القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلما أتى النار موسى، ناداه ربُّه: ﴿يَامُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: خرَج موسى نحوَها، يعني نحوَ النارِ، فإذا هي في شجرٍ من العُلَّيْقِ - وبعضُ أهلُ الكتاب يقولُ: في عَوْسَجَةٍ - فلما دنا استأخَرتْ عنه، فلما رأى استئْخارَها رجَع عنها، وأوجَس في نفسِه منها خِيفةً، فلما أرَاد الرَّجْعَةَ، دنتْ منه ثم كُلَّم من الشجرةِ، فلما سمِع الصوتَ استأْنَس، وقال اللهُ ﵎ له: يا مُوسَى ﴿فَاخْلَعْ
نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾.
َ، دنتْ منه ثم كُلَّم من الشجرةِ، فلما سمِع الصوتَ استأْنَس، وقال اللهُ ﵎ له: يا مُوسَى ﴿فَاخْلَعْ
نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾. فخلَعها فأَلْقاها.
واختلَف أهلُ العلمِ في السببِ الذي من أجلِه أمرَ اللهُ موسى بخلعٍ نعلَيْه؛ فقال بعضُهم: أمَره بذلك لأنهما كانتا جلدِ حمارٍ ميِّتٍ، فكرِه أن يطأ بهما الوادىَ المقدَّسَ، وأراد أن يَمسَّه من برَكةِ الوادى.
ذكْرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، عن أبي قلابةَ، عن كعبٍ، أنه رآهم يَخلَعون نِعالَهم [في الصلاةِ، فقال: كان رسولُ اللهِ ﷺ يفعَلُ ذلك؟ فقُرِئ عليه]: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾. فقال: كانتْ من جلدِ حمارٍ ميِّتٍ، فأرَاد اللهُ أَن يَمسَّه القُدْسُ.
وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾.
رَاد اللهُ أَن يَمسَّه القُدْسُ.
وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾. قال: كانتا من جلدِ حمارٍ ميِّتٍ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، قال: حُدِّثنا أن نعلَيْه كانتا من جلدِ حمارٍ، فخلَعهما ثم أتاه.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾. قال: كانتا من جلدِ حمارٍ، فقيل له: اخلَعْهما.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: وأخبَرني عمرُ بنُ عطاءٍ، عن عكرمةَ، وأبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن جابرٍ الجُعْفِيِّ، عن عليّ بن أبي طالبٍ: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾. قال: كانتا من جلدِ حمارٍ، فقيل له: اخلَعْهما.
، عن عكرمةَ، وأبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن جابرٍ الجُعْفِيِّ، عن عليّ بن أبي طالبٍ: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾. قال: كانتا من جلدِ حمارٍ، فقيل له: اخلَعْهما. قال: وقال قَتادةُ مِثْلَ ذلك.
وقال آخرون: بل كانتا من جلدِ بقَرٍ، ولكنَّ الله أرَاد أن يطأَ موسى ﵇ الأرضَ بقدمَيْه؛ ليصِلَ إليه من برَكتِها.
ذكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جريجٍ، قال الحسنُ: كانتا - يعنى نعلَيْ موسى ﵇ من بقرٍ، ولكنْ إنما أرَاد أن يُباشرَ بقدمَيْه برَكةً الأرضِ وكان قد قُدِّس مرّتين.
قال ابن جُرَيْجٍ: وقيل لمجاهدٍ: زعَموا أن نعلَيْه كانتا من جلدِ حمارٍ أو مَيْتَةٍ. قال: لا، ولكنَّه أُمِر أن يُباشرَ بقدمَيْه برَكةَ الأرضِ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: قال أبو بشرٍ - يعنى ابن عُليةَ - سمِعتُ ابنَ أبي نجيحٍ يقولُ في قولِه: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾.
ثني يعقوبُ، قال: قال أبو بشرٍ - يعنى ابن عُليةَ - سمِعتُ ابنَ أبي نجيحٍ يقولُ في قولِه: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾. قال: يقولُ: أَفْضِ
بقدمَيْك إلى برَكةِ الوادى.
