(Sungguh, telah ada tanda bagi kamu pada dua golongan yang berhadap-hadapan.113) Satu golongan berperang di jalan Allah dan yang lain (golongan) kafir yang melihat dengan mata kepala, bahwa mereka (golongan muslim) dua kali lipat mereka. Allah menguatkan dengan pertolongan-Nya siapa saja yang Dia kehendaki. Sungguh, pada yang demikian itu terdapat pelajaran bagi orang-orang yang mempunyai penglihatan (mata hati)
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
قال أبو جعفرٍ: قد أتيْنَا على البيانِ عن معنى قولِه: ﴿الم﴾. فيما مضَى، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ،
وكذلك البيانِ عن قولِه: ﴿اللَّهُ﴾.
وأما معنى قولِه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. فإنه خبرٌ من اللهِ ﷿ أخبَر عبادَه أن الألوهةَ خاصَّةٌ به دونَ ما سواه من الآلهةِ والأندادِ، وأن العبادةَ لا تصلُحُ ولا تجوزُ إلا له، لانفرادِه بالربوبيةِ وتَوَحُّدِه بالأُلوهيَّةِ، وأن كلَّ ما دونَه فمِلْكُه، وأن كلَّ ما سواه فخَلْقُه، لا شريكَ له في سلطانِه ومِلْكِه؛ احتجاجًا منه تعالى ذكرُه عليهم، بأن ذلك إذْ كان كذلك، فغيرُ جائزةٍ لهم عبادةُ غيرِه ولا إشراكُ أحدٍ معه في سلطانِه، إذ كان كلُّ معبودٍ سواه فمِلْكُه، وكلُّ مُعَظَّمٍ غيرِه فخَلْقُه؛ وعلى المملوكِ إفرادُ الطاعةِ لمالِكه، وصَرْفُ خدمتِه إلى مولاه ورازقِه، ومُعَرِّفًا مَن كان مِن خَلْقِه - يومَ أنزل ذلك إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ، بتنزيلِه ذلك إليه، وإرسالِه به إليهم على لسانِه، صلواتُ
خدمتِه إلى مولاه ورازقِه، ومُعَرِّفًا مَن كان مِن خَلْقِه - يومَ أنزل ذلك إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ، بتنزيلِه ذلك إليه، وإرسالِه به إليهم على لسانِه، صلواتُ اللهِ عليه وسلامُه - مُقيمًا على عبادةِ وَثَنٍ أو
صنمٍ، أو شمسٍ أو قمرٍ، أو إنسيٍّ أو مَلَكٍ، أو غيرِ ذلك من الأشياءِ التي كانت بنو آدمَ مُقِيمةً على [عبادتِها وإلاهتِها]، ومُتَّخذَه دونَ مالكِه وخالقِه إلهًا وربًّا أنه مُقِيمٌ على ضلالةٍ، ومنعزلٌ عن المَحَجَّةِ، وراكبٌ غيرَ السبيلِ المستقيمةِ، بصرفِه العبادةَ إلى غيرِه، ولا أحدَ له الألوهةُ غيرُه.
ِه إلهًا وربًّا أنه مُقِيمٌ على ضلالةٍ، ومنعزلٌ عن المَحَجَّةِ، وراكبٌ غيرَ السبيلِ المستقيمةِ، بصرفِه العبادةَ إلى غيرِه، ولا أحدَ له الألوهةُ غيرُه.
وقد ذُكِر أن هذه السورةَ ابتدأ اللهُ بتنزيلِ فاتحتِها، بالذي ابتدأ به مِن نفيِ الأُلُوهَةِ أن تكونَ لغيرِه، ووَصْفِه نفسَه بالذي وصفَها به في ابتدائِها؛ احتجاجًا منه بذلك على طائفةٍ من النَّصارَى قَدِمُوا على رسولِ الله ﷺ من نَجْرانَ فحاجُّوه في عيسى صلواتُ اللهِ عليه، وألْحَدُوا في اللهِ، فأنزل اللهُ ﷿ في أمرِهم وأمرِ عيسى من هذه السورةِ، نَيِّفًا وثلاثين آيةً من أوَّلِها؛ احتجاجًا عليهم وعلى من كان على مثلِ مقالتِهم لنبيِّه محمدٍ ﷺ، فأبَوْا إلا المُقامَ على ضلالتِهم وكفرِهم فدعاهم إلى المباهلةِ، فأبَوْا ذلك وسألُوا قَبولَ الجِزْيةِ منهم، فقَبِلها ﷺ منهم، وانصرَفُوا إلى بلادِهم.
، فأبَوْا إلا المُقامَ على ضلالتِهم وكفرِهم فدعاهم إلى المباهلةِ، فأبَوْا ذلك وسألُوا قَبولَ الجِزْيةِ منهم، فقَبِلها ﷺ منهم، وانصرَفُوا إلى بلادِهم. غيرَ أن الأمرَ وإن كان كذلك، وإيّاهم قصَد بالحِجاجِ، فإنَّ مَن كان معناه من سائرِ الخلقِ معناهم في الكفرِ باللهِ، واتخاذِ ما سوى اللهِ ربًّا وإلهًا معبودًا، معمومون بالحُجَّة التي حجَّ اللهُ ﵎ بها مَن نزَلتْ هذه الآياتُ فيه، ومحجوجون في الفُرقانِ الذي فَرَق به لرسولِه ﷺ بينَه وبينَهم.
