Dia (Zakaria) berkata, "Ya Tuhanku berilah aku suatu tanda." Allah berfirman, " Tanda bagimu, adalah engkau tidak dapat berbicara dengan manusia selama tiga hari, kecuali dengan isyarat. Dan sebutlah (nama) Tuhanmu banyak-banyak, dan bertasbihlah (memuji-Nya) pada waktu petang dan pagi hari
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
قال أبو جعفرٍ: قد أتيْنَا على البيانِ عن معنى قولِه: ﴿الم﴾. فيما مضَى، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ،
وكذلك البيانِ عن قولِه: ﴿اللَّهُ﴾.
وأما معنى قولِه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. فإنه خبرٌ من اللهِ ﷿ أخبَر عبادَه أن الألوهةَ خاصَّةٌ به دونَ ما سواه من الآلهةِ والأندادِ، وأن العبادةَ لا تصلُحُ ولا تجوزُ إلا له، لانفرادِه بالربوبيةِ وتَوَحُّدِه بالأُلوهيَّةِ، وأن كلَّ ما دونَه فمِلْكُه، وأن كلَّ ما سواه فخَلْقُه، لا شريكَ له في سلطانِه ومِلْكِه؛ احتجاجًا منه تعالى ذكرُه عليهم، بأن ذلك إذْ كان كذلك، فغيرُ جائزةٍ لهم عبادةُ غيرِه ولا إشراكُ أحدٍ معه في سلطانِه، إذ كان كلُّ معبودٍ سواه فمِلْكُه، وكلُّ مُعَظَّمٍ غيرِه فخَلْقُه؛ وعلى المملوكِ إفرادُ الطاعةِ لمالِكه، وصَرْفُ خدمتِه إلى مولاه ورازقِه، ومُعَرِّفًا مَن كان مِن خَلْقِه - يومَ أنزل ذلك إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ، بتنزيلِه ذلك إليه، وإرسالِه به إليهم على لسانِه، صلواتُ
خدمتِه إلى مولاه ورازقِه، ومُعَرِّفًا مَن كان مِن خَلْقِه - يومَ أنزل ذلك إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ، بتنزيلِه ذلك إليه، وإرسالِه به إليهم على لسانِه، صلواتُ اللهِ عليه وسلامُه - مُقيمًا على عبادةِ وَثَنٍ أو
صنمٍ، أو شمسٍ أو قمرٍ، أو إنسيٍّ أو مَلَكٍ، أو غيرِ ذلك من الأشياءِ التي كانت بنو آدمَ مُقِيمةً على [عبادتِها وإلاهتِها]، ومُتَّخذَه دونَ مالكِه وخالقِه إلهًا وربًّا أنه مُقِيمٌ على ضلالةٍ، ومنعزلٌ عن المَحَجَّةِ، وراكبٌ غيرَ السبيلِ المستقيمةِ، بصرفِه العبادةَ إلى غيرِه، ولا أحدَ له الألوهةُ غيرُه.
ِه إلهًا وربًّا أنه مُقِيمٌ على ضلالةٍ، ومنعزلٌ عن المَحَجَّةِ، وراكبٌ غيرَ السبيلِ المستقيمةِ، بصرفِه العبادةَ إلى غيرِه، ولا أحدَ له الألوهةُ غيرُه.
وقد ذُكِر أن هذه السورةَ ابتدأ اللهُ بتنزيلِ فاتحتِها، بالذي ابتدأ به مِن نفيِ الأُلُوهَةِ أن تكونَ لغيرِه، ووَصْفِه نفسَه بالذي وصفَها به في ابتدائِها؛ احتجاجًا منه بذلك على طائفةٍ من النَّصارَى قَدِمُوا على رسولِ الله ﷺ من نَجْرانَ فحاجُّوه في عيسى صلواتُ اللهِ عليه، وألْحَدُوا في اللهِ، فأنزل اللهُ ﷿ في أمرِهم وأمرِ عيسى من هذه السورةِ، نَيِّفًا وثلاثين آيةً من أوَّلِها؛ احتجاجًا عليهم وعلى من كان على مثلِ مقالتِهم لنبيِّه محمدٍ ﷺ، فأبَوْا إلا المُقامَ على ضلالتِهم وكفرِهم فدعاهم إلى المباهلةِ، فأبَوْا ذلك وسألُوا قَبولَ الجِزْيةِ منهم، فقَبِلها ﷺ منهم، وانصرَفُوا إلى بلادِهم.