وأولى القولينِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: أمَره تعالى ذكْرُه بخلعِ نعلَيْه ليباشرَ بقدمَيْه برَكةَ الوادي، إذ كان واديًا مُقدَّسًا.
وإنما قلْنا: ذلك أولى التأويلين بالصوابِ؛ لأنه لا دَلالةَ في ظاهرِ التنزيلِ على أَنَّه أُمِر بخَلْعِهما من أجلِ أنهما من جلدِ حمارٍ، ولا لنجاستِهما، ولا خبرَ بذلك عمَّن تَلْزمُ بقولِه الحُجَّةُ، وأن في قولِه: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ بعَقبِه، دليلًا واضحًا على أنه إنما أَمَره بخلعِهما لما ذكرنا.
رَ بذلك عمَّن تَلْزمُ بقولِه الحُجَّةُ، وأن في قولِه: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ بعَقبِه، دليلًا واضحًا على أنه إنما أَمَره بخلعِهما لما ذكرنا.
ولو كان الخبرُ الذي حدَّثنا به بشرٌ، قال: ثنا خَلَفُ بنُ خليفةَ، عن حميدٍ، عن عبدِ اللهِ بن الحارثِ، عن ابن مسعودٍ، عن نبيِّ اللهِ ﷺ، قال: "يَوْمَ كَلَّمُ اللهُ مُوسى، كانَتْ عَلَيْه جُبَّةٌ صُوفٍ، وكِساءُ صُوفٍ، وسَرَاوِيلُ صُوفٍ، ونَعْلان مِن جِلْدِ حمارٍ غيرِ ذكيٍّ" - صحيحًا لم نَعْدُهُ إلى غيرِه، ولكنَّ في إسنادِه نَظَرًا يَجِبُ التثبُّتُ فيه.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾؛ فقرأ ذلك بعضُ قرأةِ المدينةِ والبصرةِ: (نُودِيَ يا مُوسَى أَنِّي) بفتحِ الألفِ من "أَنِّى"، فـ "أنَّ" على قراءتِهم
في موضعِ رفعٍ بقولِه: ﴿نُودِيَ﴾. كأنَّ معناه كان عندَهم: نُودِىَ هذا القولُ.
[وقرأته بعدُ]: عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ بالكسرِ: ﴿نُودِيَ يَامُوسَى إِنِّي﴾.
رفعٍ بقولِه: ﴿نُودِيَ﴾. كأنَّ معناه كان عندَهم: نُودِىَ هذا القولُ.
[وقرأته بعدُ]: عامةُ قرأةِ المدينةِ والكوفةِ بالكسرِ: ﴿نُودِيَ يَامُوسَى إِنِّي﴾. على الابتداءِ، وأنَّ معنى ذلك: قيل يا موسى: إنِّي.
والكسرُ أولى القراءتينِ عندَنا بالصوابِ، وذلك أن النداءَ قد حال بينَه وبينَ العملِ في "أنَّ"، قولُه: ﴿يَامُوسَى﴾. وحظُّ قولِه: ﴿نُودِيَ﴾ أن يعملَ في "أَنْ" لو كانت قبلَ قولِه: ﴿يَامُوسَى﴾، وذلك أن يقالَ: نُودِى أنْ يا موسى إني أنا ربُّك. ولا حظَّ لها في "إنّ" التي بعدَ ﴿يَامُوسَى﴾.
وأما قولُه: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾. فإنه يقولُ: إنك بالوادِى المطَّهرِ المباركِ.
كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾. يقولُ: المباركِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ قولَه: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾.
قَدَّسِ﴾. يقولُ: المباركِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال مجاهدٌ قولَه: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾. قال: قُدِّس، بُورِك مرّتين.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾. قال: بالوادى المبارَكِ.
واختلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿طُوًى﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: إنك بالوادى المقدَّسِ طَوَيْتَه. فعلى هذا القولِ من قولِهم، طُوًى مصدرٌ أُخرِج من غيرِ لفظِه، كأنَّه قيل: طويتُ الوادى المقدَّسَ طُوًى.
ذكْرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾. يعنى: الأرضَ المقدسةَ، وذلك أَنَّه مرّ بوادِيها ليلًا فطَوَاه - يقالُ: طويتُ وادىَ كذا وكذا طُوًى من الليلِ - وارتفَع إلى أعلى الوادِى، وذلك نبيُّ اللهِ موسى ﵇.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: مرّتين. وقالوا: ناداه ربُّه مرّتين.
ويتُ وادىَ كذا وكذا طُوًى من الليلِ - وارتفَع إلى أعلى الوادِى، وذلك نبيُّ اللهِ موسى ﵇.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: مرّتين. وقالوا: ناداه ربُّه مرّتين. فعلى قولِ هؤلاءِ، طُوًى مصدرٌ أيضًا من غيرِ لفظِه، وذلك أن معناه عندَهم: نُودِيَ: يا موسى، مرّتين نداءَينِ. وكان بعضُهم يُنشِدُ شاهدًا لقولِه: طُوًى أَنَّه بمعنى مرّتين - قولَ عديِّ بن زيدٍ العِبَاديِّ:
أعاذِلَ إِنَّ اللَّوْمَ فِي غَيْرِ كُنْهِه … عليَّ طُوًى مِنْ غَيِّكَ المُتَرَدِّدِ
وروَى ذلك آخرون: "عليَّ ثِنًى".
- قولَ عديِّ بن زيدٍ العِبَاديِّ:
أعاذِلَ إِنَّ اللَّوْمَ فِي غَيْرِ كُنْهِه … عليَّ طُوًى مِنْ غَيِّكَ المُتَرَدِّدِ
وروَى ذلك آخرون: "عليَّ ثِنًى". أي: مرّةً بعد مرّةٍ، وقالوا: طُوًى وثِنًى بمعنًى واحدٍ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بِشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ
بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾: كُنا نُحدَّثُ أنه وادٍ قُدِّس مرّتين، وأن اسمه طُوًى.
وقال آخرون: بل معني ذلك: إنه قُدِّس طُوًى مرّتين.
ذكْرُ من قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابن جُريَجٍ، قال الحسنُ: كان قُدِّس مرَّتين.
وقال آخرون: بل ﴿طُوًى﴾: اسمُ الوادى.
ذكْرُ من قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿إِطُوًى﴾: اسمُ الوادى.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿طُوًى﴾.
محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿طُوًى﴾. قال: اسمُ الوادي.
وحدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾. قال: ذاك الوادِى هو طُوًى، حيثُ كان موسى،
وحيثُ كان إليه من اللهِ ما كان. قال: وهو نحوَ الطورِ.
وقال آخرون: بل هو أَمْرٌ من اللهِ لموسى بأنْ يطأَ الواديَ بقدمَيْه.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ منصورٍ الطوسيُّ، قال: ثنا صالحُ بن إسحاقَ الجِهْبِدُ، عن جعفرِ بن بَرْقانَ، عن عكرِمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللهِ: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾. قال: طأِ الواديَ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيَى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿طُوًى﴾.
الْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾. قال: طأِ الواديَ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيَى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ، عن يزيدَ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿طُوًى﴾. قال: طأِ الواديَ.
وحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿طُوًى﴾. قال: طأِ الأرضَ حافيًا، كما تدخلُ الكعبةَ حافيًا. يقولُ: من بَرَكةِ الوادى.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿طُوًى﴾: طأِ الأرضَ حافيًا.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُ قرأةِ المدينةِ: (طُوَى).
الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿طُوًى﴾: طأِ الأرضَ حافيًا.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُ قرأةِ المدينةِ: (طُوَى). بضمِ الطاءِ وتَرْكِ التنوينِ، كأَنَّهم جعَلوه اسمَ الأرضِ التي بها الوادي، كما قال الشاعرُ:
نَصَرُوا نَبِيَّهُمُ وَشَدُّوا أَزْرَه … بحُنَيْنَ يومَ تَوَاكُلِ الأبْطَالِ
فلم يُجرِ "حُنينًا"؛ لأنه جعلَه اسمًا للبلدةِ لا للوادِى، ولو كان جعَلَه اسمًا للوادِى لأجْراه، كما قرَأتِ القرأةُ ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٥]. وكما قال الآخرُ.