ذكرُ الروايةِ عمن ذكرْنا قولَه في نزولِ افتتاحِ هذه السورةِ أنه نزَل في الذين وصَفْنا صِفَتَهم من النَّصَارَى
حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ
نزولِ افتتاحِ هذه السورةِ أنه نزَل في الذين وصَفْنا صِفَتَهم من النَّصَارَى
حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ
ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرٍ، قال: قَدِم على رسولِ اللهِ ﷺ وفدُ نَجْرانَ، ستون راكبًا، فيهم أربعةَ عشَرَ رجلًا من أشرافِهم، في الأربعةَ عشَرَ ثلاثةُ نَفَرٍ، إليهم يئولُ أمرُهم: العاقبُ؛ أميرُ القومِ وذو رأيِهم وصاحبُ مَشورتِهم، والذي لا يَصْدرُون إلا عن رأيِه، واسمُه عبدُ المسيحِ، والسيِّدُ؛ ثِمالُهم وصاحبُ رحلِهم ومُجْتَمَعِهم، واسمُه الأَيْهَمُ، وأبو حارثةَ بنُ علقمةَ؛ أحدُ بكرِ بن وائلٍ، [أسْقُفُّهم وحَبْرُهم] وإمامُهم وصاحبُ مِدْراسهم.
وكان أبو حارثةَ قد شَرُف فيهم، ودرَس كتبَهم، حتى حسُن علمُه في دينِهم، فكانت ملوكُ الرومِ من أهلِ النصرانيَّةِ قد شرَّفُوه وموَّلُوه وأخدَمُوه وبَنَوْا له الكنائسَ، وبسَطُوا عليه الكراماتِ؛ لما يَبْلُغُهم عنه من علمِه واجتهادِه في دينِهم.
ِ من أهلِ النصرانيَّةِ قد شرَّفُوه وموَّلُوه وأخدَمُوه وبَنَوْا له الكنائسَ، وبسَطُوا عليه الكراماتِ؛ لما يَبْلُغُهم عنه من علمِه واجتهادِه في دينِهم.
قال ابن إسحاق: قال محمدُ بنُ جعفرِ بن الزُّبيرِ: قَدِموا على رسولِ اللهِ ﷺ المدينةَ، فدخَلوا عليه مسجدَه حينَ صلَّى العصرَ، عليهم ثيابُ الحِبَراتِ جُبَبٌ وأرديةٌ، في [جمال رجالِ] بَلْحارثِ بن كعبٍ. قال: يقولُ بعضُ مَن رآهم من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يومئذٍ: ما رأيْنا بعدَهم وفدًا مثلَهم، وقد حانتْ صلاتُهم، فقاموا يُصَلُّون في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "دَعُوهم".
صحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يومئذٍ: ما رأيْنا بعدَهم وفدًا مثلَهم، وقد حانتْ صلاتُهم، فقاموا يُصَلُّون في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "دَعُوهم". فَصَلُّوا إلى المَشْرِقِ.
قال: وكانت تسميةُ الأربعةَ عشَرَ منهم الذين يَئُولُ إليهم أمرُهم: العاقبُ وهو عبدُ المسيحِ، والسيِّدُ وهو الأَيْهَمُ، وأبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ أخو بكرِ بن وائلٍ، وأوسٌ، والحارثُ، وزيدٌ، وقيسٌ، ويزيدُ، ونُبَيةٌ، وخويلدٌ، و عمرٌو، وخالدٌ، وعبدُ اللهِ، ويُحَنَّسُ، في ستين راكبًا، فكلَّم رسولَ اللهِ ﷺ منهم أبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ، والعاقبُ عبدُ المسيحِ، والأيْهَمُ السَّيِّدُ، وهم من النصرانيةِ على دينِ الملِكِ، مع اختلافِ من أمرِهم يقولون: هو اللهُ. ويقولون: هو ولدُ اللهِ. ويقولون: هو ثالثُ ثلاثةٍ. وكذلك قولُ النصرانيةِ، فهم يَحْتَجُّون في قولِهم: هو اللهُ.
مع اختلافِ من أمرِهم يقولون: هو اللهُ. ويقولون: هو ولدُ اللهِ. ويقولون: هو ثالثُ ثلاثةٍ. وكذلك قولُ النصرانيةِ، فهم يَحْتَجُّون في قولِهم: هو اللهُ. بأنه كان يُحيِى الموتى، ويُبْرِئُ الأسقامَ، ويُخْبِرُ بالغُيوبِ، ويَخلُقُ من الطينِ كهيئةِ الطيرِ ثم ينفُخُ فيه فيكونُ طائرًا، وذلك كلُّه بإذنِ اللهِ، ليجعلَه آيةً للناسِ. ويَحتجُّون في قولِهم: إنه ولدُ اللهِ. أنهم يقولون: لم يكنْ له أبٌ يُعْلَمُ، وقد تكلَّم في المهدِ، شيءٌ لم يَصْنَعْه أحدٌ من ولدِ آدمَ قبلَه. ويحتجُّون في قولِهم: إنه ثالثُ ثلاثةٍ. بقولِ اللهِ ﷿: فعلْنا وأمَرْنا، وخلَقْنا وقضَيْنا. فيقولون: لو كان واحدًا ما قال إلا: فعلتُ وأمَرْتُ وقضَيْتُ وخَلَقْتُ، ولكنّه هو، وعيسى، ومريمُ. ففي كلِّ ذلك من قولِهم قد نزَل القرآنُ، وذكَر اللهُ لنبيِّه ﷺ فيه قولَهم، فلمّا كلَّمه الحَبْرانِ، قال لهما رسولُ اللهِ ﷺ: "أسْلِما". قالا: قد أسلَمْنا. قال: "إنَّكما لم تُسْلِما، فأسْلِما". قالا: بلى، قد أسلَمْنا قبلَك.
