القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاءِ المشركين من قريشٍ: لا تَضِجُّوا اليومَ وقد نزَلَ بكم سَخَطُ اللَّهِ وعذابُه، بما كسبَتْ أيديكم، واستوجبتموه بكفرِكم بآياتِ ربِّكم، ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. يعني: آياتُ كتابِ اللهِ. يقولُ: قد كانتْ آيَاتُ كتابي تُقرأُ عليكم، فتكذبون بها، وتَرْجِعون مُولِّين عنها إذا سمِعتُموها، كراهيةً منكم لسماعِها. وكذلك يُقالُ لكلِّ من رَجَع من حيثُ جاء: نكَص فلانٌ على عَقِبِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾.
لتأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن
مجاهدٍ: ﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾. قال: تَستأخرون.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾. يقولُ: تُدْبِرون.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾: يعنى أهلَ مكةَ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿تَنْكِصُونَ﴾. قال: تَستأْخِرون.
وقولُه: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾.
ال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿تَنْكِصُونَ﴾. قال: تَستأْخِرون.
وقولُه: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾. يقولُ: مستكبرين بحَرَمِ اللَّهِ، يقولون: لا يَظهرُ علينا فيه أحدٌ؛ لأنا أهلُ الحَرَمِ.
وبنحوِ الذي قُلنا في تأويلِ ذلك قال أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾. يقولُ: مستكبِرين بحَرَمِ البيتِ: إنه لا يَظهرُ علينا فيه أحدٌ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾. قال: بمكةَ بالبلدِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوْذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾.
ل: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوْذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾. قال: مستكبرين بحَرَمى.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن حصينٍ، عن سعيدِ بن: جبيرٍ في قوله: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾: بالحرمِ.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قَتادةَ: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾. قال: مستكبِرين بالحرمِ.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَهُ.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾. قال: بالحرمِ.
وقولُه: ﴿سَامِرًا﴾. يقولُ: تَسْمُرون بالليل.
ووحَّدَ قولَه: ﴿سَامِرًا﴾. وهو بمعنى السُّمَّارِ؛ لأنَّه وُضِع موضعَ الوقتِ.
ومعنى الكلامِ: تَهجُرون ليلًا. فوُضِع السامرُ موضعَ الليلِ، فوُحِّد لذلك.
وقد كان بعضُ البصريين يقولُ: وُحِّد ومعناه الجمعُ، كما قيل: طفلٌ.
َ الوقتِ.
ومعنى الكلامِ: تَهجُرون ليلًا. فوُضِع السامرُ موضعَ الليلِ، فوُحِّد لذلك.
وقد كان بعضُ البصريين يقولُ: وُحِّد ومعناه الجمعُ، كما قيل: طفلٌ. في موضعِ أطفالٍ.
ومما يُبينُ عن صحةِ ما قلْنا في أنه وُضِع موضعَ الوقتِ فوُحِّد لذلك - قولُ الشاعرِ.
مِنْ دُونِهم إن جَنْتَهُمْ سَمَرًا … عَزْفُ القِيانِ وَمَجْلسٌ غَمْرُ
فقال: سَمَرًا؛ لأن معناه: إن جئتَهم ليلًا وهم يسمرون. وكذلك قولُه:
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿سَامِرًا﴾. يقولُ: تَسْمُرون حولَ البيتِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:
﴿سَامِرًا﴾. قال: مجلسًا بالليلِ.
حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَامِرًا﴾.
ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:
﴿سَامِرًا﴾. قال: مجلسًا بالليلِ.
حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَامِرًا﴾. قال: مجالسَ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن حصينٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿سَامِرًا﴾. قال: تَشمُرون بالليلِ.
حدَّثني يونسُ قال: أخبرنا ابن وهبٍ قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿سَامِرًا﴾. قال: كانوا يَسمُرون ليلتَهم ويَلعبون، يَتكلَّمون بالشعرِ والكهانةِ وبما لا يَدْرون.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿سَامِرًا﴾. قال: يَعنى سَمَرَ الليلِ.
وقال بعضُهم في ذلك ما حدَّثنا به ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿سَامِرًا﴾. يقولُ: سامرًا من أهلِ الحرمِ، آمنًا لا يخافُ، كانوا يقولون: نحنُ أهلُ الحرمِ. لا يَخافون.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿سَامِرًا﴾. يقولُ: سامِرًا أهلَ الحرمِ أمنًا لا يخافون.
نحنُ أهلُ الحرمِ. لا يَخافون.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿سَامِرًا﴾. يقولُ: سامِرًا أهلَ الحرمِ أمنًا لا يخافون. قال: كانوا يقولون: نحن أهلُ الحرمِ لا نخافُ.
وقوله: ﴿تَهْجُرُونَ﴾. اختلَفتِ القرأةُ في قراءتِه؛ فقرأتْه عامةُ قرأةِ الأمصارِ:
تَهْجُرُونَ﴾. بفتحِ التاءِ وضمِّ الجيمِ.
ولقراءةِ من قرأ ذلك كذلك وجهان من المعنى؛ أحدُهما، أن يكونَ عنى أنه وصفهم بالإعراض عن القرآن أو البيت أو رسول الله ورفضه. والآخرُ، أن يكونَ عنى أنهم يقولون شيئًا من القول، كما يَهجُرُ الرجلُ في منامِه، وذلك إذا هَذَى. فكأنه وصفهم بأنهم يقولون في القرآن ما لا معنى له من القول، وذلك أن يَقولوا فيه باطلًا من القولِ الذي لا يَضرُّه.
وقد جاء بكلا القولينِ التأويلُ مِن أهل التأويلِ.
ذكرُ مَن قال: كانوا يُعْرِضون عن ذكرِ اللَّهِ والحَقِّ وَيَهجُرُونَه
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿تَهْجُرُونَ﴾.
عن ذكرِ اللَّهِ والحَقِّ وَيَهجُرُونَه
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿تَهْجُرُونَ﴾. قال: تَهْجُرُون ذكرَ اللَّهِ والحقَّ.
[حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن السديِّ، عن أبي صالحٍ في قولهِ: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾. قال: السبُّ].
ذكرُ مَن قال: كانوا يقولون الباطلَ والسيئَ من القولِ في القرآنِ
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيانُ، عن حصينٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ: ﴿تَهْجُرُونَ﴾. قال: تَهجُرُون في الباطلِ.
قال: ثنا يحيى، عن سفيانَ، عن حصينٍ، عن سعيدٍ بن جبيرٍ: ﴿سَامِرًا
تَهْجُرُونَ﴾. قال: تَسْمُرون بالليلِ، تَخوضون في الباطلِ.
حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَهْجُرُونَ﴾.
ُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿تَهْجُرُونَ﴾. قال: بالقولِ السيءِ في القرآنِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٌ مثلَه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿تَهْجُرُونَ﴾. قال: الهَذْيانُ الذي يَتكلَّمُ بما لا يُريدُ ولا يَعْقِلُ، كالمريضِ الذي يتكلَّمُ بما لا يَدْرى. قال: وكان أبي يقرؤُها: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾.
وقرَأ ذلك آخرون: (سَامِرًا تُهْجِرُونَ). بضمِّ التاءِ وكسرِ الجيمِ. وممن قرأ ذلك كذلك من قرأةِ الأمصارِ: نافعُ بنُ أبي نعيمِ، بمعنى: تُفْحِشون في المنطقِ، وتَقولون الخَنَا. من قولِهم: أهْجَرَ الرجلُ، إذا أَفْحَشَ في القولِ.
وذُكِر أنهم كانوا يَسُبُّون رسولَ اللهِ ﷺ.
ذكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٌّ، عن ابن عباسٍ: (تُهْجِرُون).
ُكِر أنهم كانوا يَسُبُّون رسولَ اللهِ ﷺ.
ذكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٌّ، عن ابن عباسٍ: (تُهْجِرُون). قال: تقولون هُجْرًا.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا عبدُ المؤمنِ، عن أبي نَهِيكِ، عن عِكْرِمَةَ أنه قرَأ: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾. أي: تَسُبُّون.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هوذةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: (سامرًا تُهْجِرُون): رسولى.
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: (تُهْجِرُون): رسولَ اللهِ ﷺ.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: (تُهْجِرُون).
قال: تقولون سوءًا".
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، قال: قال الحسنُ: (تُهْجِرُون): كتابَ اللهِ ورسولَه.
حدَّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: (تُهْجِرُون).
(تُهْجِرُون): كتابَ اللهِ ورسولَه.
حدَّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: (تُهْجِرُون). يقولُ: تقولون المنكرَ والخنا من القولِ، كذلك هُجْرُ القولِ.
وأولى القراءتين بالصوابِ في ذلك عندنا القراءةُ التي عليها قرأةُ الأمصارِ، وهى فتحُ التاءِ وضمُّ الجيمِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليها.
﴿وَلا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ (٦٥) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾.
يقول تعالى مخبرًا عن عدله في شرعه على عباده في الدنيا: أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها، أي: إلا ما تطيق حمله والقيام به، وأنه يوم القيامة يحاسبهم بأعمالهم التي كتبها عليهم في كتاب مسطور لا يضيع منه شيء؛ ولهذا قال: (وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ) يعني: كتاب الأعمال، (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) أي: لا يبخسون من الخير شيئا، وأما السيئات فيعفو ويصفح عن كثير منها لعباده المؤمنين.
ٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ) يعني: كتاب الأعمال، (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) أي: لا يبخسون من الخير شيئا، وأما السيئات فيعفو ويصفح عن كثير منها لعباده المؤمنين.
ثم قال منكرًا على الكفار والمشركين من قريش: (بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ) أي: غفلة وضلالة (مِنْ هَذَا) أي: القرآن الذي أنزله [الله تعالى] على رسوله ﷺ.
وقوله: (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ): قال الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس: (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ) أي: سيئة من دون ذلك، يعني: الشرك، (هُمْ لَهَا عَامِلُونَ) قال: لا بد أن يعملوها. وكذا روي عن مجاهد، والحسن، وغير واحد.
وقال آخرون: (وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ) أي: قد كتب عليهم أعمال سيئة لا بد أن يعملوها قبل موتهم لا محالة، لتحق عليهم كلمة العذاب. ورُوِي نَحو هذا عن مقاتل بن حيَّان والسُّدِّيّ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وهو ظاهر قوي حسن.
أن يعملوها قبل موتهم لا محالة، لتحق عليهم كلمة العذاب. ورُوِي نَحو هذا عن مقاتل بن حيَّان والسُّدِّيّ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وهو ظاهر قوي حسن. وقد قدمنا في حديث ابن مسعود: "فوالذي لا إله غيره، إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها".
وقوله: (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ) يعني: حتى إذا جاء مترفيهم -وهم السعداء المنعمون في الدنيا-عذابُ الله وبأسه ونقمته بهم (إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ) أي: يصرخون ويستغيثون، كما قال تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلا * إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالا وَجَحِيمًا * وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل: ١١ - ١٣]، وقال تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣].
ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا﴾ [المزمل: ١١ - ١٣]، وقال تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣].
وقوله: (لا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنْصَرُونَ) أي: لا نجيركم مما حل بكم، سواء جأرتم أو سكتُّم، لا محيد ولا مناص ولا وَزَرَ لزم الأمر ووجب العذاب.
ثم ذكر أكبر ذنوبهم فقال: (قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ) أي: إذا دعيتم أبيتم، وإن طُلبتم امتنعتم؛ ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢].
وقوله: (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ): في تفسيره قولان، أحدهما: أن مستكبرين حال منهم حين نكوصهم عن الحق وإبائهم إياه، استكبارًا عليه واحتقارًا له ولأهله، فعلى هذا الضمير في (بِهِ) فيه ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنه الحرم بمكة، ذموا لأنهم كانوا يسمرون بالهُجْر من الكلام.
اه، استكبارًا عليه واحتقارًا له ولأهله، فعلى هذا الضمير في (بِهِ) فيه ثلاثة أقوال:
أحدهما: أنه الحرم بمكة، ذموا لأنهم كانوا يسمرون بالهُجْر من الكلام.
والثاني: أنه ضمير القرآن، كانوا يسمرون ويذكرون القرآن بالهجر من الكلام: "إنه سحر، إنه شعر، إنه كهانة" إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة.
والثالث: أنه محمد ﷺ، كانوا يذكرونه في سمرهم بالأقوال الفاسدة، ويضربون له الأمثال الباطلة، من أنه شاعر، أو كاهن، أو ساحر، أو كذاب، أو مجنون. وكل ذلك باطل، بل هو عبد الله ورسوله، الذي أظهره الله عليهم، وأخرجهم من الحرم صاغرين أذلاء.
وقيل: المراد بقوله: (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ) أي: بالبيت، يفتخرون به ويعتقدون أنهم أولياؤه، وليسوا بهم، كما قال النسائي في التفسير من سننه:
صاغرين أذلاء.
وقيل: المراد بقوله: (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ) أي: بالبيت، يفتخرون به ويعتقدون أنهم أولياؤه، وليسوا بهم، كما قال النسائي في التفسير من سننه:
أخبرنا أحمد بن سليمان، أخبرنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن عبد الأعلى، أنه سمع سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس أنه قال: إنما كره السمر حين نزلت هذه الآية: (مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ)، فقال: مستكبرين بالبيت، يقولون: نحن أهله، (سَامِرًا) قال: يتكبرون [ويسمرون فيه، ولا] يعمرونه، ويهجرونه.
وقد أطنب ابن أبي حاتم هاهنا بماذا حاصله.
قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦)﴾.
لما بين أن المترفين من الكفار إذا أخذهم ربهم بالعذاب ضجوا وصاحوا واستغاثوا، وبين أنهم لا يغاثون - كما أوضحنا آنفًا - بين سبب ذلك بقوله: ﴿قَدْ كَانَتْءَايَاتِى﴾ أي: التي أرسلت بها رسلي: ﴿تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ تقرأ عليكم واضحة مفصلة، ﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ ترجعون عنها القهقرى. والعقب: مؤخر القدم. والنكوص: الرجوع عن الأمر. ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ ومنه قول الشاعر:
زعموا بأنهم على سبل النجا ...
. والنكوص: الرجوع عن الأمر. ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ ومنه قول الشاعر:
زعموا بأنهم على سبل النجا ... ة وإنما نكص على الأعقاب
وهذا المعنى الذي ذكره هنا أشار له في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ فكفرهم عند ذكر الله وحده من نكوصهم على أعقابهم، وبين في موضع آخر أنهم إذا تتلى عليهم آياته لم يقتصروا على النكوص عنها على أعقابهم، بل يكادون يبطشون بالذي يتلوها عليهم، لشدة بغضهم لها، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ وهذا الذي
مْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ وهذا الذي ذكرنا أن العذاب عذاب يوم القيامة أظهر عندنا من قول من قال: إنه يوم بدر،
أو الجوع. ومن قول من زعم أن الذين يجأرون هم الذين لم يقتلوا يوم بدر وأن جؤارهم من قبل إخوانهم. فكل ذلك خلاف الظاهر وإن قاله من قاله.
•