، فأبَوْا إلا المُقامَ على ضلالتِهم وكفرِهم فدعاهم إلى المباهلةِ، فأبَوْا ذلك وسألُوا قَبولَ الجِزْيةِ منهم، فقَبِلها ﷺ منهم، وانصرَفُوا إلى بلادِهم. غيرَ أن الأمرَ وإن كان كذلك، وإيّاهم قصَد بالحِجاجِ، فإنَّ مَن كان معناه من سائرِ الخلقِ معناهم في الكفرِ باللهِ، واتخاذِ ما سوى اللهِ ربًّا وإلهًا معبودًا، معمومون بالحُجَّة التي حجَّ اللهُ ﵎ بها مَن نزَلتْ هذه الآياتُ فيه، ومحجوجون في الفُرقانِ الذي فَرَق به لرسولِه ﷺ بينَه وبينَهم.
ذكرُ الروايةِ عمن ذكرْنا قولَه في نزولِ افتتاحِ هذه السورةِ أنه نزَل في الذين وصَفْنا صِفَتَهم من النَّصَارَى
حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ
نزولِ افتتاحِ هذه السورةِ أنه نزَل في الذين وصَفْنا صِفَتَهم من النَّصَارَى
حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ
ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرٍ، قال: قَدِم على رسولِ اللهِ ﷺ وفدُ نَجْرانَ، ستون راكبًا، فيهم أربعةَ عشَرَ رجلًا من أشرافِهم، في الأربعةَ عشَرَ ثلاثةُ نَفَرٍ، إليهم يئولُ أمرُهم: العاقبُ؛ أميرُ القومِ وذو رأيِهم وصاحبُ مَشورتِهم، والذي لا يَصْدرُون إلا عن رأيِه، واسمُه عبدُ المسيحِ، والسيِّدُ؛ ثِمالُهم وصاحبُ رحلِهم ومُجْتَمَعِهم، واسمُه الأَيْهَمُ، وأبو حارثةَ بنُ علقمةَ؛ أحدُ بكرِ بن وائلٍ، [أسْقُفُّهم وحَبْرُهم] وإمامُهم وصاحبُ مِدْراسهم.
وكان أبو حارثةَ قد شَرُف فيهم، ودرَس كتبَهم، حتى حسُن علمُه في دينِهم، فكانت ملوكُ الرومِ من أهلِ النصرانيَّةِ قد شرَّفُوه وموَّلُوه وأخدَمُوه وبَنَوْا له الكنائسَ، وبسَطُوا عليه الكراماتِ؛ لما يَبْلُغُهم عنه من علمِه واجتهادِه في دينِهم.
ِ من أهلِ النصرانيَّةِ قد شرَّفُوه وموَّلُوه وأخدَمُوه وبَنَوْا له الكنائسَ، وبسَطُوا عليه الكراماتِ؛ لما يَبْلُغُهم عنه من علمِه واجتهادِه في دينِهم.
قال ابن إسحاق: قال محمدُ بنُ جعفرِ بن الزُّبيرِ: قَدِموا على رسولِ اللهِ ﷺ المدينةَ، فدخَلوا عليه مسجدَه حينَ صلَّى العصرَ، عليهم ثيابُ الحِبَراتِ جُبَبٌ وأرديةٌ، في [جمال رجالِ] بَلْحارثِ بن كعبٍ. قال: يقولُ بعضُ مَن رآهم من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يومئذٍ: ما رأيْنا بعدَهم وفدًا مثلَهم، وقد حانتْ صلاتُهم، فقاموا يُصَلُّون في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "دَعُوهم".
صحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يومئذٍ: ما رأيْنا بعدَهم وفدًا مثلَهم، وقد حانتْ صلاتُهم، فقاموا يُصَلُّون في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "دَعُوهم". فَصَلُّوا إلى المَشْرِقِ.
قال: وكانت تسميةُ الأربعةَ عشَرَ منهم الذين يَئُولُ إليهم أمرُهم: العاقبُ وهو عبدُ المسيحِ، والسيِّدُ وهو الأَيْهَمُ، وأبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ أخو بكرِ بن وائلٍ، وأوسٌ، والحارثُ، وزيدٌ، وقيسٌ، ويزيدُ، ونُبَيةٌ، وخويلدٌ، و عمرٌو، وخالدٌ، وعبدُ اللهِ، ويُحَنَّسُ، في ستين راكبًا، فكلَّم رسولَ اللهِ ﷺ منهم أبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ، والعاقبُ عبدُ المسيحِ، والأيْهَمُ السَّيِّدُ، وهم من النصرانيةِ على دينِ الملِكِ، مع اختلافِ من أمرِهم يقولون: هو اللهُ. ويقولون: هو ولدُ اللهِ. ويقولون: هو ثالثُ ثلاثةٍ. وكذلك قولُ النصرانيةِ، فهم يَحْتَجُّون في قولِهم: هو اللهُ.
مع اختلافِ من أمرِهم يقولون: هو اللهُ. ويقولون: هو ولدُ اللهِ. ويقولون: هو ثالثُ ثلاثةٍ. وكذلك قولُ النصرانيةِ، فهم يَحْتَجُّون في قولِهم: هو اللهُ. بأنه كان يُحيِى الموتى، ويُبْرِئُ الأسقامَ، ويُخْبِرُ بالغُيوبِ، ويَخلُقُ من الطينِ كهيئةِ الطيرِ ثم ينفُخُ فيه فيكونُ طائرًا، وذلك كلُّه بإذنِ اللهِ، ليجعلَه آيةً للناسِ. ويَحتجُّون في قولِهم: إنه ولدُ اللهِ. أنهم يقولون: لم يكنْ له أبٌ يُعْلَمُ، وقد تكلَّم في المهدِ، شيءٌ لم يَصْنَعْه أحدٌ من ولدِ آدمَ قبلَه. ويحتجُّون في قولِهم: إنه ثالثُ ثلاثةٍ. بقولِ اللهِ ﷿: فعلْنا وأمَرْنا، وخلَقْنا وقضَيْنا. فيقولون: لو كان واحدًا ما قال إلا: فعلتُ وأمَرْتُ وقضَيْتُ وخَلَقْتُ، ولكنّه هو، وعيسى، ومريمُ. ففي كلِّ ذلك من قولِهم قد نزَل القرآنُ، وذكَر اللهُ لنبيِّه ﷺ فيه قولَهم، فلمّا كلَّمه الحَبْرانِ، قال لهما رسولُ اللهِ ﷺ: "أسْلِما". قالا: قد أسلَمْنا. قال: "إنَّكما لم تُسْلِما، فأسْلِما". قالا: بلى، قد أسلَمْنا قبلَك.