م، فلمّا كلَّمه الحَبْرانِ، قال لهما رسولُ اللهِ ﷺ: "أسْلِما". قالا: قد أسلَمْنا. قال: "إنَّكما لم تُسْلِما، فأسْلِما". قالا: بلى، قد أسلَمْنا قبلَك. قال: "كَذَبْتُمَا، يَمْنَعُكُما مِن الإِسلامِ دعاؤُكما للهِ ﷿ وَلَدًا، وعبادَتُكما الصَّليب، وأكْلُكما الخِنزِيرَ". قالا: فمن
أبوه يا محمدُ؟ فصمَت رسولُ اللهِ ﷺ عنهما فلم يُجِبْهما، فأنزل اللهُ في ذلك من قولِهم، واختلافِ أمرِهم كلِّه، صدرَ سورةِ "آلِ عمرانَ" إلى بضْعٍ وثمانين آيةً منها، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
ك من قولِهم، واختلافِ أمرِهم كلِّه، صدرَ سورةِ "آلِ عمرانَ" إلى بضْعٍ وثمانين آيةً منها، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. فافتتح السورةَ بتَبْرِئتِه نفسَه ﵎ مما قالوا، وتوحيدِه إيّاها بالخلقِ والأمرِ، لا شريكَ له فيه؛ ردًّا عليهم ما ابتدَعوا من الكفرِ، وجعَلوا معه من الأندادِ، واحتجاجًا عليهم بقولِهم في صاحبِهم، ليُعَرِّفَهم بذلك ضَلالتَهم، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي ليس معه شريكٌ في أمرِه.
حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع في قولِه: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. قال: إن النَّصارَى أتَوْا رسولَ اللهِ ﷺ فخاصَمُوه في عيسى ابن مريمَ، وقالوا له: من أبوه؟ وقالوا على اللهِ الكَذِبَ والبُهْتانَ - لا إلهَ إلا هو، لم يَتَّخِذْ صاحبةً ولا ولدًا - فقال لهم النبيُّ ﷺ: "ألستُم تَعْلَمُون أنَّه لا يكونُ وَلَدٌ إلا وهو يُشْبِهُ أباه؟ ". قالوا: بلى.
- لا إلهَ إلا هو، لم يَتَّخِذْ صاحبةً ولا ولدًا - فقال لهم النبيُّ ﷺ: "ألستُم تَعْلَمُون أنَّه لا يكونُ وَلَدٌ إلا وهو يُشْبِهُ أباه؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستُم تَعْلَمُونَ أَنَّ ربَّنا حيٌّ لا يموتُ، وأنَّ عيسى يأتى عليه الفناءُ؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستُم تَعْلَمُون أَنَّ ربَّنا قَيِّمٌ على كلِّ شيءٍ، يَكْلَؤُه ويَحْفَظُه ويَرْزُقُه؟ ". قالوا: بلى. قال: "فهل يَمْلِكُ عيسى من ذلك شيئًا؟ ". قالوا: لا. قال: "أفلستُم تَعْلَمُونَ أَنَّ الله ﷿ لا يَخْفَى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ؟ ". قالوا: بلى. قال: "فهل يعلَمُ عيسى من ذلك شيئًا إلا ما عُلِّمَ؟ ". قالوا: لا. قال: "فَإِنَّ رَبَّنَا صَوَّرَ عيسى في الرَّحِمِ كيف شاء". قال: "ألستُم تَعْلَمون أنَّ ربَّنَا لا يَأْكُلُ الطعامَ، ولا يَشْرَبُ
الشَّرابَ، ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى.
رَ عيسى في الرَّحِمِ كيف شاء". قال: "ألستُم تَعْلَمون أنَّ ربَّنَا لا يَأْكُلُ الطعامَ، ولا يَشْرَبُ
الشَّرابَ، ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستم تَعْلَمُون أَنَّ عيسى حَمَلَتْه امرأةٌ كما تَحْمِلُ المرأةُ، ثم وَضَعَتْه كما تَضَعُ المرأةُ وَلَدَها، ثم غُذِّيَ كما يُغَذَّى الصبيُّ، ثم كان يَطْعَمُ الطعامَ، ويَشرَبُ الشَّرابَ، ويُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى. قال: "فكيف يكونُ هذا كما زعمتُم؟ ". قال: فعرَفوا ثم أبَوْا إِلا جُحُودًا، فأنزل اللهُ ﷿: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾.
يَعنى بذلك جلّ ثناؤُه: قُلْ يا محمدُ للذين كفَروا مِن اليهودِ، الذين بين ظَهْرانَىْ بلدِك: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾، يعْنى: علامةٌ ودَلالةٌ على صدقِ ما أَقولُ: إنكم ستُغْلَبون. وعِبْرةٌ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾: عِبْرةٌ وتفَكُّرٌ.
حدَّثني المثنّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه، إلا أنه قال: ومُتَفَكَّرٌ.
﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾. يعْنى: في فِرْقَتَين وحِزْبَين.
نّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه، إلا أنه قال: ومُتَفَكَّرٌ.
﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾. يعْنى: في فِرْقَتَين وحِزْبَين. والفِئةُ الجَماعةُ مِن الناسِ، ﴿الْتَقَتَا﴾ للحربِ، وإحدَى الفئتين رسولُ اللهِ ﷺ ومَن كان معه ممَّن شهِد وَقْعَةَ بدرٍ، والأخرى مُشْرِكو قريشٍ، ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: جَماعةٌ تُقاتِلُ في طاعةِ اللهِ وعلى دينِه، وهم رسولُ اللهِ ﷺ وأصحابُه، ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾: وهم مُشْرِكو قريشٍ.
كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يُونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولَى زيدِ بن ثابتٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ أو عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ببدرٍ، ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾: فئةُ قريشٍ الكفارُ.
َ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ببدرٍ، ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾: فئةُ قريشٍ الكفارُ.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن أبى محمدٍ مولَى زيدِ بن ثابتِ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ أو عكرمةَ، عن ابن عباسٍ مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمةَ: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: محمدٌ ﷺ وأصحابُه، ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾: قريشٌ يومَ بدرٍ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي
نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾.
مَ بدرٍ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي
نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾. قال: في محمدٍ وأصحابِه ومُشْرِكى قريشٍ يومَ بدرٍ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيَى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبَرَنا الثَّورِيُّ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: ذلك يومُ بدرٍ، الْتَقَى المسلمون والكفارُ.
ورُفِعَت: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وقد قيل قبلَ ذلك: ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾. بمعنى: إحداهما تقاتلُ في سبيلِ اللهِ.
ْتَقَى المسلمون والكفارُ.
ورُفِعَت: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وقد قيل قبلَ ذلك: ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾. بمعنى: إحداهما تقاتلُ في سبيلِ اللهِ. على الابتداءِ، كما قال الشاعر:
فكنتُ كذِى رِجْلَين رِجْلٌ صَحيحةٌ … ورِجُلٌ رَمَى فيها الزَّمانُ فشَلَّتِ
وكما قال ابن مُفَرِّغٍ:
فكنتُ كذِى رِجْلَيْن رِجْلٌ صَحيحةٌ … ورِجْلٌ بها رَيْبٌ مِن الحَدَثانِ
فأمَّا التي صحَّتْ فأزْدُ شَنُوءةٍ … وأمَّا التي شَلَّتْ فأَزْدُ عُمَانِ
وكذلك تَفْعَلُ العربُ في كلِّ مُكَرَّرٍ على نظيرٍ له قد تقَدَّمه، إذا كان مع المُكَرَّرِ
خبرٌ، تَرُدُّه على إعرابِ الأولِ مرةً، وتَسْتَأْنِفُه ثانيةٌ بالرفعِ، وتَنْصِبُه في التامِّ مِن الفعلِ والناقصِ، وقد جُرَّ ذلك كلُّه، فخُفِض على الردِّ على أولِ الكلامِ، كأنه يعنى إذا خفَض ذلك: فكنتُ كذى رِجْلَينِ: كذِى رجلٍ صحيحةٍ ورجلٍ سقيمةٍ.
الفعلِ والناقصِ، وقد جُرَّ ذلك كلُّه، فخُفِض على الردِّ على أولِ الكلامِ، كأنه يعنى إذا خفَض ذلك: فكنتُ كذى رِجْلَينِ: كذِى رجلٍ صحيحةٍ ورجلٍ سقيمةٍ. وكذلك الخفضُ في قولِه: ﴿فِئَةٌ﴾ جائزٌ على الردِّ على قولِه: ﴿فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾: في فئةٍ تُقاتِلُ في سبيلِ اللَّهِ.
وهذا وإن كان جائزًا في العربيةِ، فلا أَسْتَجِيزُ القراءةَ به؛ لإجماعِ الحُجَّةِ مِن القرَأةِ علَى خلافِه. ولو كان قولُه: ﴿فِئَةٌ﴾ جاء نصبًا كان جائزًا أيضًا على قولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾: مُخْتَلِفَتَين.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾.
اختَلَفَت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأَتْه قرأةُ أهلِ المدينةِ: (تَرَوْنَهم) بالتاءِ، بمعنى: قد كان لكم أيُّها اليهودُ آيةٌ في فئتَينْ الْتَقَتا، فئةٌ تُقاتِلُ في سبيلِ اللَّهِ والأخْرى كافرةٌ، تَرَوْن المشركين مِثْلَى المسلمين رأْىَ العينِ. يُرِيدُ بذلك عِظَتَهم، يقولُ: إن لكم عِبْرةً أيُّها اليهودُ فيما رأيْتُم مِن قلةِ عددِ المسلمينَ وكثرةِ عددِ المشركينَ، وظَفَرِ هؤلاء مع قلةِ عددِهم، بهؤلاء مع كثرةِ عددِهم.
وقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ الكوفةِ والبصرةِ وبعضُ المَكِّيِّين: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾ بالياءِ، بمعْنى: يَرَى المسلمون الذين يُقاتِلون في سبيلِ اللهِ الجماعةَ الكافرةَ مِثْلَى المسلمينَ في القَدْرِ. فتأويلُ الآيةِ على قراءتِهم: قد كان لكم يا مَعشرَ اليهودِ عِبْرةٌ
ومُتَفَكَّرٌ في فئتينِ الْتَقَتا، فئةٌ تُقاتِلُ في سبيلِ اللهِ، وأخْرى كافرةٌ، يَرَى هؤلاء المسلمونَ مع قلةِ عددِهم هؤلاء المشركينَ في كثرةِ عددِهم.
ٌ
ومُتَفَكَّرٌ في فئتينِ الْتَقَتا، فئةٌ تُقاتِلُ في سبيلِ اللهِ، وأخْرى كافرةٌ، يَرَى هؤلاء المسلمونَ مع قلةِ عددِهم هؤلاء المشركينَ في كثرةِ عددِهم.
