَمَا مِنْ نَوْعٍ إِلَّا وَفِي أَفْرَادِهِ قُوَّةُ إِيجَادِ أَمْثَالِهَا لِتَكُونَ تِلْكَ الْأَمْثَالُ أَخْلَافًا عَنِ الْأَفْرَادِ عِنْدَ اضْمِحْلَالِهَا، وَهَذِهِ الْقُوَّةُ هِيَ الْمُعَبَّرُ عَنْهَا بِالتَّنَاسُلِ فِي الْحَيَوَانِ، وَالْبَذْرِ فِي النَّبْتِ، وَالنَّضْحِ فِي الْمَعَادِنِ، وَالتَّوَلُّدِ فِي الْعَنَاصِرِ الْكِيمَاوِيَّةِ. وَوُجُودُ هَذِهِ الْقُوَّةِ فِي جَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ أَوَّلُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ مُوجِدَهَا قَدْ أَرَادَ بَقَاءَ الْأَنْوَاعِ، كَمَا أَرَادَ اضْمِحْلَالَ الْأَفْرَادِ عِنْدَ آجَالٍ مُعَيَّنَةٍ، لِاخْتِلَالِ أَوِ انْعِدَامِ صَلَاحِيَّتِهَا، وَنَعْلَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ هَذِهِ الْأَكْوَانِ لَا يُحِبُّ فَسَادَهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسادَ [الْبَقَرَة: ٢٠٥] .
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 501) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 501 · #112846
يرُ قَوْلِهِ: وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسادَ [الْبَقَرَة: ٢٠٥] . ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَمَا أَوْدَعَ فِي الْأَفْرَاد قُوَّة بهَا بَقَاء الْأَنْوَاع، أودع فِي الْأَفْرَاد أَيْضا قوى بهَا بَقَاء تِلْكَ الْأَفْرَاد بِقدر الطَّاقَة، وَهِي قوى تطلّب الملائم وَدفع الْمنَافِي، أَو تطلّب الْبَقَاء وكراهية الْهَلَاك، وَلذَلِك أودع فِي جَمِيعِ الْكَائِنَاتِ إِدْرَاكَاتٍ تَنْسَاقُ بِهَا، بِدُونِ تَأَمُّلٍ أَوْ بِتَأَمُّلٍ، إِلَى مَا فِيهِ صَلَاحُهَا وَبَقَاؤُهَا، كَانْسِيَاقِ الْوَلِيدِ لِالْتِهَامِ الثَّدْيِ، وَأَطْفَالِ الْحَيَوَانِ إِلَى الْأَثْدَاءِ وَالْمَرَاعِي، ثُمَّ تَتَوَسَّعُ هَذِهِ الْإِدْرَاكَاتُ، فَيَتَفَرَّعُ عَنْهَا كُلُّ مَا فِيهِ جَلْبُ النَّافِعِ الْمُلَائِمِ عَنْ بَصِيرَةٍ وَاعْتِيَادٍ، وَيُسَمَّى ذَلِكَ بِالْقُوَّةِ الشَّاهِيَةِ.
