القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾.
يقول تعالى ذكره: وإن يُضَيِّع يا محمد هؤلاء الذين نُصَرِّفُ لهم في هذا القرآن الوعيد، عهدى، ويخالفوا أمرى، ويترُكوا طاعتى، ويتَّبعوا أمر عدوِّهم إبليس، ويطيعوه في خلاف أمرى، فقديمًا ما فعل ذلك أبوهم آدم، ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا﴾ إليه. يقولُ: ولقد وصَّينا آدمَ وقلنا له: ﴿إِنّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ
الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧]. فوسوس إليه الشيطان فأطاعه، وخالف أمرى، فحلَّ به من عقوبتى ما حلَّ.
وعنى جلَّ ثناؤه بقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾: من قبل هؤلاء الذين أخبر أنه صرَّف لهم الوعيد في هذا القرآن.
وقوله: ﴿فَنَسِيَ﴾. يقولُ: فترَك عهدى.
كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾.
عهدى.
كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ﴾. يقولُ: فترك.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿فَنَسِيَ﴾. قال: ترَك أمرَ ربِّه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. قال: قال له: ﴿يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾. فقرأ حتى بلغ: ﴿لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾. وقرأ حتى بلغ ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾. قال: فنسى ما عهِد الله إليه في ذلك. قال: وهذا عهد الله إليه.
فقرأ حتى بلغ: ﴿لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾. وقرأ حتى بلغ ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾. قال: فنسى ما عهِد الله إليه في ذلك. قال: وهذا عهد الله إليه. قال: ولو كان له عزمٌ ما أطاع عدوَّه الذي حسَدَه، وأبى أن يَسْجُدَ له مع من سجد له - إبليسَ، وعصى الله الذي كرَّمه وشرَّفه، وأمر ملائكته فسجدوا له.
وحدَّثنا ابن المثنى وابنُ بشارٍ، قالا: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ وعبد الرحمن ومؤملٌ،
قالوا: ثنا سفيانُ، عن الأعمش، عن مسلم البَطين، عن سعيد بن جُبَيْرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: إنما سُمِّى الإنسان لأنه عُهد إليه فنسى.
وقوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. اخْتَلَف أهل التأويل في معنى "العزمِ" هاهنا؛ فقال بعضُهم: معناه الصبر.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾، أي: صبرًا.
حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادة: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾.
وله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾، أي: صبرًا.
حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادة: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. قال: صبرًا.
وحدَّثنا إبراهيم بن يعقوب الجُوزجانيُّ، قال: ثنا أبو النَّضْرِ، قال: ثنا شعبةُ، عن قتادة مثله.
وقال آخرون: بل معناه الحفظُ. قالوا: ومعناه: ولم نجد له حفظًا لما عهدنا إليه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن أبيه، عن عطية: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ
عَزْمًا﴾. قال: حفظًا لما [أمر به].
وحدَّثنى يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هاشم بن القاسم، عن الأَشْجَعيِّ، عن سفيان، عن عمرو بن قيس، عن عطية في قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. قال: حفظًا.
وحدَّثنا عباس بن محمد، قال: ثنا قَبِيصةُ، عن سفيان، عن عمرو بن قيسٍ، عن عطية في قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. قال: حفظًا لما أُمِر به.
وحدَّثنى محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾.
. قال: حفظًا لما أُمِر به.
وحدَّثنى محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. يقول: لم نجد له حفظًا.
وحدَّثنى يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. قال: العزم المحافظةُ على [أمر الله] ﷿ والتمسك به.
وحدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. يقولُ: لم نَجْعَلْ له عزمًا.
وحدَّثنى القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا الفرج بن فضالة، عن لقمان بن عامرٍ، عن أبي أمامة، قال: لو أن أحلام بنى آدمَ جُمِعَت منذُ خلق الله تعالى ذكره آدم إلى يوم تقومُ الساعةُ، ووُضعت في كفَّةِ ميزانٍ، ووُضِع حِلْمُ آدمَ في الكِفَّةِ الأُخرى، لرجح حِلْمُه بأحلامهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾.
قال أبو جعفرٍ: وأصلُ العزم اعتقادُ القلب على الشيءِ، يقال منه: عزم فلانٌ على كذا.
حِلْمُه بأحلامهم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾.
قال أبو جعفرٍ: وأصلُ العزم اعتقادُ القلب على الشيءِ، يقال منه: عزم فلانٌ على كذا. إذا اعتقد عليه ونواه، ومن اعتقادِ القلب حفظُ الشئ، ومنه الصبر على الشيء؛ لأنه لا يَجْزَعُ جازعٌ إِلا مِن خَوَرِ قلبه وضعفه.