فإن قال قائلٌ: وما وجهُ تأويلِ قراءةِ مَن قرَأ ذلك بالياءِ؟ وأيُّ الفئتَين رأَت صاحبتَها مثلَيْها، الفئةُ المسلمةُ هي التي رأَتِ المشركةَ مثلَيْها، أم المشركةُ هي التي رأَتِ المسلمةَ كذلك، أم غيرُهما رأَتْ إحداهما كذلك؟
قيل: اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: الفئةُ التي رأَتِ الأخْرى مثلَىْ أنفسِها الفئةُ المسلمةُ، رأَتْ عددَ الفئةِ المشركةِ مثلَىْ عددِ الفئةِ المسلمةِ، قلَّلها اللهُ ﷿ في أعينِها حتى رأَتْها مِثْلَىْ عددِ أنفسِها، ثم قلَّلها في حالٍ أخْرى فرأَتْها مثلَ عددِ أنفسِها.
ذكرُ مَن قال ذلك
ِ الفئةِ المسلمةِ، قلَّلها اللهُ ﷿ في أعينِها حتى رأَتْها مِثْلَىْ عددِ أنفسِها، ثم قلَّلها في حالٍ أخْرى فرأَتْها مثلَ عددِ أنفسِها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا موسَى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، في خبرٍ ذكَرَه عن مُرَّةَ الهَمْدانيِّ، عن ابن مسعودٍ: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾. قال: هذا يومُ بدرٍ. قال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: وقد نظَرْنا إلى المشركينَ، فرأَيْناهم يُضْعِفون علينا، ثم نظَرْنا إليهم فما رأَيْناهم يَزِيدُون علينا رجلًا واحدًا، وذلك قولُ الله ﷿: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي
أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤].
هم يَرَوْنَهم مِثْلَيْهم. فيكونُ أحدُ المِثْلَيْن عندَ ذلك العددَ الذي هو مثلُ عددِ الفئةِ التي رأَتْهم، والمثلُ الآخرُ الضِّعْفَ الزائدَ على عددِهم. فهذا أحدُ معْنيَى التَّقليلِ الذي أخْبَرَ اللهُ ﷿ المؤمنينَ أنه قلَّلهم في أعينِهم.
والمعنى الآخرُ منه: التَّقليلُ الثاني على ما قاله ابن مسعودٍ، وهو أن أراهم عددَ المشركين مثلَ عددِهم لا يَزِيدُون عليهم، فذلك التقليلُ الثاني الذي قال اللهُ جلّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾.
وقال آخَرون مِن أهلِ هذه المَقالةِ: إن الذين رأَوُا المشركين مثلى أنفسِهم هم المسلمون، غيرَ أن المسلمين رَأَوْهم على ما كانوا به مِن عددِهم، لم يُقلَّلوا في أعينِهم، ولكنَّ اللَّهَ أيَّدَهم بنصرِه. قالوا: ولذلك قال اللهُ ﷿ لليهودِ: قد كان لكم فيهم عِبْرةٌ.
َوْهم على ما كانوا به مِن عددِهم، لم يُقلَّلوا في أعينِهم، ولكنَّ اللَّهَ أيَّدَهم بنصرِه. قالوا: ولذلك قال اللهُ ﷿ لليهودِ: قد كان لكم فيهم عِبْرةٌ. يُخَوِّفُهم بذلك أن يُحِلُّ بهم منهم مثلَ الذي أحَلَّ بأهلِ بدرٍ على أيْدِيهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمّى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾. أُنْزِلَت في التَّخْفِيفِ يومَ بدرٍ، فإنَّ المؤمنين كانوا يومَئذٍ ثلاثَمائةٍ وثلاثةَ عشَرَ رجلًا، وكان المشركون مثلَيْهم، فأنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ وكان المشركون ستةً وعشرين وستَّمائةٍ، فأيَّد اللهُ المؤمنين، فكان هذا الذي في التَّخْفِيفِ على المؤمنين.
ٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ وكان المشركون ستةً وعشرين وستَّمائةٍ، فأيَّد اللهُ المؤمنين، فكان هذا الذي في التَّخْفِيفِ على المؤمنين.
وهذه الروايةُ خِلافُ ما تَظاهَرَت به الأخبارُ عن عِدَّةِ المشركين يومَ بدرٍ، وذلك أن الناسَ إنما اخْتَلَفوا في عددِهم على وجهين؛ فقال بعضُهم: كان عددُهم ألفًا. وقال بعضُهم: ما بينَ التسعِمائةِ إلى الألفِ.
ذكرُ مَن قال: كان عددُهم ألفًا
حدَّثني هارونُ بنُ إسحاقَ الهَمْدانيُّ، قال: ثنا مُصْعَبُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا إسرائيلُ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن حارثةَ، عن عليٍّ، قال: سار رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى بدرٍ، فسبَقْنا المشركين إليها، فوجَدْنا فيها رَجُلين، منهم رجلٌ مِن قريشٍ، ومولًى لعُقْبةَ بن أبى مُعَيْطٍ، فأما القرشيُّ فانْفَلَت، وأما مولًى عُقْبةَ فأخَذْناه، فجعَلْنا نَقولُ: كم القومُ؟ فيقولُ: هم واللهِ كثيرٌ، شديدٌ بأسُهم. فجعَل المسلمون إذا قال ذلك ضرَبوه، حتى انْتَهَوْا به إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فقال له: "كم القومُ؟ ".