م، فلمّا كلَّمه الحَبْرانِ، قال لهما رسولُ اللهِ ﷺ: "أسْلِما". قالا: قد أسلَمْنا. قال: "إنَّكما لم تُسْلِما، فأسْلِما". قالا: بلى، قد أسلَمْنا قبلَك. قال: "كَذَبْتُمَا، يَمْنَعُكُما مِن الإِسلامِ دعاؤُكما للهِ ﷿ وَلَدًا، وعبادَتُكما الصَّليب، وأكْلُكما الخِنزِيرَ". قالا: فمن
أبوه يا محمدُ؟ فصمَت رسولُ اللهِ ﷺ عنهما فلم يُجِبْهما، فأنزل اللهُ في ذلك من قولِهم، واختلافِ أمرِهم كلِّه، صدرَ سورةِ "آلِ عمرانَ" إلى بضْعٍ وثمانين آيةً منها، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
ك من قولِهم، واختلافِ أمرِهم كلِّه، صدرَ سورةِ "آلِ عمرانَ" إلى بضْعٍ وثمانين آيةً منها، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. فافتتح السورةَ بتَبْرِئتِه نفسَه ﵎ مما قالوا، وتوحيدِه إيّاها بالخلقِ والأمرِ، لا شريكَ له فيه؛ ردًّا عليهم ما ابتدَعوا من الكفرِ، وجعَلوا معه من الأندادِ، واحتجاجًا عليهم بقولِهم في صاحبِهم، ليُعَرِّفَهم بذلك ضَلالتَهم، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي ليس معه شريكٌ في أمرِه.
حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع في قولِه: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. قال: إن النَّصارَى أتَوْا رسولَ اللهِ ﷺ فخاصَمُوه في عيسى ابن مريمَ، وقالوا له: من أبوه؟ وقالوا على اللهِ الكَذِبَ والبُهْتانَ - لا إلهَ إلا هو، لم يَتَّخِذْ صاحبةً ولا ولدًا - فقال لهم النبيُّ ﷺ: "ألستُم تَعْلَمُون أنَّه لا يكونُ وَلَدٌ إلا وهو يُشْبِهُ أباه؟ ". قالوا: بلى.
- لا إلهَ إلا هو، لم يَتَّخِذْ صاحبةً ولا ولدًا - فقال لهم النبيُّ ﷺ: "ألستُم تَعْلَمُون أنَّه لا يكونُ وَلَدٌ إلا وهو يُشْبِهُ أباه؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستُم تَعْلَمُونَ أَنَّ ربَّنا حيٌّ لا يموتُ، وأنَّ عيسى يأتى عليه الفناءُ؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستُم تَعْلَمُون أَنَّ ربَّنا قَيِّمٌ على كلِّ شيءٍ، يَكْلَؤُه ويَحْفَظُه ويَرْزُقُه؟ ". قالوا: بلى. قال: "فهل يَمْلِكُ عيسى من ذلك شيئًا؟ ". قالوا: لا. قال: "أفلستُم تَعْلَمُونَ أَنَّ الله ﷿ لا يَخْفَى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ؟ ". قالوا: بلى. قال: "فهل يعلَمُ عيسى من ذلك شيئًا إلا ما عُلِّمَ؟ ". قالوا: لا. قال: "فَإِنَّ رَبَّنَا صَوَّرَ عيسى في الرَّحِمِ كيف شاء". قال: "ألستُم تَعْلَمون أنَّ ربَّنَا لا يَأْكُلُ الطعامَ، ولا يَشْرَبُ
الشَّرابَ، ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى.
رَ عيسى في الرَّحِمِ كيف شاء". قال: "ألستُم تَعْلَمون أنَّ ربَّنَا لا يَأْكُلُ الطعامَ، ولا يَشْرَبُ
الشَّرابَ، ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستم تَعْلَمُون أَنَّ عيسى حَمَلَتْه امرأةٌ كما تَحْمِلُ المرأةُ، ثم وَضَعَتْه كما تَضَعُ المرأةُ وَلَدَها، ثم غُذِّيَ كما يُغَذَّى الصبيُّ، ثم كان يَطْعَمُ الطعامَ، ويَشرَبُ الشَّرابَ، ويُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى. قال: "فكيف يكونُ هذا كما زعمتُم؟ ". قال: فعرَفوا ثم أبَوْا إِلا جُحُودًا، فأنزل اللهُ ﷿: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
القولُ في تأويل قوله: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾.
