القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فخرج موسى من مدينة فرعون خائفًا من قتله النفس أن يُقْتَلَ به، ﴿يَتَرَقَّبُ﴾. يقولُ: ينتظرُ الطلب أن يُدرِكَه فيأخُذَه.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾: خائفًا من قتله النفس، يترقَّبُ الطلب، قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ﴾.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾.
ي مِنَ الْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ﴾.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾. قال: خائفًا من قتل النفس، يترقَّبُ أن يأخذه الطَّلَبُ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: ذُكر لى أنه خرج على وجْهه خائفًا يترقَّبُ، ما يَدْرى أيَّ وَجْه يسلُكُ، وهو يقولُ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾. قال: يترقَّبُ الطَّلَب مخافةً.
وقولُه: ﴿قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال موسى وهو شاخصٌ عن مدينة فرعونَ خائفًا: ربِّ نَجِّنى من هؤلاء القوم الكافرين الذين ظلموا أنفُسَهم بكفرهم بك.
وقولُه: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾.
و شاخصٌ عن مدينة فرعونَ خائفًا: ربِّ نَجِّنى من هؤلاء القوم الكافرين الذين ظلموا أنفُسَهم بكفرهم بك.
وقولُه: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولما جعل موسى وجْهَه نحو مدين ماضيًا إليها، شاخصًا عن مدينة فرعونَ، وخارجًا عن سلطانه، ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
وعنى بقوله: ﴿تِلْقَاءَ﴾: نحو مدين. ويُقالُ: فعَل ذلك من تلقاء نفسه. يعني به: من قبل نفسه. ويُقالُ: دارُه تلقاء دارِ فلانٍ. إذا كانت مُحاذيتها.
ولم يُصرَف اسمُ مدينَ؛ لأنها اسمُ بلدة معروفةٍ، كذلك تفعلُ العربُ بأسماءِ البلاد المعروفة ومنه قول الشاعر:
رُهْبَانُ مَدْيَنَ لَوْ رَأَوْكِ تَنزَّلُوا … والعُصْمُ مِنْ شَعَفِ العَقولِ الفَادِرِ
وقولُه: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. يقولُ: عسى ربِّي أن يبيِّنَ لي قَصْدَ السبيل إلى مدين. وإنما قال ذلك لأنه لم يكن يعرفُ الطريق إليها.
وذُكر أن الله قيَّض له إذ قال: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
ي قَصْدَ السبيل إلى مدين. وإنما قال ذلك لأنه لم يكن يعرفُ الطريق إليها.
وذُكر أن الله قيَّض له إذ قال: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. مَلَكًا سَدَّده الطريق وعرَّفه إيَّاه.
ذكرُ الرواية بذلك
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: لما أخذ موسى في بُنَيَّاتِ الطريقِ، جاءه مَلَكٌ على فرسٍ، بيدِه عَنَزَةٌ، فلمَّا رآه موسى سجد له من الفَرَقِ، قال: لا تَسْجُدْ لى، ولكن اتبعنى. فاتَّبَعَه، فهداه نحو مدين، وقال موسى وهو مُتَوجِّهٌ نحو مدينَ: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
قال: لا تَسْجُدْ لى، ولكن اتبعنى. فاتَّبَعَه، فهداه نحو مدين، وقال موسى وهو مُتَوجِّهٌ نحو مدينَ: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. فانطلق به حتى انتهى به إلى مَدينَ.
حدَّثني العباسُ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: أخبرنا الأصبغُ بنُ زيدٍ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثنا سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: خرَج موسى مُتَوجِّهًا نحو مدينَ، وليس له علمٌ بالطريق إلا حُسن ظنِّه بربِّه، فإنه قال: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: ذُكِر لى أنه خرج وهو يقولُ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.
سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق، قال: ذُكِر لى أنه خرج وهو يقولُ: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾. فَهَيَّأ الله الطريق إلى مدين، فخرج من مصرَ بلا زادٍ ولا حذاءٍ، ولا ظَهْرٍ ولا درهمٍ ولا رغيفٍ، خائفًا يترقَّبُ، حتى وقع إلى أُمَّةٍ من الناسِ يَسْقُون بمدينَ.
