القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ومَن يَجِبْ عليه غضَبى فينزِلْ به، ﴿فَقَدْ هَوَى﴾.
يقولُ: فقد تردَّى فشَقى.
كما حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿فَقَدْ هَوَى﴾. يقولُ: فقد شَقِى.
وقولُه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾. يقولُ: وإني لذو عفوٍ لمن تاب من شركه فرجَعَ منه إلى الإيمان بي، ﴿وَآمَنَ﴾. يقولُ: وأَخْلَصَ لى الألُوهةَ ولم يشرِكْ في عبادتِه إِيَّايَ غَيْرِي، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. يقولُ: وأَدَّى فَرائضِى التي افْتَرضتُها
عليه، واجْتَنَب معاصيَّ، ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾. يقولُ: ثم لَزِمَ ذلك فاسْتقام ولم يُضَيِّعْ شيئًا منه.
وبنحو الذي قُلنا في قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾.
م لَزِمَ ذلك فاسْتقام ولم يُضَيِّعْ شيئًا منه.
وبنحو الذي قُلنا في قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾. قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾: مِنَ الشِّركِ، ﴿وَآمَنَ﴾. يقولُ: وَحَّدَ الله، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾. يقولُ: وأدَّى فرائضى.
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾: مِن [ذَنبِه، ﴿وَآمَنَ﴾ بربِّه، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فيما بينَه وبينَ اللهِ.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيع: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾: من الشِّركِ]، ﴿وَآمَنَ﴾.
ِ.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيع: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾: من الشِّركِ]، ﴿وَآمَنَ﴾. يقولُ: وأَخْلَصَ لله وعمل في إخْلاصِه.
واختلَفوا في معنى قوله: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: لم يَشْكُك في إيمانه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ
قوله: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾. يقولُ: لم يَشْكُكْ.
وقال آخرون: معنى ذلك: ثم لَزم الإيمانَ والعملَ الصالح.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾.
يقولُ: ثم لَزم الإسلام حتى يموت علَيْه.
وقال آخرون: بل معنَى ذلك: ثم اسْتَقام.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفر الرازيِّ، عن الربيع بن أنسٍ: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾.
عنَى ذلك: ثم اسْتَقام.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي جعفر الرازيِّ، عن الربيع بن أنسٍ: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾. قال: أَخَذ بسُنَّة نبيِّه ﵇.
وقال آخرون: بل معناه: أصاب العملَ.
[ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾. قال: أصاب العمل].
وقال آخرون: بل معنى ذلك: عرف أمرَ مُثيبه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عنبسةَ، عن الكلبيِّ: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾: من الذَّنبِ، ﴿وَآمَنَ﴾ من الشِّركِ، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ أَدَّى ما افتَرَضتُ عليه، ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ عرَف مُثيبَه إن خيرًا فخيرًا وإن شرًّا فشرًّا.
وقال آخرون بما حدَّثنا إسماعيلُ بن موسى الفَزارِيُّ، قال: ثنا عمرُ بن شاكرٍ، قال: سمعتُ ثابتًا البُنانيَّ يقولُ في قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾.
يُّ، قال: ثنا عمرُ بن شاكرٍ، قال: سمعتُ ثابتًا البُنانيَّ يقولُ في قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾. قال: إلى ولاية أهل بيت النبيِّ ﵇.
قال الطبريُّ: وإنما اخْتَرْنا القول الذي اخْتَرنا في ذلك من أجل أن الاهتداء هو الاستقامةُ على هُدًى، ولا معنى للاستقامة عليه إلا وقد جمَعه الإيمانُ والعملُ الصالحُ والتوبةُ، فمَن فعَل ذلك وثبت عليه فلا شَكَّ في اهْتِدَائِه.
م ينظرون إليه وإلى جنده قد غرقوا في صبيحة واحدة، لم ينج منهم أحد، كما قال [تعالى]: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠].
وقال البخاري: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا رَوْح بن عبادة، حدثنا شعبة، حدثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة واليهود تصوم عاشوراء، فسألهم فقالوا: هذا اليوم الذي أظفر الله فيه موسى على فرعون، فقال: " نحن أولى بموسى فصوموه " رواه مسلم أيضًا في صحيحه.
ثم إنه تعالى واعد موسى وبني إسرائيل بعد هلاك فرعون إلى جانب الطور الأيمن، وهو الذي كلمه تعالى عليه، وسأل فيه الرؤية، وأعطاه التوراة هناك. وفي غُضُون ذلك عَبَدَ بنو إسرائيل العجل، كما يقصه تعالى قريبا.
وأما المن والسلوى، فقد تقدم الكلام على ذلك في سورة "البقرة" وغيرها. فالمن: حلوى كانت تنزل عليه من السماء.
دَ بنو إسرائيل العجل، كما يقصه تعالى قريبا.
وأما المن والسلوى، فقد تقدم الكلام على ذلك في سورة "البقرة" وغيرها. فالمن: حلوى كانت تنزل عليه من السماء. والسّلوى: طائر يسقط عليهم، فيأخذون من كل، قدر الحاجة إلى الغد، لطفًا من الله ورحمة بهم، وإحسانًا إليهم؛ ولهذا قال تعالى: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي) أي: كلوا من هذا [الرزق] الذي رزقتكم، ولا تطغوا في رزقي، فتأخذوه من غير حاجة، وتخالفوا ما آمركم به، (فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي) أي: أغضب عليكم (وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى) قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي: فقد شقي.
وقال شُفَيّ بن ماتع: إن في جهنم قصرًا يُرمى الكافر من أعلاه، فيهوي في جهنم أربعين خريفًا قبل أن يبلغ الصلصال، وذلك قوله: (وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى) رواه ابن أبي حاتم.
يُرمى الكافر من أعلاه، فيهوي في جهنم أربعين خريفًا قبل أن يبلغ الصلصال، وذلك قوله: (وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى) رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا) أي: كل من تاب إليّ تبتُ عليه من أي ذنب كان، حتى إنه تعالى تاب على من عبد العجل من بني إسرائيل.
وقوله: (تَابَ) أي: رجع عما كان فيه من كفر أو شرك أو نفاق أو معصية.
وقوله: (وَآمَنَ) أي: بقلبه (وَعَمِلَ صَالِحًا) أي: بجوارحه.
وقوله: (ثُمَّ اهْتَدَى) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: أي ثم لم يشكك.
وقال سعيد بن جبير: (ثُمَّ اهْتَدَى) أي: استقام على السنة والجماعة. ورُوي نحوه عن مجاهد، والضحاك، وغير واحد من السلف.
وقال قتادة: (ثُمَّ اهْتَدَى) أي: لزم الإسلام حتى يموت.
وقال سفيان الثوري: (ثُمَّ اهْتَدَى) أي: علم أن لهذا ثوابًا.
وثم هاهنا لترتيب الخبر على الخبر، كقوله: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: ١٧].
قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾.
ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه غفار أي كثير المغفرة لمن تاب إليه من معاصيه وكفره، وآمن به وعمل صالحا ثم اهتدى. وقد أوضح هذا المعنى في مواضع متعددة من كتابه، كقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية. وقوله في الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
ّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا معنى التوبة والعمل الصالح.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ أي استقام وثبت على ما ذكر من التوبة والإيمان والعمل الصالح ولم ينكث. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، وفي الحديث: "قل آمنت بالله ثم استقم". وقال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ الآية.
•