ألسْنَا أَكْرَمَ الثَّقَلَيْنِ رَحْلًا … وأَعْظَمَهُ بِبَطْنِ حِراءَ نارَا
فلم يُجرِ "حِراءَ"، وهو جبلٌ؛ لأنه جعَلَه اسمًا للبَلْدَةِ، فكذلك (طُوَى) في قراءةِ مِن لم يُجرِه، يجعَلُه اسمًا للأرضِ.
وقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ ﴿طُوًى﴾ بضمِّ الطاءِ والتنوينِ.
ه اسمًا للبَلْدَةِ، فكذلك (طُوَى) في قراءةِ مِن لم يُجرِه، يجعَلُه اسمًا للأرضِ.
وقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ ﴿طُوًى﴾ بضمِّ الطاءِ والتنوينِ. وقارِئُو ذلك كذلك مُخْتلِفون في معناه على ما قد ذكَرتُ من اختلافِ أهلِ التأويلِ؛ فأَمَّا من أراد به المصدرَ مِن "طَوَيْتُ"، فلا مَئُونَةَ في تنوينِه؛ وأَمَّا مَن أراد أن يجعَلَه اسمًا للوادِى، فإنه إنما ينوِّنُه لأنَّه اسمُ ذكرٍ لا مؤنثٍ، وأن لامَ الفعلِ منه ياءٌ، فزادَه ذلك خِفَّةً فأَجْراه، كما قال اللهُ ﷿: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾؛ إذ كان "حنينٌ" اسمَ وادٍ، والوادِى مُذكَّرٌ.
وأولى القراءتين عندى بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ بضمِّ الطاءِ والتنوين؛ لأنَّه إن يكُنِ اسمًا للوادِى فحظُّه التنوينُ؛ لما ذكرتُ لك قبلُ مِن العلةِ لمن قال ذلك، وإن كان مصدرًا أو مُفَسِّرًا، فكذلك أيضًا حكمه التنوينُ، وهو عندى اسمُ الوادِى. وإذا كان
كذلك، فهو في موضِعِ خفضٍ ردًّا على "الوادِي".
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢)﴾
يقول تعالى: (فَلَمَّا أَتَاهَا) أي: النار واقترب منها، (نُودِيَ يَا مُوسَى) وفي الآية الأخرى: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ﴾ [القصص: ٣٠] وقال هاهنا (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ) أي: الذي يكلمك ويخاطبك، (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ) قال علي بن أبي طالب، وأبو ذر، وأبو أيوب، وغير واحد من السلف: كانتا من جلد حمار غير ذكيّ.
وقيل: إنما أمره بخلع نعليه تعظيمًا للبقعة.
قال سعيد بن جبير: كما يؤمر الرجل أن يخلع نعليه إذا أراد أن يدخل الكعبة.
وقيل: ليطأ الأرض المقدسة بقدميه حافيًا غير منتعل.
بخلع نعليه تعظيمًا للبقعة.
قال سعيد بن جبير: كما يؤمر الرجل أن يخلع نعليه إذا أراد أن يدخل الكعبة.
وقيل: ليطأ الأرض المقدسة بقدميه حافيًا غير منتعل. وقيل: غير ذلك، والله أعلم.
وقوله: (طُوًى) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو اسم للوادي.
وكذا قال غير واحد، فعلى هذا يكون عطف بيان.
وقيل: عبارة عن الأمر بالوطء بقدميه.
وقيل: لأنه قُدّس مرتين، وطوى له البركة وكررت: والأول أصح، كقوله ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات: ١٦].
وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) .. ﴾ الآيات. قد بينا الآيات الموضحة لها في سورة "مريم" في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنَادَينَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
•