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 501) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 501 · #112847
كَاتُ، فَيَتَفَرَّعُ عَنْهَا كُلُّ مَا فِيهِ جَلْبُ النَّافِعِ الْمُلَائِمِ عَنْ بَصِيرَةٍ وَاعْتِيَادٍ، وَيُسَمَّى ذَلِكَ بِالْقُوَّةِ الشَّاهِيَةِ. وَأَوْدَعَ أَيْضًا فِي جَمِيعِ الْكَائِنَاتِ إِدْرَاكَاتٍ تَنْدَفِعُ بِهَا إِلَى الذَّبِّ عَنْ أَنْفُسِهَا، وَدَفْعِ الْعَوَادِي عَنْهَا، عَنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ، كَتَعْرِيضِ الْيَدِ بَيْنَ الْهَاجِمِ وَبَيْنَ الْوَجْهِ، وَتَعْرِيضِ الْبَقَرَةِ رَأْسَهَا بِمُجَرَّدِ الشُّعُورِ بِمَا يَهْجُمُ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ تَأَمُّلٍ فِي تَفَوُّقِ قُوَّةِ الْهَاجِمِ عَلَى قُوَّةِ الْمُدَافِعِ، ثُمَّ تَتَوَسَّعُ هَاتِهِ الْإِدْرَاكَاتُ فَتَتَفَرَّعُ إِلَى كُلِّ مَا فِيهِ دَفْعُ الْمَنَافِرِ مِنِ ابْتِدَاءٍ بِإِهْلَاكِ مَنْ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ الضُّرُّ، وَمِنْ طَلَبِ الْكِنَّ، وَاتِّخَاذِ السِّلَاحِ، وَمُقَاوَمَةِ الْعَدُوِّ عِنْدَ تَوَقُّعِ الْهَلَاكِ، وَلَوْ بِآخِرِ مَا فِي الْقُوَّةِ وَهُوَ الْقُوَّةُ الْغَاضِبَةُ وَلِهَذَا تَزِيدُ قُوَّةُ
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 501) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 501 · #112848
َاحِ، وَمُقَاوَمَةِ الْعَدُوِّ عِنْدَ تَوَقُّعِ الْهَلَاكِ، وَلَوْ بِآخِرِ مَا فِي الْقُوَّةِ وَهُوَ الْقُوَّةُ الْغَاضِبَةُ وَلِهَذَا تَزِيدُ قُوَّةُ الْمُدَافَعَةِ اشْتِدَادًا عِنْدَ زِيَادَةِ تَوَقُّعِ الْأَخْطَارِ حَتَّى فِي الْحَيَوَانِ. وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ فِي كُلِّ أَنْوَاعِ الْمَوْجُودَاتِ مِنْ أَسْبَابِ الْأَذَى لِمُرِيدِ السُّوءِ بِهِ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهَا لِإِرَادَةِ بَقَائِهَا، وَقَدْ عَوَّضَ الْإِنْسَانَ عَمَّا وَهَبَهُ إِلَى الْحَيَوَانِ الْعَقْلَ وَالْفِكْرَةَ فِي التَّحَيُّلِ عَلَى النَّجَاةِ مِمَّنْ يُرِيدُ بِهِ ضَرَرًا، وَعَلَى إِيقَاعِ الضُّرِّ بِمَنْ يُرِيدُهُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْصِدَهُ بِهِ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالِاسْتِعْدَادِ.
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 501) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 501 · #112849
مَّنْ يُرِيدُ بِهِ ضَرَرًا، وَعَلَى إِيقَاعِ الضُّرِّ بِمَنْ يُرِيدُهُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْصِدَهُ بِهِ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالِاسْتِعْدَادِ. ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى جَعَلَ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْأَنْوَاعِ، أَوْ فَرْدٍ مِنَ الْأَفْرَادِ خَصَائِصَ فِيهَا مَنَافِعُ لِغَيْرِهِ وَلِنَفْسِهِ لِيَحْرِصَ كل على إبْقَاء الْآخَرِ، فَهَذَا نَامُوسٌ عَامٌّ، وَجَعَلَ الْإِنْسَانَ بِمَا أَوْدَعَهُ مِنَ الْعَقْلِ هُوَ الْمُهَيْمِنُ عَلَى بَقِيَّةِ الْأَنْوَاعِ. وَجَعَلَ لَهُ الْعِلْمَ بِمَا فِي الْأَنْوَاعِ مِنَ الْخَصَائِصِ، وَبِمَا فِي أَفْرَادِ نَوْعِهِ مِنَ الْفَوَائِدِ.