فإذ كان ذلك كذلك، فلا معنى لذلك أبلغ مما بينه الله تعالى ذكرُه، وهو قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾. فيكون تأويله: ولم نجد له عزم قلبٍ [على الصبر] على الوفاءِ لله بعهده، ولا على حفظ ما عهد إليه.
٢)﴾
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سِنَان، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إنما سمي الإنسان لأنه عهد إليه فنسي. وكذا رواه علي بن أبي طلحة، عنه.
وقال مجاهد والحسن: تَرَكَ.
وقوله: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ) يذكر تعالى تشريف آدم وتكريمه، وما فضله به على كثير ممن خلق تفضيلا.
وقد تقدم الكلام على هذه القصة في سورة "البقرة" وفي "الأعراف" وفي "الحجر" و"الكهف" وسيأتي في آخر سورة "ص" [إن شاء الله تعالى]. يذكر فيها تعالى خَلْقَ آدم وأَمْرَه الملائكة بالسجود له تشريفًا وتكريمًا، ويبين عداوة إبليس لبني آدم ولأبيهم قديمًا؛ ولهذا قال تعالى: (فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى) أي: امتنع واستكبر.
الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى) قد تقدم أنه ﴿فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢٢]؛ ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١]. وقد
تقدم أن الله تعالى أوحى إلى آدم وزوجته أن يأكلا من كل الثمار، ولا يقربا هذه الشجرة المعينة في الجنة. فلم يزل بهما إبليس حتى أكلا منها، وكانت شجرةَ الخلد -يعني: التي من أكل منها خلد ودام مكثه. وقد جاء في الحديث ذكر شجرة الخلد، فقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن أبي الضحاك سمعت أبا هريرة يحدث، عن النبي ﷺ قال: "إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، ما يقطعها وهي شجرة الخلد". ورواه الإمام أحمد..
وقوله: (فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا) قال ابن أبي حاتم:
حدثنا علي بن الحسين بن إشكاب، حدثنا علي بن عاصم، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن الحسن، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله خلق آدم رجلا طوالا كثير شعر الرأس، كأنه نخلة سَحُوق. فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه، فأول ما بدا منه عورته.
أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله خلق آدم رجلا طوالا كثير شعر الرأس، كأنه نخلة سَحُوق. فلما ذاق الشجرة سقط عنه لباسه، فأول ما بدا منه عورته. فلما نظر إلى عورته جعل يَشْتَد في الجنة، فأخذتْ شعرَه شجرة، فنازعها، فنادى الرحمن: يا آدم، منِّي تفر؟ فلما سمع كلام الرحمن قال: يا رب، لا ولكن استحياء أرأيت إن تبت ورجعت، أعائدي إلى الجنة؟ قال: نعم فذلك قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾
وهذا منقطع بين الحسن وأُبيّ بن كعب، فلم يسمعه منه، وفي رفعه نظر أيضًا.
وقوله: (وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) قال مجاهد: يرقعان كهيئة الثوب.
سن وأُبيّ بن كعب، فلم يسمعه منه، وفي رفعه نظر أيضًا.
وقوله: (وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) قال مجاهد: يرقعان كهيئة الثوب. وكذا قال قتادة، والسدي.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا جعفر، عن عون، حدثنا سفيان، عن ابن أبي ليلى، عن المِنْهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) قال: ينزعان ورق التين، فيجعلانه على سوآتهما.
وقوله: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) قال البخاري:
حدثنا قتيبة، حدثنا أيوب بن النجار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "حاجّ موسى آدم، فقال له: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم؟
يوب بن النجار، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "حاجّ موسى آدم، فقال له: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم؟ قال آدم: يا موسى، أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، أتلومني على أمر قد كتبه الله عليّ قبل أن يخلقني -أو: قدره الله عليّ قبل أن يخلقني -" قال رسول الله ﷺ: "فحج آدم موسى".
وهذا الحديث له طرق في الصحيحين، وغيرهما من المسانيد.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني أنس بن عياض، عن الحارث بن أبي ذُبَابَ، عن يزيد بن هرمز قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "حَجَّ آدمُ وموسى عند ربهما، فحج آدم موسى، قال موسى: أنت الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس إلى الأرض بخطيئتك؟ قال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نَجِيًّا، فبكم وجدتَ الله كتب التوراة [قبل أن أخلق] قال موسى: بأربعين عامًا.
الذي اصطفاك الله برسالته وكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نَجِيًّا، فبكم وجدتَ الله كتب التوراة [قبل أن أخلق] قال موسى: بأربعين عامًا. قال آدم: فهل وجدتَ فيها (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) قال: نعم. قال: أفتلومني على أن عملتُ عملا كتب الله عليّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة". قال رسول الله ﷺ: "فحج آدم موسى".