حدَّثنا أبو عمارٍ الحسينُ بن حريثٍ المروزيُّ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرٍو، عن سعيد بن جُبَيرٍ، قال: خرَج موسى من مصر إلى مَدْينَ، وبينَها وبينَها مسيرةُ ثمانٍ. قال: وكان يقالُ: نحوٌ من الكوفة إلى البصرة، ولم يَكُنْ له طعامٌ إلا وَرَقُ الشَّجرِ، وخرَج حافيًا، فما وصَل إليها حتى وقَع خُفُّ قدَمِهِ.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عَثَّامٌ، قال: ثنا الأعمش، عن المِنْهال، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: لمَّا خرَج موسى من مصرَ إلى مدينَ، وبينه وبينَها ثمانِ ليالٍ، كان يقالُ: نحوٌ من البصرة إلى الكوفة.
الأعمش، عن المِنْهال، عن سعيد، عن ابن عباس، قال: لمَّا خرَج موسى من مصرَ إلى مدينَ، وبينه وبينَها ثمانِ ليالٍ، كان يقالُ: نحوٌ من البصرة إلى الكوفة. ثم ذكر نحوه.
ومدينُ كان بها يومئذٍ قومُ شعيبٍ ﵇.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادة قولَه: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾: ومدين: ماءً كان عليه قومُ شعيبٍ، ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي
سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
وأما قوله: ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله نحو قولنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
رٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. قال: الطريقَ إلى مدينَ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثله.
قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. قال: قَصْدَ السَّبيل.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ راشدٍ، عن الحسنِ: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. قال: الطريقَ المستقيمَ.
القولُ تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولما ورد موسى ماءَ مدينَ ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً﴾.
الَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولما ورد موسى ماءَ مدينَ ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً﴾. يعنى: جماعةً، ﴿مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ نَعَمَهم ومواشِيَهم.
وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا [موسى، قال: ثنا] عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾. يقولُ: كثرةً مِن الناسِ يَسْقُون.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أُمَّةً مِنَ النَّاسِ﴾.
ل: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿أُمَّةً مِنَ النَّاسِ﴾. قال: أُناسًا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: وقَع إلى أُمَّةٍ من
الناسِ يَسْقُون بمدينَ، أَهلِ نَعَمِ وشاءٍ.
حدَّثنا عليُّ بنُ موسى وابنُ بشَّارٍ، قالا: ثنا أبو داودَ، قال: أخبَرنا عمرانُ القَطَّانُ، قال: ثنا أبو حمزة، عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾.
قال عليُّ بنُ موسى: قال: مثلُ [ماءِ جَوْبِكُم] هذا. يعنى المُحدثة. وقال ابن بشارٍ: مثلُ مُحدَثتِكم هذه. يعنى: جَوْبِكم هذا.
وقولُه: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾. يقولُ: ووجد من دونِ الأُمَّةِ الناسِ الذين هم على الماء، امرأتين تذودان. يعني بقوله: ﴿تَذُودَانِ﴾: تحبِسان غَنمَهما، يقالُ منه: ذاد فلانٌ غَنمَه وماشيتَه.
: ووجد من دونِ الأُمَّةِ الناسِ الذين هم على الماء، امرأتين تذودان. يعني بقوله: ﴿تَذُودَانِ﴾: تحبِسان غَنمَهما، يقالُ منه: ذاد فلانٌ غَنمَه وماشيتَه. إذا أراد شيءٌ من ذلك يَشِذُّ ويذهَبُ، فردَّه ومنَعه، يذودُها ذَوْدًا. وقال بعضُ أهل العربية من الكوفيِّين: لا يجوزُ أن يُقالَ: ذدتُ الرجلَ. بمعنى: حبستُه، إنما يُقال ذلك للغنم والإبل. وقد رُوى عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إنى لبِعُقْرِ حَوْضِى أذُودُ النَّاسَ عَنْهُ بعصاى". فقد جعل الذَّودَ ﷺ في الناسِ. ومنَ الذَّودِ قولُ سُوَيدِ بن كُراعٍ:
أَبيتُ عَلى بَابِ القَوَافِي كَأَنَّمَا … أذُودُ بِها سِرْبًا مِنَ الوَحْشِ نُزَّعا
وقول الآخر:
وَقَدْ سَلَبَتْ عَصَاكَ بَنُو تَمِيمٍ … فَمَا تَدْرِي بأَيِّ عَصًا تَذُودُ
وبنحو الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿تَذُودَانِ﴾.
الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿تَذُودَانِ﴾. يقولُ: تَحْبِسانِ.
حدَّثني العباسُ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبرنا الأصبعُ، قال: ثنا القاسمُ، قال: ثني سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾: يعنى بذلك أنهما حابِسَتان.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمن، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي الهيثم، عن سعيد بن جُبَيرٍ في قوله: ﴿امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾. قال: حَابِسَتَين.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾.
َتَيْنِ تَذُودَانِ﴾. قال: حَابِسَتَين.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾. يقولُ: تَحبِسَانَ غَنمَهما.
واختلَف أهلُ التأويل في الذي كانت عنه تذودُ هاتان المرأتان؛ فقال بعضُهم: كانتا تذودان غَنَمَهما عن الماءِ حتى يَصْدُرَ عنه مواشى الناس، ثم تسْقيان
ماشيتهما لضَعْفِهما.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا حُصينٌ، عن أبى مالكٍ قولَه: ﴿امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾. قال: تَحبِسانَ غَنمَهما عن الناسِ، حتى يَفْرُغوا وتَخْلُو لهما البئرُ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ﴾.
انَ غَنمَهما عن الناسِ، حتى يَفْرُغوا وتَخْلُو لهما البئرُ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاق: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ﴾. يعني: من دونِ القومِ، ﴿تَذُودَانِ﴾ غَنمَهما عن الماء، وهو ماءُ مدينَ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: تذودان الناسَ عن غَنمِهما.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾. قال: [وهى في بعض القراءةِ: (ووجد من دونهم امرأتين حابستين تذودان]. أي: حابِسَتَين شاءَهما، تذودان الناس عن شائِهما.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن
أصحابه: ﴿تَذُودَانِ﴾.
ن تذودان]. أي: حابِسَتَين شاءَهما، تذودان الناس عن شائِهما.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيان، عن معمرٍ، عن
أصحابه: ﴿تَذُودَانِ﴾. قال: تذودانِ الناس عن غنمِهما.
وأولى التأويلين في ذلك بالصواب قولُ مَن قال: معناه: تَحبِسان غَنمَهما عن الناس حتى يَفْرُغُوا مِن سَقْي مواشيهم.
وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب؛ لدّلالة قوله: ﴿مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ له على أن ذلك كذلك، وذلك أنَّهما إنَّما شكنا أنهما لا تشقيان حتى يُصْدِرَ الرعاءُ؛ إذ سألَهما موسى عن ذَوْدِهما غنمهما، ولو كانتا تذودان عن غَنَمِهما الناسَ، كان لا شَكَّ أنهما كانتا تُخبران عن سبب ذَوْدِهما عنها الناس، لا عن سبب تأخُّر سقيهما إلى أن يُصدر الرعاءُ.
وقوله: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا﴾. يقول تعالى ذكرُه: قال موسى للمرأتين: ما شأنُكما وأمْرُكما، تذودان ماشيتكما عن الناسِ؟ هلّا تَسْقُونها مع مواشى الناسِ؟ والعرب تقول للرجل: ما خَطْبُك؟ بمعنى: ما أمْرُك وحالك؟
سى للمرأتين: ما شأنُكما وأمْرُكما، تذودان ماشيتكما عن الناسِ؟ هلّا تَسْقُونها مع مواشى الناسِ؟ والعرب تقول للرجل: ما خَطْبُك؟ بمعنى: ما أمْرُك وحالك؟ كما قال الراجز:
يا عَجَبًا ما خَطْبُه وخَطْبي
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا العباسُ، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغُ، قال: أخبرنا القاسمُ، قال: ثني سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: قال لهما: ما خَطْبُكما مُعْتَزِلَتين لا
تسْقيان مع الناس؟
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: وجد لهما رحمةً، ودَخَلْته فيهما خشيةٌ؛ لما رأى من ضعفهما وغلبة الناس على الماء دونَهما، فقال لهما: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾؟ أي: ما شأنُكما؟
وقوله: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾.