يعْنى بذلك جلّ ثناؤُه - خبرًا عن زكريا -: قال زكريا: ربِّ إن كان هذا النداءُ الذي نُودِيتُه، والصوتُ الذي سمِعته صوت ملائكتك، وبشارةً منك لى، فاجعل لى ﴿آيَةً﴾، يقولُ: علامةً أن ذلك كذلك؛ لِيَزُولَ عنِّي ما قد وَسْوَسَ إليَّ الشيطانُ فألقاه في قلبي، من أن ذلك صوتُ غير الملائكة، وبشارةٌ مِن [عندِ غيرك].
كما حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ قال: قال - يعني زكريا -: يا ربِّ، فإن كان هذا الصوتُ منك فاجعلْ لى آية.
وقد دَلَّلْنا فيما مضى على معنى "الآية" وأنها العلامةُ، بما أغْنَى عن إعادتِه.
وقد اخْتلف أهلُ العربية في سبب ترك العرب همزَها، ومن شأنها همزُ كلِّ ياءٍ جاءت بعد ألفٍ ساكنةٍ؛ فقال بعضُهم: تُرِك همزها لأنها كانت "أَيَّةً"، فثقُل عليهم التشديدُ، فأبْدَلوه ألفًا؛ لانفتاح ما قبلَ التشديد، كما قالوا: أيْما فلانٌ فأخزاه الله.
وقال آخرون منهم: بل هي "فاعلةٌ" منقوصةٌ.
َيَّةً"، فثقُل عليهم التشديدُ، فأبْدَلوه ألفًا؛ لانفتاح ما قبلَ التشديد، كما قالوا: أيْما فلانٌ فأخزاه الله.
وقال آخرون منهم: بل هي "فاعلةٌ" منقوصةٌ. فسُئلوا، فقيل لهم: فما بالُ العرب تُصَغِّرُها "أُيَيَّةً"، ولم يقولوا: "أُويَّةً"؟ فقالوا: قيل ذلك كما قيل في
فاطمةَ: هذه فُطَيمة. فقيل لهم: فإنهم إنما يُصغِّرون "فاعلةٌ" على "فُعَيْلةٍ"، إذا كان اسمًا في معنى فلانٍ وفلانةً، فأمَّا في غير ذلك، فليس من تصغيرهم "فاعلة" على "فُعَيْلَةٍ".
وقال آخرون: إنه "فَعْلَةٌ"، صُيِّرت ياؤُها الأُولى ألفًا كما فعل بـ "حاجةٍ" و "قامةٍ". فقيل لهم: إنما تَفْعَلُ العرب ذلك في أولاد الثلاثة.
وقال مَن أنْكر ذلك من قبلهم: لو كان كما قالوا لقيل في نواةٍ: "نايةٌ". وفى حياةٍ: "حايَةٌ".
القولُ في تأويلِ قوله: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾.
فعاقبه الله ﷿ فيما ذُكر لنا - بمسألته الآيةَ، بعد مشافهة الملائكةِ إيَّاه بالبِشارةِ، فجعَل آيته على تَحْقيقِ ما سمِع مِن البشارةِ من الملائكةِ بيحيى أنه مِن عندِ الله، آيةً مِن نفسه، جمَع تعالى ذكرُه بها العلامة التي سألها ربَّه، على ما يُبَيِّنُ له حقيقة البِشارةِ أنها من عندِ اللهِ، وتمحيصًا له من هَفْوتِه، وخطأ قيله ومسألته.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ من أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي
آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾: إنما عُوقب بذلك لأن الملائكة شافَهَتْه مُشافهةً بذلك فبشَّرته بيحيى، فسأل الآية بعد كلام الملائكة إيَّاه، فأُخذ عليه بلسانه، فجعَل لا يَقْدِرُ على الكلام إلا ما أؤمأ وأشار، فقال الله تعالى ذكره كما تسْمعون: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾.
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾. قال: شافَهَتْه الملائكةُ، فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾.
رُكَ بِيَحْيَى﴾. قال: شافَهَتْه الملائكةُ، فقال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. يقول: إلا إيماءً، وكانت عقوبةً عُوقِب بها، إذ سأَل الآيةَ مع مشافهةِ الملائكةِ إيَّاه بما بشَّرتْه به.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع في قوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: ذُكِر لنا - والله أعلم - أنه عوقب لأن الملائكة شافَهَتْه مُشافهةً فبشَّرَتْه بيحيي، فسأل الآيةَ بعدُ فأُخِذ بلسانه.
حُدِّثتُ عن عَمّار بن الحسن، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع، قال: ذُكر لنا - والله أعلم - أنه عُوقِب لأن الملائكة شَافَهَتْه فبشَّرَتُه بيحيى، قالت: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾.
عن أبيه، عن الرَّبيع، قال: ذُكر لنا - والله أعلم - أنه عُوقِب لأن الملائكة شَافَهَتْه فبشَّرَتُه بيحيى، قالت: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾. فسأَل بعد كلامِ الملائكة إيَّاه الآيةَ، فأُخِذ عليه لسانه، فجعَل لا يَقْدِرُ على الكلامِ ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ يقولُ: يُومِنُ إيماءً.
حدَّثني أبو عُبيد الوَصَّابِيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ حِمْيَرٍ، قال: ثنا صفوانُ بنُ عمرو، عن [جبير بن نُفَيْر] في قوله: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: رَبَا لسانه في فيه حتى ملأه، ثم أطلقه الله بعد ثلاث.
وإنما اختارت القَرَأَةُ النصبَ في قوله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾. لأن معنى الكلام: قال: آيتُك ألا تُكَلِّمَ الناسَ فيما يُسْتَقْبَلُ ثلاثة أيام. فكانت "أن" هي التي تَصْحَبُ الاستقبال دونَ التي تَصْحَبُ الأسماء، فتَنْصِبُها، ولو كان المعنى فيه: آيتُك أنك لا تُكَلِّمُ الناس ثلاثة أيام.
اثة أيام. فكانت "أن" هي التي تَصْحَبُ الاستقبال دونَ التي تَصْحَبُ الأسماء، فتَنْصِبُها، ولو كان المعنى فيه: آيتُك أنك لا تُكَلِّمُ الناس ثلاثة أيام. أي: أنك على هذه الحال ثلاثة أيامٍ - كان وجهُ الكلام الرفع؛ لأن "أن" كانت تكونُ حينئذ بمعنى الثقيلة خُفِّفت، ولكن لم يكن ذلك جائزًا؛ لِما وصفتُ من أن ذلك بالمعنى الآخرِ.
وأمَّا الرمز، فإن الأغلب من معانيه عند العرب الإيماء بالشفتين، وقد يُسْتَعْمَلُ في الإيماء بالحاجبين والعينين أحيانًا، وذلك غيرُ كثير فيهم، وقد يُقالُ للخَفِيِّ من الكلام الذي هو مثلُ الهَمْسِ بخفض الصوتِ: الرمز. ومنه قولُ جُؤَيَّةَ بن عائذٍ:
وكان تَكَلَّمُ الأبطال رَمْزًا .... وهَمْهَمةً لَهُمْ مِثْلَ الهَدِيرِ
يُقال منه: رمز فلانٌ فهو يَرْمُزُ، ويَرْمِزُ رَمْزًا، ويَتَرَمَّزُ تَرَمزًا. ويُقالُ: ضربه ضربةً فارْتَمَزَ منها.
