Dan Kami tidak mengutus sebelummu (Muhammad), melainkan orang laki-laki yang Kami berikan wahyu kepadanya di antara penduduk negeri. Tidakkah mereka bepergian di bumi lalu melihat bagaimana kesudahan orang-orang sebelum mereka (yang mendustakan rasul). Dan sungguh, negeri akhirat itu lebih baik bagi orang yang bertakwa. Tidakkah kamu mengerti
نْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾: لأنهم كانوا أعلم وأحلم من أهل العمود.
وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. يقول تعالى ذكره: أفلم يَسِرْ هؤلاء المشركون الذين يُكَذِّبونك يا محمد، ويَجْحَدون نبوَّتك، ويُنكرون ما جئتهم به من توحيد الله، وإخلاص الطاعة والعبادة له في الأرضِ، ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إذ كذَّبوا رسلنا، ألم نُحِلَّ بهم عقوبتنا، فنهلكهم بها، ونُنَجِّ منها رسلنا وأتباعهم، فيتفكَّروا في ذلك ويعتبروا؟
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، قال: قال ابن جريجٍ قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾. قال: إنهم قالوا: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]. قال: وقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾.
بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]. قال: وقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾. وقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾. وقوله: ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ﴾. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا﴾ من أهلكنا؟ قال: فكلُّ ذلك قال لقريش: أفلم يسيروا في الأرض، فينظروا في آثارهم، فيعتبروا ويتفكروا؟
وقوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾. يقول تعالى ذكره: هذا فعلنا في الدنيا بأهل ولايتنا وطاعتنا، أن عقوبتنا إذا نزلت بأهل معاصينا والشرك بنا، أنجيناهم منها، وما في الدار الآخرة لهم خيرٌ.
وترك ذكر ما ذكرنا اكتفاءً بدلالة قوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾. عليه، وأضيفت الدار إلى الآخرة، وهى الآخرة، لاختلافِ لفظيهما. كما قيل: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥)﴾ [الواقعة: ٩٥].
ِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾. عليه، وأضيفت الدار إلى الآخرة، وهى الآخرة، لاختلافِ لفظيهما. كما قيل: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥)﴾ [الواقعة: ٩٥]. وكما قيل: أتيتُك عام
الأوّل، وبارحة الأولى، وليلة الأولى، ويوم الخميس. وكما قال الشاعرُ:
أَتَمْدَحُ فَقْعَسًا وتَذُمُّ عَبْسًا … أَلا لِلهِ أُمُّكَ مِنْ هَجِينِ
ولَوْ أَقْوَتْ عَلَيْكَ دِيَارُ عَبْسٍ … عَرَفْتَ الذُّلَّ عِرفانَ اليَقِينِ
يعني عرفانًا به يقينًا.
فتأويل الكلام: وللدَّارُ الآخرة خير للذين اتقوا الله بأداء فرائضه، واجتناب معاصيه.
وقوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. يقولُ: أفلا يعقل هؤلاء المشركون باللهِ حقيقةً ما نقول لهم، ونُخْبِرُهم به من سوء عاقبة الكفر، وغِبِّ ما يَصِيرُ إليه حال أهله، مع ما قد عاينوا ورأوا وسمعوا، مما حلَّ بمن قبلهم من الأمم الكافرة المكذِّبةِ رسل ربها.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٠٩)﴾
يخبر تعالى أنه إنما أرسلَ رسُلَه من الرجال لا من النساء. وهذا قول جمهور العلماء، كما دل عليه سياق هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى لم يُوحِ إلى امرأة من بنات بني آدم وَحي تشريع.
وزعم بعضهم: أن سارة امرأة الخليل، وأم موسى، ومريم أم عيسى نبيات، واحتجوا بأن الملائكة
بشرت سارة بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، وبقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ الآية.
ومريم أم عيسى نبيات، واحتجوا بأن الملائكة
بشرت سارة بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، وبقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ الآية. [القصص: ٧]، وبأن الملك جاء إلى مريم فبشرها بعيسى، ﵇، وبقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ * يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢، ٤٣].
وهذا القدر حاصل لهن، ولكن لا يلزم من هذا أن يكن نبيات بذلك، فإن أراد القائل بنبوتهن هذا القدر من التشريف، فهذا لا شك فيه، ويبقى الكلام معه في أن هذا: هل يكفي في الانتظام في سلك النبوة بمجرده أم لا؟
نبيات بذلك، فإن أراد القائل بنبوتهن هذا القدر من التشريف، فهذا لا شك فيه، ويبقى الكلام معه في أن هذا: هل يكفي في الانتظام في سلك النبوة بمجرده أم لا؟ الذي عليه [أئمة] أهل السنة والجماعة، وهو الذي نقله الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عنهم: أنه ليس في النساء نبية، وإنما فيهن صديقات، كما قال تعالى مخبرا عن أشرفهن مريمَ بنت عمران حيث قال: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] فوصفها في أشرف مقاماتها بالصدّيقية، فلو كانت نبيّة لذكر ذلك في مقام التشريف والإعظام، فهي صديقة بنص القرآن.
وقال الضحاك، عن ابن عباس في قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) أي: ليسوا من أهل السماء كما قلتم.
الضحاك، عن ابن عباس في قوله: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) أي: ليسوا من أهل السماء كما قلتم. وهذا القول من ابن عباس يعتضد بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ﴾ الآية [الفرقان: ٢٠] وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ * ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء: ٨، ٩] وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ الآية [الأحقاف: ٩].
وقوله: (مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) المراد بالقرى: المدن، لا أنهم من أهل البوادي، الذين هم أجفى الناس طباعا وأخلاقا.
ًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ الآية [الأحقاف: ٩].
وقوله: (مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) المراد بالقرى: المدن، لا أنهم من أهل البوادي، الذين هم أجفى الناس طباعا وأخلاقا. وهذا هو المعهود المعروف أن أهل المدن أرقّ طباعا، وألطف من أهل سوادهم، وأهل الريف والسواد أقرب حالا من الذين يسكنون في البوادي؛ ولهذا قال تعالى: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧].
وقال قتادة في قوله: (مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) لأنهم أعلم وأحلم من أهل العمود.
وفي الحديث الآخر: أن رجلا من الأعراب أهدى لرسول الله ﷺ ناقة، فلم يزل يعطيه ويزيده حتى رضي، فقال رسول الله ﷺ: "لقد هممت ألا أَتَّهِبَ هِبَةً إلا من قرشي، أو أنصاري، أو ثقفي، أو دَوْسِي".
وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن شيخ
د هممت ألا أَتَّهِبَ هِبَةً إلا من قرشي، أو أنصاري، أو ثقفي، أو دَوْسِي".
وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن شيخ
من أصحاب رسول الله ﷺ -قال الأعمش: هو [ابن] عمر، عن النبي ﷺ أنه قال: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم".
وقوله: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ) [يعني: هؤلاء المكذبين لك يا محمد في الأرض،] (فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي: من الأمم المكذبة للرسل، كيف دمر الله عليهم، وللكافرين أمثالها، كقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، فإذا استمعوا خبر ذلك، رأوا أن الله قد أهلك الكافرين ونجى المؤمنين، وهذه كانت سنته تعالى في خلقه؛ ولهذا قال تعالى: (وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا) أي:
ذلك، رأوا أن الله قد أهلك الكافرين ونجى المؤمنين، وهذه كانت سنته تعالى في خلقه؛ ولهذا قال تعالى: (وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا) أي: وكما أنجينا المؤمنين في الدنيا، كذلك كتبنا لهم النجاة في الدار الآخرة أيضًا، وهي خير لهم من الدنيا بكثير، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥١، ٥٢].
وأضاف الدار إلى الآخرة فقال: (وَلَدَارُ الآخِرَةِ) كما يقال: "صلاة الأولى" و"مسجد الجامع" و"عام الأول" و "بارحة الأولى" و"يوم الخميس". قال الشاعر:
أَتَمْدَحُ فَقْعَسًا وَتذمّ عَبْسًا … ألا لله أمَّكَ من هَجين
وَلو أقْوتْ عَلَيك ديارُ عَبْسٍ … عَرَفْتَ الذّلّ عرْفانَ اليَقين