Dan Kami tidak mengutus rasul-rasul sebelummu (Muhammad), melainkan mereka pasti memakan makanan dan berjalan di pasar-pasar. Dan Kami jadikan sebagian kamu sebagai cobaan bagi sebagian yang lain. Maukah kamu bersabar? Dan Tuhanmu Maha Melihat
. وجوابٌ لهم عنه. يقولُ لهم جلَّ ثناؤُه: وما أنْكَر يا محمدُ هؤلاء القائلون: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾. من أكلِك الطعامَ، ومشيِك في الأسواقِ، وأنت للهِ رسولٌ، فقد علِموا أنَّا ما أَرْسَلْنا قَبْلَك من المرسَلين إلا مَن إنهم ليَأكُلون الطعامَ ويَمْشون في الأسواقِ، كالذى تَأْكُلُ أنت وتَمْشِى، فليس لهم عليك بما قالوا من ذلك حجةٌ؟
فإن قال قائلٌ: فإن "مَن" ليست في التلاوةِ، فكيف قلتَ: معنى الكلامِ: إلا من إنهم لَيَأْكُلُون الطعامَ؟
قيل: قلنا في ذلك: معناه أن الهاءَ والميمَ في قولِه: ﴿إِنَّهُمْ﴾. كنايةُ أسماءٍ لم تُذْكَرْ، ولابدَّ لها مِن أن تعودَ على مَن كُنِى عنه بها، وإنما تُرِك ذكرُ "مَن" وإظهارُه في الكلامِ، اكتفاءً بدَلالةِ قولِه: ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾. عليه، كما اكْتُفِى في قولِه: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]. من إظهارِ "مَن"، ولا شكَّ أن معنى ذلك: وما منا إلا مَن له مقامٌ معلومٌ.
ْتُفِى في قولِه: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]. من إظهارِ "مَن"، ولا شكَّ أن معنى ذلك: وما منا إلا مَن له مقامٌ معلومٌ. كما قيل: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]. ومعناه: وإن منكم إلا مَن هو واردُها. فقولُه: ﴿إِنَّهُمْ
لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ صلةٌ لـ "مَن" المتروكِ، كما يقالُ في الكلامِ: ما أَرْسَلْتُ إليك مِن الناسِ إلا مَن إنه لَيُبَلِّغُك الرسالة. فـ: إنه لَيُبَلِّغُك الرسالة. صلةٌ لـ "مَن".
وقولُه: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وامْتَحَنَّا أيُّها الناسُ بعضَكم ببعضٍ، جعَلْنا هذا نبيًّا، وخصَصْناه بالرسالةِ، وهذا ملِكًا، وخصَصْناه بالدنيا، وهذا فقيرًا، وحرَمْناه الدنيا؛ لنَخْتَبِرَ الفقيرَ بصبرِه على ما حُرِم مما أُعْطِيَه الغنيُّ، والملِكَ بصبرِه على ما أُعْطِيَه الرسولُ مِن الكرامةِ، وكيفَ رِضا كلِّ إنسانٍ منهم بما أُعْطِىَ وقُسِم له، وطاعتُه ربَّه مع ما حُرِم مما أُعْطِيَ غيرُه.
ملِكَ بصبرِه على ما أُعْطِيَه الرسولُ مِن الكرامةِ، وكيفَ رِضا كلِّ إنسانٍ منهم بما أُعْطِىَ وقُسِم له، وطاعتُه ربَّه مع ما حُرِم مما أُعْطِيَ غيرُه. يقولُ: فمن أجلِ ذلك لم أُعْطِ محمدًا الدنيا، وجَعَلْتُه يَطلُبُ المعاشَ في الأسواقِ، ولأَبْتَلِيَكم أَيُّها الناسُ، وأَخْتَبِرَ طاعتَكم ربَّكم، وإجابتَكم رسولَه إلى ما دعاكم إليه، بغيرِ عَرَضٍ من الدنيا تَرْجُونه مِن محمدٍ أن يُعْطِيَكم على اتِّباعِكم إياه؛ لأنى لو أعْطَيْتُه الدنيا لَسارَع كثيرٌ منكم إلى اتباعِه، طمعًا في دنياه أن يَنالَ منها.
وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، عن أبي رَجاءٍ، قال: ثنى عبدُ القُدُّوسِ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ الآية. يقولُ هذا الأعمى: لو شاء اللهُ لجَعَلَنى بصيرًا مثلَ فلانٍ. ويقولُ هذا الفقيرُ: لو شاء اللهُ لجَعَلَنى غنيًّا مثلَ فلانٍ.
ْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ الآية. يقولُ هذا الأعمى: لو شاء اللهُ لجَعَلَنى بصيرًا مثلَ فلانٍ. ويقولُ هذا الفقيرُ: لو شاء اللهُ لجَعَلَنى غنيًّا مثلَ فلانٍ. ويقولُ هذا السقيمُ: لو شاء اللهُ لجَعَلنى صحيحًا مثلَ فلانٍ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ في قولِه: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾. قال: يُمْسِكُ عن هذا، ويُوَسِّعُ على هذا، فيقولُ: لم يُعطنى مثل ما أعْطَى فلانًا. ويَبْتَلى بالوَجَعِ كذلك، فيقولُ: لم يَجْعَلْنى ربى صحيحًا مثلَ فلانٍ.
