Kemudian Kami tepati janji (yang telah Kami janjikan) kepada mereka. Maka Kami selamatkan mereka dan orang-orang yang Kami kehendaki, dan Kami binasakan orang-orang yang melampaui batas
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)﴾.
يقولُ تعالى ذِكْرُه: ثم صَدَقْنا رُسُلَنا الذين كَذَّبَتْهُم أَمَمُهم، وسأَلَتْهم الآياتِ، فأتَيْناهم ما سألوه مِن ذلك، ثم أقاموا على تكْذِيبِهم إيَّاها، وأصَرُّوا على جحودِهم نبوَّتَها بعدَ الذي أتَتْهم به من آياتِ ربِّها - وعْدَنا الذي وعَدْناهم من الهلاكِ على إقامتِهم على الكفرِ بربِّهم بعدَ مجيءِ [الآياتِ التي سألوها]، وذلك كقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٥]. وكقوله: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦٤]. ونحوِ ذلك من المواعيدِ التي وعَد الأممَ مع مجيءِ الآياتِ.
وقولُه: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُمْ﴾.
تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: ٦٤]. ونحوِ ذلك من المواعيدِ التي وعَد الأممَ مع مجيءِ الآياتِ.
وقولُه: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: فأنجَيْنا الرسلَ عندَ إصرارِ أمَمِيها على تَكْذيبِها بعدَ الآيات، ﴿وَمَنْ نَشَاءُ﴾: وهم أتباعُها الذين صدَّقوها وآمنوا بها.
وقوله: ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾. يقولُ تعالى ذِكرُه: وأَهْلَكْنا الذين أسرَفوا على أنفسِهم بكفرِهم بربِّهم.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه:
﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾: والمُسرِفون هم المُشركِون.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)﴾.
يقول تعالى رادِّا على من أنكر بعثة الرسل من البشر: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلا رِجَالا يُوحَى إِلَيْهِمْ)
أي: جميع الرسل الذين تقدموا كانوا رجالا من البشر، لم يكن فيهم أحد من الملائكة، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]، وقال تعالى حكاية عمن تقدم من الأمم أنهم أنكروا ذلك فقالوا: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: ٦]؛ ولهذا قال تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) أي: اسألوا أهل العلم من الأمم كاليهود
َبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: ٦]؛ ولهذا قال تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) أي: اسألوا أهل العلم من الأمم كاليهود والنصارى وسائر الطوائف: هل كان الرسل الذين أتوهم بشرًا أو ملائكة؟ إنما كانوا بشرًا، وذلك من تمام نِعمَ الله على خلقه؛ إذ بعث فيهم رسلا منهم يتمكنون من تناول البلاغ منهم والأخذ عنهم.
وقوله: (وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ) أي: بل قد كانوا أجسادًا يأكلون الطعام، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] أي: قد كانوا بشرا من البشر، يأكلون ويشربون مثل الناس، ويدخلون الأسواق للتكسب والتجارة، وليس ذلك بضار لهم ولا ناقص منهم شيئًا، كما توهمه المشركون في قولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ
الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾ [الفرقان: ٧، ٨].
وقوله: (وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ) أي: في الدنيا، بل كانوا يعيشون ثم يموتون، ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]، وخاصتهم أنهم يوحى إليهم من الله ﷿، تنزل عليهم الملائكة عن الله بما يحكم في خلقه مما يأمر به وينهى عنه.
وقوله: (ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ) أي: الذي وعدهم ربهم: "ليهلكن الظالمين"، صدقهم الله وعده ففعل ذلك؛ ولهذا قال: (فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ) أي: أتباعهم من المؤمنين، (وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ) أي: المكذبين بما جاءت الرسل به.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَينَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)﴾.
بين جل وعلا في هذه الآيات: أنه أرسل الرسل إلى الأمم فكذبوهم، وأنه وعد الرسل بأن لهم النصر والعاقبة الحسنة، وأنه صدق رسله ذلك الوعد فأنجاهم، وأنجى معهم ما شاء أن ينجيه، والمراد به من أمن بهم من أممهم، وأهلك المسرفين وهم الكفار المكذبون للرسل، وقد أوضح هذا المعنى في مواضع كثيرة من
كتابه، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾، وقوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، وقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ
صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾. فقول الزمخشري ﴿صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ﴾ كقوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ لا حاجة إليه، والله أعلم. والإسراف: مجاوزة الحد في المعاصي كالكفر، ولذلك يكثر في القرآن إطلاق المسرفين على الكفار.
•