لُ: كم القومُ؟ فيقولُ: هم واللهِ كثيرٌ، شديدٌ بأسُهم. فجعَل المسلمون إذا قال ذلك ضرَبوه، حتى انْتَهَوْا به إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فقال له: "كم القومُ؟ ". فقال: هم واللهِ كثيرٌ، شديدٌ بأسُهم. فجهَد النبيُّ ﷺ أن يُخْبِرَه كم هم فأبَى، ثم إن رسولَ اللهِ ﷺ سأَله: "كم يَنْحَرُون مِن الجُزُرِ؟ ". قال: عشرةً كلَّ يومٍ. قال
رسولُ اللهِ ﷺ: "القومُ ألفٌ".
حدَّثني أبو سعيدِ بنُ يُوشَعَ البغداديُّ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: أسَرْنا رجلًا منهم - يعنى مِن المشركين - يومَ بدرٍ، فقلْنا: كم كنتم؟
قُ بنُ منصورٍ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: أسَرْنا رجلًا منهم - يعنى مِن المشركين - يومَ بدرٍ، فقلْنا: كم كنتم؟ قال: ألفًا.
ذكرُ مَن قال: كان عددُهم ما بينَ التسعِمائةِ إلى الألفِ
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ: ثنى يزيدُ بنُ رُومانَ، عن عروةَ بن الزبيرِ، قال: بَعث النبيُّ ﷺ نفرًا مِن أصحابِه إلى ماءِ بدرٍ يَلْتَمِسون الخبرَ له عليه، فأصابُوا رَاوِيةٌ مِن قريشٍ فيها أسْلَمُ غلامُ بنى الحَجَّاجِ، وعَرِيضٌ أبو يَسارٍ غلامُ بنى العاصِ، فأتَوْا بهما رسولَ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ لهما: "كمِ القومُ؟ ". قالا: كثيرٌ. قال: "ما عِدَّتُهم؟ ". قالا: لا نَدْرِى. قال: "كم يَنْحَرُون كلَّ يومٍ؟ ". قالا: يومًا تسعًا، ويومًا عشرًا.
عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ﴾ إلى قولِه: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾. قال: يُضْعِفون عليهم، فقتَلوا منهم سبعين وأسَروا سبعينَ يومَ بدرٍ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾. قال: كان ذلك يومَ بدرٍ، كان المشركون تسعَمائةٍ وخمسين، وكان أصحابُ محمدٍ ﷺ ثلاثَمائةٍ وثلاثةَ عشَرَ.
حدَّثني القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيْجٍ: كان أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ ثلاثَمائةٍ وبضعةَ عشَرَ، والمشركون ما بينَ التسعِمائةِ إلى الألفِ.
فكلُّ هؤلاء الذين ذكَرْنا مُخالِفون القولَ الذي روَيْناه عن ابن عباسٍ في عددِ المشركين يومَ بدرٍ.
ةَ عشَرَ، والمشركون ما بينَ التسعِمائةِ إلى الألفِ.
فكلُّ هؤلاء الذين ذكَرْنا مُخالِفون القولَ الذي روَيْناه عن ابن عباسٍ في عددِ المشركين يومَ بدرٍ. فإذ كان ما قاله مَن حكَيْناه - ممَّن ذكَر أن عددَهم كان زائدًا على التسعِمائةِ - فالتأويلُ الأولُ الذي قلْناه، على الروايةِ التي روَيْنا عن ابن مسعودٍ، أولَى بتأويلِ الآيةِ.
وقال آخرون: كان عددُ المشركين زائدًا على التسعِمائةٍ، فرأَى المسلمون عددَهم على غيرِ ما كانوا به مِن العددِ. وقالوا: أَرَى اللهُ المسلمين عددَ المشركين قليلًا، آيةً للمسلمين. قالوا: وإنما عنَى اللهُ ﷿ بقولِه: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾
المخاطَبِين بقولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾.
ين قليلًا، آيةً للمسلمين. قالوا: وإنما عنَى اللهُ ﷿ بقولِه: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾
المخاطَبِين بقولِه: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾. قالوا: وهم اليهودُ، غيرَ أنه رجَع مِن المخاطَبةِ إلى الخبرِ عن الغائبِ؛ لأنه أمْر مِن اللهِ جلّ ثناؤُه لنبيِّه ﷺ أن يَقولَ ذلك لهم، فحَسُن أن يُخاطِبَ مَرَّةً، ويُخْبِرَ عنهم على وجهِ الخبرِ مرةً أخرى، كما قال: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: ٢٢].
وقالوا: فإن قال لنا قائلٌ: فكيف قيل: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ وقد علِمْتُم أن المشركينَ كانوا يومَئذٍ ثلاثةَ أمثالِ المسلمين؟. قلْنا لهم: كما يقولُ القائلُ وعندَه عبدٌ: أحْتاجَ إلى مثلِه. فأَنت مُحتاجٌ إليه وإلى مثلِه. ثم يقولُ: أَحْتاجُ إلى مِثلَيْه. فيَكونُ ذلك خبرًا عن حاجتِه إلى مثلِه، وإلى مثلَىْ ذلك المثلِ. وكما يقولُ الرجلُ: معى ألفٌ، وأحْتاجُ إلى مثلَيْه. وهو مُحتاجٌ إلى ثلاثةٍ ..
مِثلَيْه. فيَكونُ ذلك خبرًا عن حاجتِه إلى مثلِه، وإلى مثلَىْ ذلك المثلِ. وكما يقولُ الرجلُ: معى ألفٌ، وأحْتاجُ إلى مثلَيْه. وهو مُحتاجٌ إلى ثلاثةٍ .. فلمَّا نوَى أن يَكونَ الألفُ داخلًا في معْنى المثلِ، صار المثلُ اثنين، والاثنان ثلاثةً. قال: ومثلُه في الكلامِ: أَراكم مثلَكم. [كأنه قال: أراكم] ضِعْفَكم، و: أَراكم مثلَيْكم. يعنى: أَراكم ضِعْفَيْكم. قالوا: فهذا على معْنى ثلاثةِ أمثالِهم.