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 502) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 502 · #112850
ِنُ عَلَى بَقِيَّةِ الْأَنْوَاعِ. وَجَعَلَ لَهُ الْعِلْمَ بِمَا فِي الْأَنْوَاعِ مِنَ الْخَصَائِصِ، وَبِمَا فِي أَفْرَادِ نَوْعِهِ مِنَ الْفَوَائِدِ. فَخَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى أَسْبَابَ الدِّفَاعِ بِمَنْزِلَةِ دَفْعٍ مِنَ اللَّهِ يَدْفَعُ مُرِيدَ الضُّرِّ بِوَسَائِلَ يَسْتَعْمِلُهَا الْمُرَادُ إِضْرَارُهُ، وَلَوْلَا هَذِهِ الْوَسَائِلُ الَّتِي خَوَّلَهَا اللَّهُ تَعَالَى أَفْرَادَ الْأَنْوَاعِ، لَاشْتَدَّ طَمَعُ الْقُوَى فِي إِهْلَاكِ الضَّعِيفِ، وَلَاشْتَدَّتْ جَرَاءَةُ مَنْ يَجْلِبُ النَّفْعَ إِلَى نَفْسِهِ عَلَى مَنَافِعَ يَجِدُهَا فِي غَيْرِهِ، فَابْتَزَّهَا مِنْهُ، وَلَأَفْرَطَتْ أَفْرَادُ كُلِّ نَوْعٍ فِي جَلْبِ النَّافِعِ الْمُلَائِمِ إِلَى أَنْفُسِهَا بِسَلْبِ النَّافِعِ الْمُلَائِمِ لِغَيْرِهَا، مِمَّا هُوَ لَهُ، وَلَتَنَاسَى صَاحِبُ الْحَاجَةِ حِينَ الِاحْتِيَاجِ مَا فِي بَقَاءِ غَيْرِهِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ لَهُ أَيْضًا.
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 502) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 502 · #112851
ُلَائِمِ لِغَيْرِهَا، مِمَّا هُوَ لَهُ، وَلَتَنَاسَى صَاحِبُ الْحَاجَةِ حِينَ الِاحْتِيَاجِ مَا فِي بَقَاءِ غَيْرِهِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ لَهُ أَيْضًا. وَهَكَذَا يَتَسَلَّطُ كُلُّ ذِي شَهْوَةٍ عَلَى غَيْرِهِ، وَكُلُّ قَوِيٍّ عَلَى ضَعِيفِهِ، فَيُهْلِكُ الْقَوِيُّ الضَّعِيفَ، وَيُهْلِكُ الْأَقْوَى الْقَوِيَّ، وَتَذْهَبُ الْأَفْرَادُ تِبَاعًا، وَالْأَنْوَاعُ كَذَلِكَ حَتَّى لَا يَبْقَى إِلَّا أَقْوَى الْأَفْرَادِ مِنْ أَقْوَى الْأَنْوَاعِ، وَذَلِكَ شَيْءٌ قَلِيلٌ، حَتَّى إِذَا بَقِيَ أَعْوَزَتْهُ حَاجَاتٌ كَثِيرَةٌ لَا يَجِدُهَا فِي نَفْسِهِ، وَكَانَ يَجِدُهَا فِي غَيْرِهِ مِنْ أَفْرَادِ نَوْعِهِ، كَحَاجَةِ أَفْرَادِ الْبَشَرِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ، أَوْ مِنْ أَنْوَاعٍ أُخَرَ، كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ إِلَى الْبَقَرَةِ، فَيَذْهَبُ هَدْرًا.
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 502) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 502 · #112852
عِهِ، كَحَاجَةِ أَفْرَادِ الْبَشَرِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ، أَوْ مِنْ أَنْوَاعٍ أُخَرَ، كَحَاجَةِ الْإِنْسَانِ إِلَى الْبَقَرَةِ، فَيَذْهَبُ هَدْرًا. وَلَمَّا كَانَ نَوْعُ الْإِنْسَانِ هُوَ الْمُهَيْمِنَ عَلَى بَقِيَّةِ مَوْجُودَاتِ الْأَرْضِ وَهُوَ الَّذِي تَظْهَرُ فِي أَفْرَادِهِ جَمِيعُ التَّطَوُّرَاتِ وَالْمَسَاعِي، خَصَّتْهُ الْآيَةُ بِالْكَلَامِ فَقَالَت: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ إِذْ جَعَلَ اللَّهُ فِي الْإِنْسَانِ الْقُوَّةَ الشَّاهِيَةَ لِبَقَائِهِ وَبَقَاءِ نَوْعِهِ، وَجَعَلَ فِيهِ الْقُوَّةَ الْغَاضِبَةَ لِرَدِّ الْمُفْرِطِ فِي طَلَبِ النَّافِعِ لِنَفْسِهِ، وَفِي ذَلِكَ اسْتِبْقَاءُ بَقِيَّةِ الْأَنْوَاعِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يذب عَنْهَا لما فِي بَقَائِهَا مِنْ مَنَافِعَ لَهُ.
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 502) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 502 · #112853
لَبِ النَّافِعِ لِنَفْسِهِ، وَفِي ذَلِكَ اسْتِبْقَاءُ بَقِيَّةِ الْأَنْوَاعِ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يذب عَنْهَا لما فِي بَقَائِهَا مِنْ مَنَافِعَ لَهُ. وَبِهَذَا الدِّفَاعِ حَصَلَتْ سَلَامَةُ الْقَوِيِّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَسَلَامَةُ الضَّعِيفِ أَيْضًا لِأَنَّ الْقَوِيَّ إِذَا وَجَدَ التَّعَبَ وَالْمُكَدِّرَاتِ فِي جَلْبِ النَّافِعِ سَئِمَ ذَلِكَ، وَاقْتَصَرَ عَلَى مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ. وَإِنَّمَا كَانَ الْحَاصِلُ هُوَ الْفَسَادَ، لَوْلَا الدِّفَاعُ، دُونَ الصَّلَاحِ، لِأَنَّ الْفَسَادَ كَثِيرًا مَا تَنْدَفِعُ إِلَيْهِ الْقُوَّةُ الشَّاهِيَةُ بِمَا يُوجَدُ فِي أَكْثَرِ الْمَفَاسِدِ مِنَ اللَّذَّاتِ الْعَاجِلَةِ الْقَصِيرَةِ الزَّمَنِ، وَلِأَن فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّفُوسِ أَوْ أَكْثَرِهَا
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 502) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 502 · #112854
َةُ بِمَا يُوجَدُ فِي أَكْثَرِ الْمَفَاسِدِ مِنَ اللَّذَّاتِ الْعَاجِلَةِ الْقَصِيرَةِ الزَّمَنِ، وَلِأَن فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّفُوسِ أَوْ أَكْثَرِهَا الْمَيْلَ إِلَى مَفَاسِدَ كَثِيرَةٍ، لِأَن طَبْعَ النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ أَلَّا تُرَاعِيَ مَضَرَّةَ غَيْرِهَا، بِخِلَافِ النُّفُوسِ الصَّالِحَةِ، فَالنُّفُوسُ الشِّرِّيرَةُ أَعْمَدُ إِلَى انْتِهَاكِ حُرُمَاتِ غَيْرِهَا، وَلِأَنَّ الْأَعْمَالَ الْفَاسِدَةَ أَسْرَعُ فِي حُصُولِ آثَارِهَا وَانْتِشَارِهَا، فَالْقَلِيلُ مِنْهَا يَأْتِي عَلَى الْكَثِيرِ مِنَ الصَّالِحَاتِ، فَلَا جَرَمَ لَوْلَا دِفَاعُ النَّاسِ بِأَنْ يُدَافِعَ صَالِحُهُمُ الْمُفْسِدِينَ، لَأَسْرَعَ ذَلِكَ فِي فَسَادِ حَالِهِمْ، وَلَعَمَّ الْفَسَادُ أُمُورَهُمْ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ.
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 502) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 502 · #112855
ُ النَّاسِ بِأَنْ يُدَافِعَ صَالِحُهُمُ الْمُفْسِدِينَ، لَأَسْرَعَ ذَلِكَ فِي فَسَادِ حَالِهِمْ، وَلَعَمَّ الْفَسَادُ أُمُورَهُمْ فِي أَسْرَعِ وَقْتٍ. وَأَعْظَمُ مَظَاهِرِ هَذَا الدِّفَاعِ هُوَ الْحُرُوبُ فَبِالْحَرْبِ الْجَائِرَةِ يَطْلُبُ الْمُحَارِبُ غَصْبَ مَنَافِعِ غَيْرِهِ، وَبِالْحَرْبِ الْعَادِلَةِ يَنْتَصِفُ الْمُحِقُّ مِنَ الْمُبْطِلِ، وَلِأَجْلِهَا تَتَأَلَّفُ الْعَصَبِيَّاتُ وَالدَّعَوَاتُ إِلَى الْحَقِّ، وَالْإِنْحَاءُ عَلَى الظَّالِمِينَ، وَهَزْمُ الْكَافِرِينَ. ثُمَّ إِنَّ دِفَاعَ النَّاسِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا يَصُدُّ الْمُفْسِدَ عَنْ مُحَاوَلَةِ الْفَسَادِ، وَنَفْسُ شُعُور الْمُفْسد بتأهب غَيره لدفاعه يصده عَنِ اقْتِحَامِ مَفَاسِدَ جَمَّةٍ.