قال الحارث: وحدثني عبد الرحمن بن هُرْمزُ بذلك، عن أبى هريرة، عن رسول الله ﷺ..
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾.
قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾ أي أوصيناه ألا يقرب تلك الشجرة. وهذا العهد إلى آدم الذي أجمله هنا بينه في غير هذا
الموضع، كقوله في سورة "البقرة": ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾ فقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ هو عهده إلى آدم المذكور هنا. وقوله في "الأعراف": ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَنسِيَ﴾ فيه للعلماء وجهان معروفان:
أحدهما: أن المراد بالنسيان الترك، فلا ينافي كون الترك عمدًا.
َوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤)﴾: وعلى هذا فمعنى قوله: ﴿فَنسَى﴾ أي ترك الوفاء بالعهد، وخالف ما أمره الله به من ترك الأكل من تلك الشجرة؛ لأن النهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده.
والوجه الثاني: هو أن المراد بالنسيان في الآية: النسيان الذي هو ضد الذكر؛ لأن إبليس لما أقسم له بالله أنه له ناصح فيما دعاه إليه من الأكل من الشجرة التي نهاه ربه عنها. غيره وخدعه بذلك، حتى أنساه العهد المذكور؛ كما يشير إليه قوله تعالى:
﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾. وعن ابن عباس ﵄ قال: إنما سمى الإنسان لأنه عهد إليه فنسى. رواه عنه ابن أبي حاتم اهـ. ولقد قال بعض الشعراء:
وما سُمِّي الإنسان إلا لنسيه ...
ِغُرُورٍ﴾. وعن ابن عباس ﵄ قال: إنما سمى الإنسان لأنه عهد إليه فنسى. رواه عنه ابن أبي حاتم اهـ. ولقد قال بعض الشعراء:
وما سُمِّي الإنسان إلا لنسيه ... ولا القلب إلا أنه يتقلَّب
أما على القول الأول فلا إشكال في قوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾، وأما على الثاني ففيه إشكال معروف؛ لأن الناسي معذور فكيف يقال فيه: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾. وأظهر أوجه الجواب عندي عن ذلك: أن آدم لم يكن معذورًا بالنسيان، وقد بينت في كتابي (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) الأدلة الدالة على أن العذر بالنسيان والخطإ والإكراه من خصائص هذه الأمة، كقوله هنا: ﴿فَنسَى﴾ مع قوله: ﴿وَعَصَى﴾ فأسند إليه النسيان والعصيان؛ فدل على أنه غير معذور بالنسيان. ومما يدل على هذا ما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس وأبي هريرة: أن النبي ﷺ لما قرأ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله: "نعم قد فعلت".
ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس وأبي هريرة: أن النبي ﷺ لما قرأ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله: "نعم قد فعلت". فلو كان ذلك معفوًا عن جميع الأمم لما كان لذكره على سبيل الامتنان وتعظيم المنة عظيم موقع. ويستأنس لذلك بقوله: ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ ويؤيد ذلك حديث: "إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". فقوله: "تجاوز لي عن أمتي" يدل على الاختصاص بأمته، وليس مفهوم لقب؛ لأن مناط التجاوز عن ذلك هو ما خصه الله به من التفضيل على غيره من الرسل. والحديث المذكور وإن أعله الإمام أحمد وابن أبي حاتم فله شواهد ثابتة في الكتاب والسنة. ولم يزل علماء الأمة قديمًا وحديثًا يتلقونه بالقبول. ومن الأدلة على ذلك
حديث طارق ابن شهاب المشهور في الذي دخل النار في ذبابٍ قرَّبه مع أنه مكره وصاحبه الذي امتنع من تقريب شيء للصنم ولو ذبابًا قتلوه.
ل. ومن الأدلة على ذلك
حديث طارق ابن شهاب المشهور في الذي دخل النار في ذبابٍ قرَّبه مع أنه مكره وصاحبه الذي امتنع من تقريب شيء للصنم ولو ذبابًا قتلوه. فدل ذلك على أن الذي قربه مكره؛ لأنه لو لم يقرب لقتلوه كما قتلوا صاحبه، ومع هذا دخل النار فلم يكن إكراهه عذرًا. ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى عن أصحاب الكهف: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾ فقوله: ﴿يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ دليل على الإكراه. وقوله: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾ دليل على عدم العذر بذلك الإكراه؛ كما أوضحنا ذلك في غير هذا الموضع.
واعلم أن في شرعنا ما يدل على نوع من التكليف بذلك في الجملة، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ الآية. فتحرير الرقبة هنا كفارة لذلك القتل خطأ.