: يُمْسِكُ عن هذا، ويُوَسِّعُ على هذا، فيقولُ: لم يُعطنى مثل ما أعْطَى فلانًا. ويَبْتَلى بالوَجَعِ كذلك، فيقولُ: لم يَجْعَلْنى ربى صحيحًا مثلَ فلانٍ. في أشباهِ ذلك مِن البلاء؛ لِيَعْلَمَ مَن يَصْبِرُ ممن يَجْزَعُ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبي محمدٍ - فيما يَرَى الطبريُّ - عن عكرمةَ، أو عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ، قال: وأُنْزِل عليه في ذلك مِن قولِهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ الآية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾.
َ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾. أي: جَعَلْتُ بعضَكم لبعضٍ بلاءً؛ لتَصْبروا على ما تَسْمَعون منهم وتَرَوْن مِن خلافِهم، وتَتَّبعوا الهدَى بغيرِ أن أُعْطِيَهم عليه الدنيا، ولو شئتُ أن أَجْعَلَ الدنيا مع رسلى، فلا يُخالفون لَفَعَلْتُ، ولكنى قد أَرَدْتُ أن أَبْتَلى العبادَ بكم، وأَبْتَلِيكم بهم.
وقولُه: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾. يقولُ: وربُّك يا محمدُ بصيرٌ بمَن يَجْزَعُ، ومَن يَصْبِرُ على ما امْتُحِن به مِن المحنِ.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾: إن ربَّك لبصيرٌ بمَن يَجْزَعُ ومَن يَصْبِرُ.
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)﴾
يقول تعالى مخبرا عن جميع مَنْ بعثه من الرسل المتقدمين: إنهم كانوا يأكلون الطعام، ويحتاجون إلى التغذي به (وَيَمْشُونَ فِي الأسْوَاقِ) أي: للتكسب والتجارة، وليس ذلك بمناف لحالهم ومنصبهم؛ فإن الله جعل لهم من السمات الحسنة، والصفات الجميلة، والأقوال الفاضلة، والأعمال الكاملة، والخوارق الباهرة، والأدلة [القاهرة]، ما يستدل به كل ذي لب سليم، وبصيرة مستقيمة، على صدق ما جاءوا به من الله ﷿.
ة، والأقوال الفاضلة، والأعمال الكاملة، والخوارق الباهرة، والأدلة [القاهرة]، ما يستدل به كل ذي لب سليم، وبصيرة مستقيمة، على صدق ما جاءوا به من الله ﷿. ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩] ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٨].
وقوله: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ) أي: اختبرنا بعضكم ببعض، وبلونا بعضكم ببعض، لنعلم مَن يُطيع ممن يعصي؛ ولهذا قال: (أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) أي: بمن يستحق أن يوحى إليه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، ومن يستحق أن يهديه الله لما أرسلهم به، ومن لا يستحق ذلك.
ق أن يوحى إليه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، ومن يستحق أن يهديه الله لما أرسلهم به، ومن لا يستحق ذلك.
وقال محمد بن إسحاق في قوله: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ) قال: يقول الله: لو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي فلا يخالفون، لفعلت، ولكنّي قد أردتُ أن أبتلي العباد بهم،
وأبتليهم بهم.
وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار، عن رسول الله ﷺ: "يقول الله: إني مُبْتَلِيك، ومُبْتَلٍ بك". وفي المسند عن رسول الله ﷺ: "لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة"، وفي الصحيح أنه -عليه أفضل الصلاة والسلام -خُير بين أن يكون نبياً ملكا أو عبداً رسولا فاختار أن يكون عبدا رسولا.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾.
ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أنه جعل بعض الناس فتنة لبعض.
وهذا المعنى الذي دلت عليه الآية ذكره في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ الآية.
وقال القرطبي في تفسير قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ ومعنى هذا: أن كل واحد مختبر بصاحبه، فالغني ممتحن بالفقير، عليه أن يواسيه، ولا يسخر منه، والفقير ممتحن بالغني،
عليه أن لا يحسده، ولا يأخذ منه إلَّا ما أعطاه، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق، كما قال الضحاك في معنى: أتصبرون، أي: على الحق، وأصحاب البلايا يقولون: لِمَ لَمْ نعاف، والأعمى يقول: لم لم أجعل كالبصير؟
يصبر كل واحد منهما على الحق، كما قال الضحاك في معنى: أتصبرون، أي: على الحق، وأصحاب البلايا يقولون: لِمَ لَمْ نعاف، والأعمى يقول: لم لم أجعل كالبصير؟ وهكذا صاحب كل آفة، والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس من الكفار في عصره، وكذلك العلماء، وحكام العدل، ألا ترى إلى قولهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ فالفتنة أن يحسد المبتلى المعافى، ويحقر المعافى المبتلى، والصبر أن يحبس كلاهما نفسه، هذا عن البطر، وذلك عن الضجر. انتهى محل الغرض من كلام القرطبي.
وإذا علمت معنى كون بعضهم فتنة لبعض. فاعلم أن قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ الآية.
عن الضجر. انتهى محل الغرض من كلام القرطبي.
وإذا علمت معنى كون بعضهم فتنة لبعض. فاعلم أن قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ الآية. فيه فتنة أغنياء الكفار بفقراء المسلمين، حيث احتقروهم وازدروهم، وأنكروا أن يكون الله من عليهم دونهم، لأنهم في زعمهم لفقرهم، ورثاثة حالهم لا يمكن أن يرحمهم الله ويعطيهم من فضله الواسع، كما قال تعالى عنهم أنهم قالوا فيهم: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ وقال: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وسيوبخهم الله يوم القيامة على احتقارهم لهم في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠). . .