القول في تأويل قوله تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوا وَلَاتَ حِينَ
مَنَاصٍ﴾.
يقولً تعالى ذكرُه: كثيرًا أهلكنا من قبلِ هؤلاء المشركين من قريشٍ، الذين كذَّبوا رسولنا محمدًا ﷺ فيما جاءهم به من عندِنا من الحقِّ - ﴿مِّن قَرْنٍ﴾. يعني: من الأمم الذين كانوا قبلهَم، فسلَكوا سبيلَهم في تكذيب رسلهم فيما أتَوهم به من عندِ اللهِ، ﴿فَنَادَوا﴾. يقولُ: فعَجُّوا إلى ربِّهم، وضجُّوا واستغاثُوا بالتوبة إليه حين نزَل بهم بأسُ اللَّهِ، وعاينُوا به عذابَه، فرارًا من عقابِه، وهربًا من أليمِ عذابِه، ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. يقولُ: وليس ذلك حينَ فرارٍ ولا هربٍ من العذابِ بالتوبةِ وقد حقَّت كلمة العذابِ عليهم، وتابوا حينَ لا تنفعُهم التوبةُ، واستقالُوا في غيرِ وقت الإقالِة.
وقوله: ﴿مَنَاصٍ﴾: مَفْعَلٌ من النَّوْصِ، والنوصُ في كلامِ العربِ التأخرُ، والمناصُ المَفْرُ؛ ومنه قولُ امرئِ القيسِ:
أمِنْ ذكرٍ سَلمَى إِذْ نَأَتْكَ تَنُوصُ … فتَقصُرُ عنها خُطوَةً أو تبوصُ
يقولُ: أو تَقَدَّمُ.
ربِ التأخرُ، والمناصُ المَفْرُ؛ ومنه قولُ امرئِ القيسِ:
أمِنْ ذكرٍ سَلمَى إِذْ نَأَتْكَ تَنُوصُ … فتَقصُرُ عنها خُطوَةً أو تبوصُ
يقولُ: أو تَقَدَّمُ. يقالُ من ذلك: ناصَنى فلانٌ. إذا ذَهب عنك، وباصَني. إذا سبَقك، وناض في البلادِ. إذا ذَهب فيها، بالضادِ. وذكر الفراءُ أن العقيليَّ أنشَده:
إذا عاشَ إِسْحَاقٌ وَشَيْخُهُ لم أُبَلْ … فَقِيدًا وَلَمْ يَصْعُبْ عَلَىَّ مَناضُ
ولَوْ أَشْرَفَتْ مِنْ كُفَّةِ السِّتْرِ عاطِلًا … لَقُلْتُ غَزَالٌ ما عَلَيْهِ خُضَاضُ
والخضاض: الحليُّ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾.
مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. قال: ليس بحينِ نَزوٍ، ولا حينِ فرارٍ.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابنُ علية، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ، عن التميميِّ، قال: قلتُ لابنِ عباسٍ: أرأيتَ قولَ اللهِ: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، قال: ليس بحينِ نَزوٍ ولا فرارٍ؛ ضُبط القومُ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عنبسة، عن أبي إسحاقَ الهمدانيِّ، عن التميميِّ، قال: سأَلتُ ابنَ عباسٍ عن قولِ اللَّهِ: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. قال: ليس حينَ نزوٍ ولا فرارٍ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. قال: ليسَ حينَ نَزو ولا فرارٍ.
حدثني عليٌّ، قال: ثنا عبدً اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾.
مَنَاصٍ﴾. قال: ليسَ حينَ نَزو ولا فرارٍ.
حدثني عليٌّ، قال: ثنا عبدً اللهِ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. يقولُ: ليسَ حينَ مَغاثٍ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. قال: ليس هذا بحينِ فرارٍ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فَنَادَوا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. قال: نادى القومُ على غير حين نداءٍ، وأرادُوا التوبةَ حين عايَنوا عذابَ الله، فلم يُقبل منهم ذلك.
حدَّثنا محمد بن الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. قال: حينَ نزَل بهم العذابُ لم يستطيعوا الرجوعَ إلى التوبةِ، ولا فرارًا من العذابِ.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَنَادَوا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾.
فرارًا من العذابِ.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَنَادَوا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾. يقولُ: وليس حينَ فرارٍ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾: ولاتَ حِينَ مَنْجِّى ينجُون منه.
ونُصب ﴿حِينَ﴾ في قوله: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ تشبيها لـ"لات" بـ"ليس"، وأُضمِر فيها اسمُ الفاعل.
وحكَى بعضُ نحويِّى أهلِ البصرةِ الرفعَ مع "لاتَ" في "حينُ"، زُعم أن
بعضهم رفَع: (وَلَاتَ حِينُ مَناصٍ) فجعَله في قولِه مثلَ "ليس"، كأنه قال: ليس. وأضمَر الخبرَ. قال: وفي الشعرِ:
طلَبوا صُلْحَنا ولاتَ أوانِ … فأجَبنا أن ليسَ حينَ بقاءِ
فجرَّ (أوان)، وأضمَر الحيَن، [وأضاف] إلى "أوان"؛ لأن "لاتَ" لا تكونُ إلا مع الحينِ.
الشعرِ:
طلَبوا صُلْحَنا ولاتَ أوانِ … فأجَبنا أن ليسَ حينَ بقاءِ
فجرَّ (أوان)، وأضمَر الحيَن، [وأضاف] إلى "أوان"؛ لأن "لاتَ" لا تكونُ إلا مع الحينِ. قال: ولا تكونُ "لات" إلا مع "حين".
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: من العرب من يضيفُ "لاتَ" فيخفضُ بها، وذكَر أنه أُنْشِد:
* لاتَ ساعةِ مَندَمِ *
بخفضِ الساعةِ، قال: والكلام أن يُنصب بها؛ لأنها في معنى "ليس". وذكَر أنه أُنشِد:
تَذَكَّرَ حَبَّ ليلى لاتَ حينا … وأضحَى الشيبُ قد قطع القرينا
قال: وأنشدني بعضُهم:
طلبوا صُلْحَنا ولات أوان … فأجَبنا أن ليسَ حيَن بقاءِ
بخفضِ "أوان". قال: وتكونُ "لات" مع الأوقات كلِّها.
واختلَفوا في وجهِ الوقفِ على قولِهِ ﴿وَلَاتَ حِينَ﴾؛ فقال بعضُ أهلِ
العربية: الوقفُ عليه "ولاتْ" بالتاءِ، ثم يُبتدأُ: حينَ مناصٍ.
مع الأوقات كلِّها.
واختلَفوا في وجهِ الوقفِ على قولِهِ ﴿وَلَاتَ حِينَ﴾؛ فقال بعضُ أهلِ
العربية: الوقفُ عليه "ولاتْ" بالتاءِ، ثم يُبتدأُ: حينَ مناصٍ. قالوا: وإنما هي "لا" التي بمعنى "ما" و"إن" في الجحدِ، وُصِلَت بالتاءِ، كما وُصِلت "ثُمَّ" بها، فقيل: "ثُمَّت"، وكما وُصِلَت "ربَّ"، فقيل: "رُبَّت".
وقال آخرون منهم: بل هى هاءٌ زيدت في "لا"، فالوقفُ عليها "لاه"؛ لأنها هاءٌ زيدت للوقفِ، كما زيدَت في قولِهم:
العاطِفُونَةَ حِينَ ما مِنْ عاطِفٍ … والمُطْعِمُونَةَ حِينَ أَيْنَ المُطعِمُ
فإذا وُصِلت صارت تاءً.
وقال بعضُهم: الوقفُ على "لا"، والابتداءُ بعدَها "تحينَ"، وزعَم أن حكمَ التاءِ أن تكونَ في ابتداءِ "حينَ"، و"أوانَ"، و"الآنَ"؛ ويَسْتَشْهِدُ لقيلِه ذلك بقولِ الشاعرِ:
نَوِّلِي قبل يومِ سَبي جمانا … وصِلينا كما زَعَمْتِ تَلانا
وأنَّه ليس هاهنا "لا"، فيُوصَلَ بها هاءٌ أو تاءٌ.
ويَسْتَشْهِدُ لقيلِه ذلك بقولِ الشاعرِ:
نَوِّلِي قبل يومِ سَبي جمانا … وصِلينا كما زَعَمْتِ تَلانا
وأنَّه ليس هاهنا "لا"، فيُوصَلَ بها هاءٌ أو تاءٌ. ويقولُ: إن قوله: ﴿وَلَاتَ حِينَ﴾، إنما هي ليس "حينَ"، ولم توجد "لاتَ" في شيءٍ مِن الكلام.
والصواب من القولِ في ذلك عندَنا، أن "لا" حرفُ جحدٍ كـ "ما" وإن وُصلت بهاءٍ تصيرُ في الوصلِ تاءً، كما فعلتِ العربُ ذلك بالأدواتِ، ولم تستعملْ ذلك للعلةِ التى اعتلَّ بها القائلُ أنه لم يجدْ "لاتَ" في شيءٍ من كلامِ العربِ،
فيجوزَ توجيهُ قوله: ﴿وَلَاتَ حِينَ﴾ إلى ذلك؛ لأنها تستعملُ الكلمةَ في موضعٍ، ثم تستعمِلُها في موضعٍ آخر بخلافِ ذلك، وليس ذلك بأبعدَ في القياسِ من الصحةِ من قولِهم: رأيتُ. بالهمز، ثم قالوا: فأنا أراه. بتركِ الهمزِ؛ لما جرَى به استعمالُهم، وما أشبَه ذلك من الحروف التى تأتى في موضع على صورةٍ، ثم تأتى بخلافِ ذلك في موضعٍ آخر؛ للجارى من استعمال العرب ذلك بينَها. وأما ما استشهَد به من قول الشاعرِ: "كما زعَمْتِ تَلانا".
تأتى في موضع على صورةٍ، ثم تأتى بخلافِ ذلك في موضعٍ آخر؛ للجارى من استعمال العرب ذلك بينَها. وأما ما استشهَد به من قول الشاعرِ: "كما زعَمْتِ تَلانا". فإن ذلك منه غلطٌ في تأويلِ الكلمِة، وإنما أراد الشاعرُ بقولِه: "وصِلينا كما زعَمْتِ تَلانا": وصلينا كما زعَمتِ أنتِ الآن، فأسقَط الهمزةَ من "أنتِ"، فَلَقِيتِ التاءُ من "زعمتِ" النونَ من "أنت"، وهى ساكنةٌ، فسقطَت من اللفظِ، وبقيَتِ التاءُ من "أنت"، ثم حذفت الهمزة من من "الآنَ"، فصارت الكلمة في اللفظ كهيئةِ" تلانَ"، والتاء الثانية على الحقيقةِ منفصلةٌ من "الآنَ"؛ لأنها تاءُ "أنتِ"، وأما زعمُه أنه رأَى في المصحفِ الذي يقالُ له: "الإمامُ". التاء متصلةً بـ ﴿حِينَ﴾، فإن الذي جاءت به مصاحفُ المسلمين في أمصارِها، هو الحجةُ على أهلِ الإسلامِ، والتاءُ في جميعها منفصلةٌ عن ﴿حِينَ﴾؛ فلذلك اختَرنا أن يكونَ الوقفُ على الهاءِ في قولِه: ﴿وَلَاتَ حِينَ﴾.
﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾
أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة "البقرة" بما أغنى عن إعادته هاهنا.
وقوله: (وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ) أي: والقرآن المشتمل على ما فيه ذكر للعباد ونفع لهم في المعاش والمعاد.
قال الضحاك في قوله: (ذِي الذِّكْرِ) كقوله: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: ١٠] أي: تذكيركم. وكذا قال قتادة واختاره ابن جرير.
وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير وإسماعيل بن أبي خالد، وابن عيينة وأبو حصين وأبو صالح والسدي (ذِي الذِّكْرِ) ذي الشرف أي: ذي الشأن والمكانة.
ولا منافاة بين القولين، فإنه كتاب شريف مشتمل على التذكير والإعذار والإنذار.
واختلفوا في جواب هذا القسم فقال بعضهم: هو قوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ [ص: ١٤].
ريف مشتمل على التذكير والإعذار والإنذار.
واختلفوا في جواب هذا القسم فقال بعضهم: هو قوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ [ص: ١٤]. وقيل قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ﴾ [ص: ٦٤] حكاهما ابن جرير وهذا الثاني فيه بعد كبير، وضعفه ابن جرير.
وقال قتادة: جوابه: (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ) واختاره ابن جرير.
وقيل: جوابه ما تضمنه سياق السورة بكمالها، والله أعلم.
ثم حكى ابن جرير عن بعض أهل العلم أنه قال: جوابه "ص" بمعنى: صدق حق والقرآن ذي الذكر.
وقوله: (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ) أي: إن في هذا القرآن لذكراً لمن يتذكر، وعبرة لمن يعتبر.
به "ص" بمعنى: صدق حق والقرآن ذي الذكر.
وقوله: (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ) أي: إن في هذا القرآن لذكراً لمن يتذكر، وعبرة لمن يعتبر. وإنما لم ينتفع به الكافرون لأنهم (فِي عِزَّةٍ) أي: استكبار عنه وحمية (وَشِقَاقٍ) أي: مخالفة له ومعاندة ومفارقة.
ثم خوفهم ما أهلك به الأمم المكذبة قبلهم بسبب مخالفتهم للرسل وتكذيبهم الكتب المنزلة من
السماء فقال: (كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ) أي: من أمة مكذبة، (فَنَادَوْا) أي: حين جاءهم العذاب استغاثوا وجأروا إلى الله. وليس ذلك بمجد عنهم شيئا.
(كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ) أي: من أمة مكذبة، (فَنَادَوْا) أي: حين جاءهم العذاب استغاثوا وجأروا إلى الله. وليس ذلك بمجد عنهم شيئا. كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ [الأنبياء: ١٢] أي: يهربون، ﴿لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٣]
قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن التميمي قال: سألت ابن عباس عن قول الله: (فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ) قال: ليس بحين نداء، ولا نزو ولا فرار
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: ليس بحين مغاث.
وقال شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس: نادوا النداء حين لا ينفعهم وأنشد:
تَذَكَّر ليلى لاتَ حين تذَكّر
.
وقال محمد بن كعب في قوله: (فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ) يقول: نادوا بالتوحيد حين تولت الدنيا عنهم، واستناصوا للتوبة حين تولت الدنيا عنهم.
وقال قتادة: لما رأوا العذاب أرادوا التوبة في غير حين النداء.
َنَاصٍ) يقول: نادوا بالتوحيد حين تولت الدنيا عنهم، واستناصوا للتوبة حين تولت الدنيا عنهم.
وقال قتادة: لما رأوا العذاب أرادوا التوبة في غير حين النداء.
وقال مجاهد: (فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ) ليس بحين فرار ولا إجابة.
وقد روي نحو هذا عن عكرمة، وسعيد بن جبير وأبي مالك والضحاك وزيد بن أسلم والحسن وقتادة.
وعن مالك، عن زيد بن أسلم: (وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ) ولا نداء في غير حين النداء.
وهذه الكلمة وهي "لات" هي "لا" التي للنفي، زيدت معها "التاء" كما تزاد في "ثم" فيقولون: "ثمت"، و "رب" فيقولون: "ربت". وهي مفصولة والوقف عليها. ومنهم من حكى عن المصحف الإمام فيما ذكره [ابن جرير] أنها متصلة بحين: "ولا تحين مناص". والمشهور الأول. ثم قرأ الجمهور بنصب "حين" تقديره: وليس الحين حين مناص.
من حكى عن المصحف الإمام فيما ذكره [ابن جرير] أنها متصلة بحين: "ولا تحين مناص". والمشهور الأول. ثم قرأ الجمهور بنصب "حين" تقديره: وليس الحين حين مناص. ومنهم من جوز النصب بها، وأنشد:
تَذَكَّر حُب ليلى لاتَ حينا … وأَضْحَى الشَّيْبُ قد قَطَع القَرينا
ومنهم من جوز الجر بها، وأنشد:
طَلَبُوا صُلْحَنَا ولاتَ أوانٍ … فأجَبْنَا أن ليس حينُ بقاءِ
وأنشد بعضهم أيضا:
ولاتَ سَاعةَ مَنْدَم
بخفض الساعة، وأهل اللغة يقولون: النوص: التأخر، والبوص: التقدم. ولهذا قال تعالى: (وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ) أي: ليس الحين حين فرار ولا ذهاب.
قوله تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾.
(كم) هنا هي الخبرية، ومعناها الإخبار عن عدد كثير، وهي في محل نصب، على أنها مفعول به لأهلكنا، وصيغة الجمع في أهلكنا للتعظيم، ومن في قوله: (من قرن)، مميزة لِـ (كم)، والقرن يطلق على الأمة وعلى بعض من الزمن، وأشهر الأقوال فيه أنه مائة سنة، والمعنى: أهلكنا كثيرًا من الأمم السالفة من أجل الكفر وتكذيب الرسل، فعليكم أن تحذروا يا كفار مكة من تكذيب نبينا محمد ﷺ والكفر بما جاء به، لئلا نهلككم بسبب ذلك، كما أهلكنا به القرون الكثيرة الماضية.
وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة ثلاث مسائل:
الأولى: أنه أهلك كثيرًا من القرون الماضية، يهدد كفار مكة بذلك.
الثانية: أنهم نادوا، أي عند معاينة أوائل الهلاك.
الثالثة: أن ذلك الوقت الذي هو وقت معاينة العذاب ليس وقت نداء، أي فهو وقت لا ملجأ فيه ولا مفر من الهلاك بعد معاينته.
وقد ذكر جل وعلا هذه المسائل الثلاث المذكورة هنا موضحة في آيات كثيرة من كتابه.
عذاب ليس وقت نداء، أي فهو وقت لا ملجأ فيه ولا مفر من الهلاك بعد معاينته.
وقد ذكر جل وعلا هذه المسائل الثلاث المذكورة هنا موضحة في آيات كثيرة من كتابه.
أما المسألة الأولى، وهي كونه أهلك كثيرًا من الأمم، فقد ذكرها في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ الآية، وقوله تعالى ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ الآية.
أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ الآية. والآيات بمثل ذلك كثيرة.
وقد ذكر جل وعلا في آيات كثيرة أن سبب إهلاك تلك الأمم الكفر باللَّه وتكذيب رسله، كقوله في هذه الآية الأخيرة مبينًا سبب إهلاك تلك الأمم التي صرح بأنها ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)﴾، وقد قدمنا في الكلام على هذه الآية من سورة إبراهيم، أقوال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾، وبينا دلالة القرآن على بعضها، وكقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨)
تْبِيرًا (٣٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤)﴾. والآيات بمثل ذلك كثيرة.
وقد بين تعالى أن المراد بذكر إهلاك الأمم الماضية بسبب الكفر وتكذيب الرسل تهديد كفار مكة، وتخويفهم من أن ينزل بهم مثل ما أنزل بأولئك إن تمادوا على الكفر وتكذيبه ﷺ .
ذكر تعالى ذلك في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾، لأن قوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾ تهديد عظيم بذلك.
لَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾.
وهذا النوع الأخير هو الأنسب والأليق بالمقام، لدلالة قوله: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾ عليه.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾ الذي هو المسألة الثالثة، معناه: ليس الحين الذي نادوا فيه، وهو وقت معاينة العذاب، ﴿حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾، أي ليس حين فرار ولا ملجأ من ذلك العذاب الذي عاينوه.
فقوله: ﴿وَلَاتَ﴾ هي لا النافية زيدت بعدها تاء التأنيث اللفظية، كما زيدت في ثم، فقيل فيها ثمت، وفي رُبَّ، فقيل فيها ربت.
وأشهر أقوال النحويين فيها، أنها تعمل عمل ليس، وأنها لا تعمل إلا في الحين خاصة، أو في لفظ الحين ونحوه من الأزمنة،
كالساعة والأوان، وأنها لا بد أن يحذف اسمها أو خبرها، والأكثر حذف المرفوع منهما وإثبات المنصوب، وربما عكس، وهذا قول سيبويه، وأشار إليه ابن مالك في الخلاصة بقوله:
في النكرات أعملت كليس "لا" ... وقد تلي "لات" و"إن" ذا العملا
وما للات في سوى حين عمل ...
عكس، وهذا قول سيبويه، وأشار إليه ابن مالك في الخلاصة بقوله:
في النكرات أعملت كليس "لا" ... وقد تلي "لات" و"إن" ذا العملا
وما للات في سوى حين عمل ... وحذف ذي الرفع فشا والعكس قل
والمناص مفعل من النوص، والعرب تقول: ناصه ينوصه إذا فاته وعجز عن إدراكه، ويطلق المناص على التأخر؛ لأن من تأخر ومال إلى ملجإ ينقذه مما كان يخافه فقد وجد المناص.
والمناص والملجأ والمفر والموئل معناها واحد، والعرب تقول: استناص إذا طلب المناص، أي السلامة والمفر مما يخافه، ومنه قول حارثة بن بدر:
غمر الجراء إذا قصرت عنانه ...
لجأ والمفر والموئل معناها واحد، والعرب تقول: استناص إذا طلب المناص، أي السلامة والمفر مما يخافه، ومنه قول حارثة بن بدر:
غمر الجراء إذا قصرت عنانه ... بيدي استناص ورام جري المسحل
والأظهر أن إطلاق النوص على الفوت والتقدم، وإطلاقه على التأخر والروغان كلاهما راجع إلى شيء واحد؛ لأن المناص مصدر ميمي معناه المنطبق على جزئياته: أن يكون صاحبه في كرب وضيق، فيعمل عملًا يكون به خلاصه ونجاته من ذلك.
فتارة يكون ذلك العمل بالجري والإِسراع أمام من يريده بالسوء، وتارة يكون بالتأخر والروغان حتى ينجو من ذلك.
والعرب تطلق النوص على التأخر، والبوص - بالباء الموحدة التحتية - على التقدم، ومنه قول امرئ القيس:
أمن ذكر سلمى إذ نأتك تنوص ...
روغان حتى ينجو من ذلك.
والعرب تطلق النوص على التأخر، والبوص - بالباء الموحدة التحتية - على التقدم، ومنه قول امرئ القيس:
أمن ذكر سلمى إذ نأتك تنوص ... فتقصر عنها خطوة وتبوص
وأصوب الأقوال في لات أن التاء منفصلة عن حين، وأنها
تعمل عمل ليس، خلافًا لمن قال: إنها تعمل عمل إن، ولمن قال: إن التاء متصلة بحين، وأنه رآها في الإمام وهو مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ متصلة بها.
وعلى قول الجمهور، منهم القراء السبعة: أن التاء ليست موصولة بحين؛ فالوقف على لات بالتاء عند جميعهم، إلا الكسائي فإنه يقف عليها بالهاء.
أما قراءة كسر التاء وضمها فكلتاهما شاذة لا تجوز القراءة بها، وكذلك قراءة كسر النون من حين، فهي شاذة لا تجوز، مع أن تخريج المعنى عليها مشكل.
وتعسف له الزمخشري وجهًا لا يخفى سقوطه، ورده عليه أبو حيان في البحر المحيط، واختار أبو حيان أن تخريج قراءة الكسر أن حين مجرورة بمن محذوفة.
عليها مشكل.
وتعسف له الزمخشري وجهًا لا يخفى سقوطه، ورده عليه أبو حيان في البحر المحيط، واختار أبو حيان أن تخريج قراءة الكسر أن حين مجرورة بمن محذوفة.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَنَادَوْا﴾، أصل النداء: رفع الصوت، والعرب تقول: فلان أندى صوتًا من فلان، أي أرفع، ومنه قوله:
فقلت ادعي وأدعو إن أندى ... لصوت أن ينادي داعيان
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الأمم الماضية المهلكة ينادون عند معاينة العذاب، وأن ذلك الوقت ليس وقت نداء إذ لا ملجأ فيه ولا مفر ولا مناص، ذكره في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ
ولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١)﴾ والوزر: الملجأ، ومنه قوله حسان بن ثابت ﵁:
والناس إلب علينا فيك ليس لنا ... إلا الرماح وأطراف القنا وزر
وكقوله تعالى: ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨)﴾، والموئل اسم مكان من وأل يئل، إذا وجد ملجأ يعتصم به، ومنه قوله الأعشى ميمون بن قيس:
وقد أخالس رب البيت غفلته ... وقد يحاذر مني ثم ما يئل
أي ثم ما ينجو.
•