رأى من ضعفهما وغلبة الناس على الماء دونَهما، فقال لهما: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾؟ أي: ما شأنُكما؟
وقوله: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾. يقول جلّ ثناؤه: قالت المرأتان لموسى: لا نَسْقى ماشيتنا حتى يُصْدِرَ الرعاء مواشيهم؛ لأنَّا لا نُطيقُ أن نسْقى، وإنما نَسْقى مواشينا ما أفْضَلَتْ مواشى الرِّعاءِ في الحوضِ.
والرِّعاءُ، جمعُ راعٍ، والراعى جَمْعُه رِعاءٌ، ورعاةٌ، ورُعْيَانٌ.
وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني العباس، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغُ، قال: ثنا القاسم. قال: ثني سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباس، قال: لما قال موسى للمرأتين: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾؟ قالتا: ﴿لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾. أي: لا نستطيعُ أن نَسْقى حتى يَسقى الناسُ، ثم نَتَتَبَّعُ فَضلاتهم.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قوله: ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾.
نَسْقى حتى يَسقى الناسُ، ثم نَتَتَبَّعُ فَضلاتهم.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ قوله: ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾. قال: تنتظران تسقيان مِن فُضُولِ ما في الحياضِ؛ حياضِ الرعاء.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾: امرأتان لا نستطيع أن نزاحم الرجال، ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ لا يقدر أن يَمَسَّ ذلك من نفسه، ولا يَسْقِيَ ماشيته، فنحن ننتظر الناسَ، حتى إذا فَرَغوا أَسْقَيْنا ثم انْصَرَفْنا.
واختلفت القرأةُ في قراءة قوله: ﴿حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾؛ فقرأ ذلك عامة قرأةِ الحجاز سوى أبى جعفر القارئ، وعامةُ قرأة العراقِ سوى أبي عمرو: ﴿يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾. بضمِّ الياء. وقرأ ذلك أبو جعفر وأبو عمرٍو بفتح الياء، من: صدر الرعاءُ عن الحوض. وأما الآخرون فإنَّهم ضَمُّوا الياءَ، بمعنى: أَصْدَرَ الرعاءُ مواشيهم.
بضمِّ الياء. وقرأ ذلك أبو جعفر وأبو عمرٍو بفتح الياء، من: صدر الرعاءُ عن الحوض. وأما الآخرون فإنَّهم ضَمُّوا الياءَ، بمعنى: أَصْدَرَ الرعاءُ مواشيهم. وهما عندى قراءتان متقاربتا المعنى، قد قرأ بكلِّ واحدة منهما علماء من القرأة، فبأيَّتِهما قرأ القارئُ فمصيبٌ.
وقوله: ﴿وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾. يقولان: لا يستطيعُ من الكِبَرِ والضَّعْفِ أن يسْقى ماشيته.
وقولُه: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾. ذُكِر أنَّه ﵇ فتح لهما عن رأس بئرٍ، كان عليه حَجَرٌ لا يُطيقُ رفعه إلا جماعةٌ من الناسِ، ثم اسْتَقى، فسقى لهما ماشيتَهما منه.
ذكرُ من قال ذلك
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى،، وحدَّثني
الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: فتَح لهما عن بئرٍ، حَجَرًا عَلَى فيها، فسَقَى لهما منها.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، [عن مجاهدٍ] بنحوه، وزاد فيه: قال ابن جريج: حَجَرًا كان لا يُطيقُه إِلا عَشَرةُ رَهْطٍ.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، [عن مجاهدٍ] بنحوه، وزاد فيه: قال ابن جريج: حَجَرًا كان لا يُطيقُه إِلا عَشَرةُ رَهْطٍ.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو معاوية، عن الحجاج، عن الحكم، عن شريح، قال: انتهى إلى حَجَرٍ لا يرفعه إلا عَشَرةُ رجال، فرفعه وَحْدَهُ.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: رحمهما موسى حين قالتا: ﴿لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾.
نا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: رحمهما موسى حين قالتا: ﴿لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾. فأتى إلى البئرِ فاقْتَلَع صخرةً على البئرِ كان النفرُ مِن أهلِ مَدْيَنَ يجتمعون عليها حتى يَرْفَعوها، فسقَى لهما موسى دَلْوًا، فَأَرْوَتا غَنمهما، فرجعتا سريعًا، وكانتا إنما تسْقيان من فُضُولِ الحياضِ.