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 503) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 503 · #112856
عْضِهِمْ بَعْضًا يَصُدُّ الْمُفْسِدَ عَنْ مُحَاوَلَةِ الْفَسَادِ، وَنَفْسُ شُعُور الْمُفْسد بتأهب غَيره لدفاعه يصده عَنِ اقْتِحَامِ مَفَاسِدَ جَمَّةٍ. وَمَعْنَى فَسَادِ الْأَرْضِ: إِمَّا فَسَادُ الْجَامِعَةِ الْبَشَرِيَّةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ تَعْلِيقُ الدِّفَاعِ بِالنَّاسِ، أَيْ لَفَسَدَ أَهْلُ الْأَرْضِ، وَإِمَّا فَسَادُ جَمِيعِ مَا يَقْبَلُ الْفَسَادَ فَيَكُونُ فِي الْآيَةِ احْتِبَاكٌ، وَالتَّقْدِيرُ: وَلَوْلَا دِفَاعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ وَبَقِيَّةَ الْمَوْجُودَاتِ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ أَيْ مَنْ عَلَى الْأَرْضِ وَلَفَسَدَ النَّاسُ.
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 503) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 503 · #112857
للَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ وَبَقِيَّةَ الْمَوْجُودَاتِ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ أَيْ مَنْ عَلَى الْأَرْضِ وَلَفَسَدَ النَّاسُ. وَالْآيَةُ مَسُوقَةٌ مَسَاقَ الِامْتِنَانِ، فَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ لِأَنَّا لَا نُحِبُّ فَسَادَ الْأَرْضِ، إِذْ فِي فَسَادِهَا- بِمَعْنَى فَسَادِ مَا عَلَيْهَا- اخْتِلَالُ نِظَامِنَا وَذَهَابُ أَسْبَابِ سَعَادَتِنَا، وَلِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ فَهُوَ اسْتِدْرَاكٌ مِمَّا تَضَمَّنَتْهُ «لَوْلَا» مِنْ تَقْدِيرِ انْتِفَاءِ الدِّفَاعِ لِأَنَّ أَصْلَ لَوْلَا لَوْ مَعَ لَا النَّافِيَةِ، أَيْ لَوْ كَانَ انْتِفَاءُ الدِّفَاعِ مَوْجُودًا لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَهَذَا الِاسْتِدْرَاكُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَدَلُّ دَلِيلٍ عَلَى تَرْكِيبِ (لَوْلَا) مِنْ (لَوْ) وَ (لَا) ، إِذْ لَا يَتِمُّ الِاسْتِدْرَاكُ عَلَى قَوْلِهِ: لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ لِأَنَّ فَسَادَ الْأَرْضِ غَيْرُ
QS 2:249-251 (jilid 2 hlm. 503) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 503 · #112858
َلَى تَرْكِيبِ (لَوْلَا) مِنْ (لَوْ) وَ (لَا) ، إِذْ لَا يَتِمُّ الِاسْتِدْرَاكُ عَلَى قَوْلِهِ: لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ لِأَنَّ فَسَادَ الْأَرْضِ غَيْرُ وَاقِعٍ بَعْدَ فَرْضِ وُجُودِ الدِّفَاعِ، إِنْ قُلْنَا «لَوْلَا» حَرْفُ امْتِنَاعٍ لِوُجُودٍ. وَعَلَّقَ الْفَضْلَ بِالْعَالَمِينَ كُلِّهِمْ لِأَنَّ هَذِهِ الْمِنَّةَ لَا تخْتَص. [٢٥٢]

Ayat yang dirujuk di sini

Potongan tafsir di atas mengutip ayat-ayat berikut (dideteksi dengan aturan teks ﴿…﴾, bukan model bahasa).

QS 22:40QS 2:249

Dirujuk oleh

Ayat ini dikutip di dalam tafsir ayat-ayat berikut.

QS 22:40QS 2:102-103QS 19:27-33QS 22:39-40