وقال آخَرون: بل معنى ذلك أن اللَّهَ أَرَى الفئةَ الكافرةَ عددَ الفئةِ المسلمةِ مثلَىْ عددِهم.
وهذا أيضًا خلافُ ما دلَّ عليه ظاهرُ التنزيلِ؛ لأن الله جل ثناؤُه قال في كتابِه: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤].
أن الله جل ثناؤُه قال في كتابِه: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤]. فأخبَرَ أن كُلًّا مِن الطائفتَيْن قليلٌ عددُها في مرْأَى الأخْرى.
وقرَأ آخَرون ذلك: (تُرَوْنَهم) بضمِّ التاءِ، بمعنى: يُرِيكُمُوهم اللهُ مثلَيْهم.
وأوْلَى هذه القراءاتِ بالصوابِ قراءةُ مَن قرَأ: ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ بالياءِ، بمعنى: وأخرى كافرةٌ، يَرَاهم المسلمون مثلَيْهم، يعنى: مِثْلَى عددِ المسلمين؛ لتقليلِ اللهِ إياهم في أعينِهم في حالٍ، فكان حَزْرُهم إياهم كذلك، ثم قلَّلَهم في أعينِهم عن التَّقْليلِ الأولِ، فحزَرُوهم مثْلَ عددِ المسلمين، ثم تَقْليلًا ثالثًا، فحزَرُوهم أقلَّ مِن عددِ المسلمين.
كما حدَّثني [ابن بَزيعٍ] البغداديُّ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ منصورٍ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: لقد قُلِّلوا في أعينِنا يومَ بدرٍ حتى قلْتُ لرجلٍ إلى جَنْبى: تَرَاهم سبعين؟ قال: أَرَاهم مائةً.
عن أبي إسحاقَ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: لقد قُلِّلوا في أعينِنا يومَ بدرٍ حتى قلْتُ لرجلٍ إلى جَنْبى: تَرَاهم سبعين؟ قال: أَرَاهم مائةً. قال: فأسَرْنا رجلًا منهم، فقلْنا: كم كنتم؟ قال: ألفًا.
وقد رُوِى عن قتادةَ أنه كان يقولُ: لو كانَت (تَرَوْنَهم)، لكانت "مِثْلَيْكم".
حدَّثني المثنى، قال: ثنى عبدُ الرحمنِ بنُ أبى حمادٍ، عن ابن المباركِ، عن معمرٍ، عن قتادةَ بذلك.
ففى الخبرَيْن اللذين روَيْنا عن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ، ما أبان عن اختلافِ حَزْرِ المسلمين يومَئذٍ عددَ المشركين في الأوقاتِ المختلفةِ، فأخْبَر اللهُ ﷿ عمّا كان من اختلافِ أحوالِ عددِهم عندَ المسلمين - اليهودَ على ما كان به عندَهم، مع علمِ اليهودِ بمبلغِ عددِ الفئتين، إعلامًا منه لهم أنه مُؤَيِّدُ المؤمنين بنصرِه؛ لئلا يَغْتَرُّوا بعددِهم وبأسِهم، وليَحْذَروا منه أن يُحِلَّ بهم مِن العقوبةِ على أيدِى المؤمنين، مثلَ الذي أحَلَّ بأهلِ الشركِ به مِن قريشٍ على أيدِيهم ببدرِهم.
وأما قولُه: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾.
دُهم، على الكافرةِ وهم كثيرٌ عددُهم، حتى ظفِروا بهم - مُعْتَبَرٌ ومُتَفَكَّرُ، واللهُ يُقَوِّى بنصرِه مَن يَشاءُ.
وقال جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾. يعنى: إن فيما فعَلْنا بهؤلاء الذين وصَفْنا أمرَهم، مِن تأييدِنا الفئةَ المسلمةَ مع قلةِ عددِها، على الفئةِ الكافرةِ مع كثرةِ عددِها، ﴿لَعِبْرَةً﴾ يعنى: لمُتَفَكَّرًا ومُتَّعظًا لمن عقَل وادّكَر فأبْصَر الحقَّ.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾. يقولُ: لقد كان لهم في هؤلاء عبرةٌ وتفكُّرٌ، أيَّدهم اللهُ ونصَرهم على عدوِّهم.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ (١٣)﴾
يقول تعالى: قل يا محمد للكافرين: (سَتُغْلَبُونَ) أي: في الدنيا، (وَتُحْشَرُونَ) أي: يوم القيامة (إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ).
وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار، عن عاصم بن عمر بن قتادة؛ أن رسول الله ﷺ لما أصاب من أهل بدر ما أصاب ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قَيْنُقَاع وقال: " يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم الله ما أصاب قريشًا". فقالوا: يا محمد، لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا؟
فقالوا: يا محمد، لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرًا من قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا؟ فأنزل الله في ذلك من قولهم: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ) إلى قوله: (لَعِبْرَةً لأولِي الأبْصَارِ).
وقد رواه ابن إسحاق أيضًا، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس فذكره؛ ولهذا قال تعالى: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ) أي: قد كان لكم -أيها اليهود القائلون ما قلتم - (آيَةٌ) أي: دلالة على أن الله معز دينه، وناصر رسوله، ومظهر كلمته، ومعل أمره (فِي فِئَتَيْنِ) أي: طائفتين (الْتَقَتَا) أي: للقتال (فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وهم المسلمون، (وَأُخْرَى كَافِرَةٌ) وهم مشركو قريش يوم بدر.