حدَّثني العباس، قال: أخبرنا يزيد، قال: أخبرنا الأصبغُ، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، عن ابن عباس: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾: فجعَل يغرِفُ في الدَّلو ماءً كثيرًا، حتى كانتا أوّلَ الرعاءِ رِيًّا، فانصرفتا إلى
أبيهما بغنمهما.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: تَصَدَّق عليهما نبيُّ الله ﷺ، فسقَى لهما، فلم يَلبَثْ أَن أَرْوَى غَنمهما.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: أَخَذ دَلْوَهما موسى، ثم تقدَّم إلى السِّقاءِ بفضل قوَّتِه، فزاحَم القومَ على الماء، حتى أخَّرهم عنه، ثم سقى لهما.
َوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ) أي: أخذ طريقًا سالكًا مَهْيَعا فرح بذلك، (قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ) أي: إلى الطريق الأقوم. ففعل الله به ذلك، وهداه إلى الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة، فجعله هاديًا مهديًّا.
(وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ) أي: ولما وصل إلى مدين وورد ماءها، وكان لها بئر تَرده رعاء الشاء (وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ) أي: جماعة (يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ) أي: تكفكفان غنمهما أن ترد مع غنم أولئك الرعاء لئلا يُؤذَيا. فلما رآهما موسى، ﵇، رق لهما ورحمهما، (قَالَ مَا خَطْبُكُمَا) أي: ما خبركما لا تردان مع هؤلاء؟
تكفكفان غنمهما أن ترد مع غنم أولئك الرعاء لئلا يُؤذَيا. فلما رآهما موسى، ﵇، رق لهما ورحمهما، (قَالَ مَا خَطْبُكُمَا) أي: ما خبركما لا تردان مع هؤلاء؟ (قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ) أي: لا يحصل لنا سقي إلا بعد فراغ هؤلاء، (وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) أي: فهذا الحال الملجئ لنا إلى ما ترى.
قال الله تعالى: (فَسَقَى لَهُمَا) قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد الله، أنبأنا إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن عَمْرو
بن ميمون الأوْدي، عن عمر بن الخطاب، ﵁، أن موسى، ﵇، لما ورد ماء مدين، وجد عليه أمة من الناس يسقون، قال: فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر، ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين تذودان، قال: ما خطبكما؟ فحدثتاه، فأتى الحجر فرفعه، ثم لم يستق إلا ذنوبا واحدا حتى رويت الغنم.
ى البئر، ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال، فإذا هو بامرأتين تذودان، قال: ما خطبكما؟ فحدثتاه، فأتى الحجر فرفعه، ثم لم يستق إلا ذنوبا واحدا حتى رويت الغنم. إسناد صحيح.
وقوله: (ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) قال ابن عباس: سار موسى من مصر إلى مدين، ليس له طعام إلا البقل وورق الشجر، وكان حافيًا فما وصل مَدْيَن حتى سقطت نعل قدمه. وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه، وإن بطنه لاصق بظهره من الجوع، وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه وإنه لمحتاج إلى شق تمرة.
وقوله: (إِلَى الظِّلِّ) قال ابن عباس، وابن مسعود، والسدي: جلس تحت شجرة.
لاصق بظهره من الجوع، وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه وإنه لمحتاج إلى شق تمرة.
وقوله: (إِلَى الظِّلِّ) قال ابن عباس، وابن مسعود، والسدي: جلس تحت شجرة.
وقال ابن جرير: حدثني الحسين بن عمرو العَنْقَزِيّ، حدثنا أبي، حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبد الله -هو ابن مسعود -قال: حَثثتُ على جمل ليلتين، حتى صَبَّحت مدين، فسألت عن الشجرة التي أوى إليها موسى، فإذا شجرة خضراء ترف، فأهوى إليها جملي -وكان جائعا -فأخذها جملي فعالجها ساعة، ثم لفظها، فدعوت الله لموسى، ﵇، ثم انصرفت.
وفي رواية عن ابن مسعود: أنه ذهب إلى الشجرة التي كلم الله منها لموسى، كما سيأتي والله أعلم.
وقال السدي: كانت من شجر السَّمُر.
وقال عطاء بن السائب: لما قال موسى (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)، أسمعَ المرأة.