ل على نوع من التكليف بذلك في الجملة، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ الآية. فتحرير الرقبة هنا كفارة لذلك القتل خطأ. والكفارة تشعر بوجود الذنب في الجملة؛ كما يشير إلى ذلك قوله في كفارة القتل خطأ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ فجعل صوم الشهرين بدلًا من العتق عند العجز عنه. وقوله بعد ذلك: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ يدل على أن هناك مؤاخذة في الجملة بذلك الخطإ، مع قوله: ﴿وَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ وما قدمنا من حديث مسلم: أن النبي ﷺ لما قرأ ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله: "نعم قد فعلت"، فالمؤاخذة التي هي الإثم مرفوعة، والكفارة المذكورة قال بعض أهل العلم: هي بسبب التقصير في التحفظ والحذر من وقوع الخطإ والنسيان، والله جل وعلا أعلم.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾
: هي بسبب التقصير في التحفظ والحذر من وقوع الخطإ والنسيان، والله جل وعلا أعلم.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾
هو ونحوه من الآيات مستند من قال من أهل الأصول بعدم عصمة الأنبياء من الصغائر التي لا تتعلق بالتبليغ؛ لأنهم يتداركونها بالتوبة والإنابة إلى الله حتى تصير كأنها لم تكن.
واعلم أن جميع العلماء أجمعوا على عصمة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في كل ما يتعلق بالتبليغ. واختلفوا في عصمتهم من الصغائر التي لا تعلق لها بالتبليغ اختلافًا مشهورًا معروفًا في الأصول.
الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في كل ما يتعلق بالتبليغ. واختلفوا في عصمتهم من الصغائر التي لا تعلق لها بالتبليغ اختلافًا مشهورًا معروفًا في الأصول. ولا شك أنهم صلوات الله عليهم وسلامه إن وقع منهم بعض الشيء فإنهم يتداركونه بصدق الإنابة إلى الله حتى يبلغوا بذلك درجة أعلا من درجة من لم يقع منه ذلك؛ كما قال هنا: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾، يدل على أن أبانا آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ليس من الرسل الذين قال الله فيهم: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد ﷺ. وقيل: هم جميع الرسل. وعن ابن عباس وقتادة ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ أي لم نجد له صبرًا عن أكل الشجرة ومواظبة على التزامِ الأمر.
يسى، ومحمد ﷺ. وقيل: هم جميع الرسل. وعن ابن عباس وقتادة ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ أي لم نجد له صبرًا عن أكل الشجرة ومواظبة على التزامِ الأمر. وأقوال العلماء راجعة إلى هذا، والوجود في قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ﴾ قال أبو حيان في البحر: يجوز أن يكون بمعنى العلم، ومفعولاه ﴿لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ وأن يكون نقيض العدم؛ كأنه قال: وعدمنا له عزمًا. اهـ منه. والأول أظهر، والله تعالى أعلم.
• قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلَّا
إِبْلِيسَ أَبَى﴾.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أمر الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى. أي: أبى أن يسجد؛ فذكر عنه هنا الإباء ولم يذكر عنه هنا الاستكبار. وذكر عنه الإباء أيضًا في "الحجر" في قوله: ﴿إلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)﴾.
فذكر عنه هنا الإباء ولم يذكر عنه هنا الاستكبار. وذكر عنه الإباء أيضًا في "الحجر" في قوله: ﴿إلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)﴾. وقوله في آية "الحجر" هذه: ﴿إلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)﴾ يبين معمول ﴿أَبَى﴾ المحذوف في آية "طه" هذه التي هي قوله: ﴿إلا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ أي: أبى أن يكون مع الساجدين، كما صرح به في "الحجر"، وكما أشار إلى ذلك في "الأعراف" في قوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١)﴾ وذكر عنه في سورة "ص" الاستكبار وحده في قوله: ﴿إلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾، وذكر عنه الإباء والاستكبار معًا في سورة "البقرة" في قوله: ﴿إلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾. وقد بينا في سورة "البقرة" سبب استكباره في زعمه وأدلة بطلان شبهته في زعمه المذكور. وقد بينا في سورة "الكهف" كلام العلماء فيه؛ هل أصله ملك من الملائكة أو لا؟
ينا في سورة "البقرة" سبب استكباره في زعمه وأدلة بطلان شبهته في زعمه المذكور. وقد بينا في سورة "الكهف" كلام العلماء فيه؛ هل أصله ملك من الملائكة أو لا؟.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ﴾ صرح في غير هذا الموضع أن السجود المذكور سجده الملائكة كلهم أجمعون لا بعضهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إلا إِبْلِيسَ﴾ الآية.
•