فِي فِئَتَيْنِ) أي: طائفتين (الْتَقَتَا) أي: للقتال (فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وهم المسلمون، (وَأُخْرَى كَافِرَةٌ) وهم مشركو قريش يوم بدر.
وقوله: (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ) قال بعض العلماء -فيما حكاه ابن جرير: يرى المشركون يوم بدر المسلمين مثليهم في العدد رأي أعينهم، أي: جعل الله ذلك فيما رأوه سببًا لنصرة الإسلام عليهم. وهذا لا إشكال عليه إلا من جهة واحدة، وهي أن المشركين بعثوا عمر بن سعد يومئذ قبل القتال يحزر لهم المسلمين، فأخبرهم بأنهم ثلاثمائة، يزيدون قليلا أو ينقصون قليلا. وهكذا كان الأمر، كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ثم لما وقع القتال أمدّهم الله بألف من خواص الملائكة وساداتهم.
والقول الثاني: " أن المعنى في قوله: (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ) أي: ترى الفئة المسلمة الفئة الكافرة مثليهم، أي: ضعفيهم في العدد، ومع هذا نصرهم الله عليهم".
عنى في قوله: (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ) أي: ترى الفئة المسلمة الفئة الكافرة مثليهم، أي: ضعفيهم في العدد، ومع هذا نصرهم الله عليهم". وهذا لا إشكال فيه على ما رواه العوفي، عن ابن عباس أن المؤمنين كانوا يوم بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا والمشركين كانوا ستمائة وستة وعشرين رجلا. وكأن هذا القول مأخوذ من ظاهر هذه الآية، ولكنه خلاف المشهور عند أهل التواريخ والسير وأيام الناس، وخلاف المعروف عند الجمهور من أن المشركين كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف كما رواه محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير، أن رسول الله ﷺ لما سأل ذلك العبد
الأسود لبني الحجاج عن عدّة قريش، فقال: كثير، قال: "كم ينحرون كل يوم؟ " قال: يومًا تسعًا ويومًا عشرًا، فقال النبي ﷺ: "القوم ما بين التسعمائة إلى الألف".
وروى أبو إسحاق السَّبِيعي، عن حارثة، عن علي، قال: كانوا ألفًا، وكذا قال ابن مسعود.
ًا ويومًا عشرًا، فقال النبي ﷺ: "القوم ما بين التسعمائة إلى الألف".
وروى أبو إسحاق السَّبِيعي، عن حارثة، عن علي، قال: كانوا ألفًا، وكذا قال ابن مسعود. والمشهور أنهم كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف، وعلى كل تقدير فقد كانوا ثلاثة أمثال المسلمين، وعلى هذا فيشكل هذا القول والله أعلم. لكن وجه ابن جرير هذا، وجعله صحيحًا كما تقول: عندي ألف وأنا محتاج إلى مثليها، وتكون محتاجًا إلى ثلاثة آلاف، كذا قال. وعلى هذا فلا إشكال.
لكن بقي سؤال آخر وهو وارد على القولين، وهو أن يقال: ما الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى في قصة بدر: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا﴾؟
بدر: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا﴾؟ [الأنفال: ٤٤] والجواب: أن هذا كان في حال، والآخر كان في حال أخرى، كما قال السُّدِّي، عن [مرة] الطيب عن ابن مسعود في قوله: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا [فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ]) الآية، قال: هذا يوم بدر. قال عبد الله بن مسعود: وقد نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يُضْعَفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدًا، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾.
وقال أبو إسحاق، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود، ﵁، قال: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جانبي تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة. قال: فأسرنا رجلا منهم فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفا.
عبد الله بن مسعود، ﵁، قال: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جانبي تراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة. قال: فأسرنا رجلا منهم فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفا. فعندما عاين كل الفريقين الآخر رأى المسلمون المشركين مثليهم، أي: أكثر منهم بالضعف، ليتوكلوا ويتوجهوا ويطلبوا الإعانة من ربهم، ﷿. ورأى المشركون المؤمنين كذلك ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع، ثم لما حصل التصاف والتقى الفريقان قلل الله هؤلاء في أعين هؤلاء، وهؤلاء في أعين هؤلاء، ليقدم كل منهما على الآخر.
ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع، ثم لما حصل التصاف والتقى الفريقان قلل الله هؤلاء في أعين هؤلاء، وهؤلاء في أعين هؤلاء، ليقدم كل منهما على الآخر.
﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولا﴾ أي: ليفرّق بين الحق والباطل، فيظهر كلمة الإيمان على الكفر، ويعز المؤمنين ويذل الكافرين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٢٣] وقال هاهنا: (وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأولِي الأبْصَارِ) أي: إن في ذلك لمعتبرًا لمن له بصيرة وفهم يهتدي به إلى حكم الله وأفعاله، وقدره الجاري بنصر عباده المؤمنين في هذه الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.
قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ الآية ذكر في هذه الآية الكريمة أن وقعة بدر آية، أي: علامة على صحة دين الإسلام، إذ لو كان غير حق لما غلبت الفئة القليلة الضعيفة
المتمسكة به الفئة الكثيرة القوية التي لم تتمسك به.
وصرح في موضع آخر أن وقعة بدر بينة أي: لا لبس في الحق معها، وذلك في قوله: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ وصرح أيضا بأن وقعة بدر فرقان فارق بين الحق والباطل وهو قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ الآية.
•