لى عبادة العجل.
وقولُه: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ﴾. يقولُ: فانصرف موسى إلى قومه من بني إسرائيل بعد انقضاء الأربعين الليلة، ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾. [يعنى بقولِه: ﴿أَسِفًا﴾]: مُتَغَيِّظًا على قومه، حزينًا لما أحْدَثوا بعده من الكفر بالله.
كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾. يقولُ: حزينًا. وقال في "الزخرف": ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥]. يقولُ: أغْضَبونا. والأسفُ على وجهين: الغضبُ، والحُزْنُ.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾.
[الزخرف: ٥٥]. يقولُ: أغْضَبونا. والأسفُ على وجهين: الغضبُ، والحُزْنُ.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾. يقولُ: حزينًا.
وحدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف: ١٥٠] أي: حزينًا على ما صَنَع قومُه مِن بعده.
وحدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أَسِفًا﴾. قال: جزعًا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله.
وقولُه: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾. يقولُ: ألم يَعِدْكم ربُّكُم أَنَّه غفَّارٌ لمن تاب وآمَن وعمل صالحًا ثم اهْتَدى؟ ويَعِدْكم جانبَ الطورِ الأيمنَ، ويُنَزِّلْ علَيكم المنَّ والسَّلوى؟ فكان ذلك وعبد الله الحسن بني إسرائيل الذي قال لهم موسى ﵇: ألم يَعِدُكُموه ربُّكم؟
ويَعِدْكم جانبَ الطورِ الأيمنَ، ويُنَزِّلْ علَيكم المنَّ والسَّلوى؟ فكان ذلك وعبد الله الحسن بني إسرائيل الذي قال لهم موسى ﵇: ألم يَعِدُكُموه ربُّكم؟
وقولُه: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: أفطال عليكم العهدُ بي، وبجميل نعم الله عندكم، وأياديه لدَيْكُم؟ ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾. يقولُ: أم أردتُم أن يجب عليكُم غضبٌ من ربِّكم فتَسْتَحِقُّوه بعبادتكم العجل وكفركم باللهِ؟ ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾. وكان إخلافُهم موعدَه، عُكوفَهم على العجل، وتَرْكَهم السيرَ على أَثَرِ موسى للمَوعِدِ الذي كان الله ﷿ وعدَهم، وقولَهم لهارون إذ نهاهم عن عبادة العجلِ، ودعاهم إلى السير معه على أثر موسى: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٩١].
َ﴾ [الأعراف: ١٣٨، ١٣٩] وواعده ربه ثلاثين ليلة ثم أتبعها له عشرًا، فتمت [له] أربعين ليلة، أي: يصومها ليلا ونهارًا. وقد تقدم في حديث "الفتون" بيان ذلك. فسارع موسى ﵇ مبادرًا إلى الطور، واستخلف على بني إسرائيل أخاه هارون؛ ولهذا قال تعالى: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُولاءِ عَلَى أَثَرِي) أي: قادمون ينزلون قريبًا من الطور، (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) أي: لتزداد عني رضا، (قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) أخبر تعالى نبيه موسى بما كان بعده من الحدث في بني إسرائيل، وعبادتهم العجل الذي عمله لهم ذلك
السامري.
ْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ) أخبر تعالى نبيه موسى بما كان بعده من الحدث في بني إسرائيل، وعبادتهم العجل الذي عمله لهم ذلك
السامري. وفي الكتب الإسرائيلية: أنه كان اسمه هارون أيضًا، وكتب الله تعالى له في هذه المدة الألواح المتضمنة التوراة، كما قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥] أي: عاقبة الخارجين عن طاعتي المخالفين لأمري.
وقوله: (فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا) أي: بعد ما أخبره تعالى بذلك، في غاية الغضب والحَنَق عليهم، هو فيما هو فيه من الاعتناء بأمرهم، وتَسَلّم التوراة التي فيها شريعتهم، وفيها شرف لهم.
فًا) أي: بعد ما أخبره تعالى بذلك، في غاية الغضب والحَنَق عليهم، هو فيما هو فيه من الاعتناء بأمرهم، وتَسَلّم التوراة التي فيها شريعتهم، وفيها شرف لهم. وهم قوم قد عبدوا غير الله ما يَعْلَمُ كل عاقل له لب [وحزم] بطلان [ما هم فيه] وسخافة عقولهم وأذهانهم؛ ولهذا رجع إليهم غضبان أسفًا، والأسف: شدة الغضب.
وقال مجاهد: (غَضْبَانَ أَسِفًا) أي: جزعًا. وقال قتادة، والسدي: (أَسِفًا) أي: حزينًا على ما صنع قومه من بعده.
(قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا) أي: أما وعدكم على لساني كل خير في الدنيا والآخرة، وحسن العاقبة كما شاهدتم من نصرته إياكم على عدوكم، وإظهاركم عليه، وغير ذلك من أياديه عندكم؟ (أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ) أي: في انتظار ما وعدكم الله. ونسيان ما سلف من نعمه، وما بالعهد من قدم.
وكم، وإظهاركم عليه، وغير ذلك من أياديه عندكم؟ (أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ) أي: في انتظار ما وعدكم الله. ونسيان ما سلف من نعمه، وما بالعهد من قدم. (أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ) "أم" هاهنا بمعنى "بل" وهي للإضراب عن الكلام الأول، وعدول إلى الثاني، كأنه يقول: بل أردتم بصنيعكم هذا أن يحل عليكم غضب من ربكم (فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي * قَالُوا) أي: بنو إسرائيل في جواب ما أنبهم موسى وقرعهم: (مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا) أي: عن قدرتنا واختيارنا.
ثم شرعوا يعتذرون بالعذر البارد، يخبرونه عن تورعهم عما كان بأيديهم من حُلي القبط الذي كانوا قد استعاروه منهم، حين خرجوا من مصر، (فَقَذَفْنَاهَا) أي: ألقيناها عنا. وقد تقدم في حديث "الفتون" أن هارون ﵇ هو الذي كان أمرهم بإلقاء الحلي في حفيرة فيها نار.
وفي رواية السُّدِّيّ، عن أبي مالك، عن ابن عباس: إنما أراد هارون أن يجتمع الحُلي كله في تلك الحفيرة ويجعل حجرًا واحدًا. حتى إذا رجع موسى يرى فيه ما يشاء.
رواية السُّدِّيّ، عن أبي مالك، عن ابن عباس: إنما أراد هارون أن يجتمع الحُلي كله في تلك الحفيرة ويجعل حجرًا واحدًا. حتى إذا رجع موسى يرى فيه ما يشاء. ثم جاء [بعد] ذلك السامري فألقى عليها تلك القبضة التي أخذها من أثر الرسول، وسأل هارون أن يدعو الله أن يستجيب له في دعوته، فدعا له هارون -وهو لا يعلم ما يريد -فأجيب له فقال السامري عند ذلك: أسأل الله أن يكون عجلا. فكان عجلا له خُوار، أي: صوت، استدراجًا وإمهالا ومحنة واختبارًا؛ ولهذا قالوا: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾
ْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ -إلى قوله- اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨)﴾ أي: اتخذوه إلهًا، وقد صنعه السامري لهم من حلي القبط فأضلهم بعبادته. وقوله هنا: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨)﴾ والسامري: قيل اسمه هرون، وقيل: اسمه موسى بن ظفر. وعن ابن عباس أنه من قوم كانوا يعبدون البقر. وقيل: كان رجلًا من القبط؛ وكان جارًا لموسى آمن به وخرج معه. وقيل: كان عظيمًا من عظماء بني إسرائيل من قبيلة تعرف بالسامرة وهم معروفون بالشام. قال سعيد بن جبير: كان من أهل كرمان. والفتنة أصلها في اللغة. وضع الذهب في النار ليتبين أهو خالص أم زائف. وقد أطلقت
في القرآن إطلاقات متعددة: (منها) الوضع في النار، كقوله: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ أي يحرقون بها، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية؛ أي أحرقوهم بنار الأخدود.
ا كانت سيئة. ومن هنا أطلقت الفتنة على الشرك، كقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، وقوله هنا: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ﴾ الآية. (ومنها) الحجة، كقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ أي: لم تكن حجتهم.
وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ أسند إضلالهم إليه؛ لأنه هو الذي تسبب فيه بصياغته لهم العجل من حلي القبط ورميه عليه التراب الذي مسه حافر الفرس التي جاء عليها جبريل، فجعله الله بسبب ذلك عجلًا جسدًا له خوار، كما قال تعالى في هذه السورة الكريمة: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾، وقال في "الأعراف": ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ الآية. والخوار: صوت البقر. قال بعض العلماء: جعل الله بقدرته ذلك الحلي المصوغ جسدًا من لحم ودم، وهذا هو ظاهر قوله: ﴿عِجْلًا جَسَدًا﴾.
ًا لَهُ خُوَارٌ﴾ الآية. والخوار: صوت البقر. قال بعض العلماء: جعل الله بقدرته ذلك الحلي المصوغ جسدًا من لحم ودم، وهذا هو ظاهر قوله: ﴿عِجْلًا جَسَدًا﴾. وقال بعض العلماء: لم تكن تلك الصورة لحمًا ولا دمًا، ولكن إذا دخلت فيها الريح صوتت كخوار العجل. والأول أقرب لظاهر الآية، والله تعالى قادر على أن يجعل الجماد لحمًا ودمًا، كما جعل آدم لحمًا ودمًا وكان طينًا.
•