وقد كانوا في الدنيا يَتَناصَرون، فاضمَحَلَّت تلك النُّصْرة يومَئذٍ.
وقولُه: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وألزَمْنا فرعونَ وقومَه في هذه الدنيا خِزيًا وغضبًا منا عليهم، فحَتَّمْنا لهم فيها بالهلاكِ والبَوارِ والثناءِ السَّيِّيء، ونحن مُتْبِعُوهم لعنةً أخرى يومَ القيامةِ، فمُخْزُوهم بها الخزىَ الدائمَ، ومُهِينوهم بها الهوانَ اللازم.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: لُعِنوا في الدنيا والآخرةِ.
نا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. قال: لُعِنوا في الدنيا والآخرةِ. قال: هو كقولِه: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩].
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ قولَه: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾: لعنةً أُخرى، ثم استَقبَل فقال: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾.
وقولُه: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: هم مِن القومِ الذين قَبَّحهم اللهُ، فأهْلَكهم بكفرِهم بربِّهم، وتكذيبهم رسولَه موسى ﵇، فجعَلهم عبرةً للمُعْتبرين، وعِظَةً للمُتَّعظين.
ظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]، وذلك لأن فرعون بنى هذا الصرح الذي لم يُرَ في الدنيا بناء أعلى منه، إنما أراد بهذا أن يظهر لرعيته تكذيب موسى فيما زعمه من دعوى إله غير فرعون؛ ولهذا قال: (وَإِنِّي لأظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ) أي: في قوله إن ثَمّ ربًّا غيري، لا أنه كذبه في أن الله أرسله؛ لأنه لم يكن يعترف بوجود الصانع، فإنه قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] وقال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] وقال: (يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) وهذا قول ابن جرير.
(وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ) أي: فاجتمع عليهم خزي الدنيا موصولا بذل الآخرة، كما قال تعالى: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣]
وقوله: (وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً) أي: وشرع الله لعنتهم ولعنة مَلكهم فرعون على ألسنة المؤمنين من عباده المتبعين رسله، وكما أنهم في الدنيا ملعونون على ألسنة الأنبياء وأتباعهم كذلك، (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ). قال قتادة: وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩].
قوله تعالى: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾.
ما ذكره جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة من إتباعه اللعنة لفرعون وجنوده، بينه أيضًا في سورة هود بقوله فيهم: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)﴾.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾ قال الزمخشري: أي: من المطرودين المبعدين، ولا يخفى أن المقبوحين اسم مفعول قبحه إذا صيره قبيحًا. والعلم عند الله تعالى.
•