وهَمْهَمةً لَهُمْ مِثْلَ الهَدِيرِ
يُقال منه: رمز فلانٌ فهو يَرْمُزُ، ويَرْمِزُ رَمْزًا، ويَتَرَمَّزُ تَرَمزًا. ويُقالُ: ضربه ضربةً فارْتَمَزَ منها. أي: اضْطَرب للموت، قال الشاعرُ:
* خَرَرْتُ مِنها لَقَفَايَ أَرْتَمِزُ *
وقد اختلف أهلُ التأويل في المعنى الذي عنى الله ﷿ به في إخباره عن زكريا من قوله: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. وأيِّ معاني الرمز عنَى بذلك؛ فقال بعضُهم: عنى بذلك: آيتُك أَلَّا تُكَلِّمَ الناسَ ثلاثة أيام إلا تحريكًا بالشفتين، من غيرِ أَن تَرْمُزَ بلسانكِ الكلام.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نُوحٍ، عن النَّضْرِ بن عَربيٍّ، عن مجاهدٍ في قوله: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: تحريك الشفتين.
حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾.
ْزًا﴾. قال: تحريك الشفتين.
حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيح، عن مجاهدٍ: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: إيماؤُه بشفتيه.
حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن
مجاهد مثله
وقال آخرون: بل عنَى الله بذلك الإيماء والإشارة.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سلمةَ بن نُبَيْطٍ، عن الضحاك: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: الإشارة.
حُدِّثْتُ عن الحسين بن الفَرحِ، قال: سمعت أبا مُعاذ، قال: أخبرنا عُبيدُ بنُ سليمان، قال: سمعتُ الضحَّاكَ يقولُ في قوله: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: الرمز أن يُشيرَ بيده أو رأسِه ولا يَتَكَلَّمَ.
حدثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: الرمزُ: أن أُخِذ بلسانه، فجعَل يُكَلِّمُ الناس بيده.
حدثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾.
بن عباس: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: الرمزُ: أن أُخِذ بلسانه، فجعَل يُكَلِّمُ الناس بيده.
حدثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: والرمز الإشارةُ.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيد في قولِه: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ الآية. قال: جعَل آيتَه ألا يُكَلِّمَ الناسَ ثلاثة أيام إلا رمزًا، إلا أنه يَذْكُرُ الله، والرمز الإشارة، يُشيرُ إليهم.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن قتادة: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾: إلا إيماءً.
حُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثلَه.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾.
ُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثلَه.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾. يقول: إشارةً.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال عبد الله بن كثير: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾: إلا إشارةً
حدَّثني محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفيُّ، عن عبَّادٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. قال: أُمْسِكَ بلسانه، فجعَل يُومِيء بيدهِ إلى قومِه أن سبِّحوا بكرةً وعَشِيًّا.
القول في تأويل قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾.
يعنى بذلك: قال الله جل ثناؤُه لزكريا: يا زكريا، آيتُك أَلَّا تُكَلِّمَ الناسَ ثلاثةَ أيام إلا رمزًا بغيرِ خَرَسٍ، ولا عاهةٍ، ولا مرضٍ، واذكرْ ربَّك كثيرًا، فإنك لا تُمْنَعُ ذكرَه، ولا يُحَالُ بينكَ وبينَ تسبيحِه وغير ذلك مِن ذكرِه.
وقد حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ، قال: لو كان الله رَخَّص لأحدٍ في ترك الذِّكرِ، لرخَّص لزكريا حيثُ قال: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ أيضًا.
وأمَّا قولُه: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ﴾. فإنه يعنى: عظِّمْ ربُّك بعبادتِه بالعشيِّ، والعشيُّ: من حين تَزولُ الشمسُ إلى أن تَغِيبَ، كما قال الشاعرُ:
فلا الظِّلَّ مِن بَرْدِ الضُّحَى تَسْتَطِيعُهُ ....
: عظِّمْ ربُّك بعبادتِه بالعشيِّ، والعشيُّ: من حين تَزولُ الشمسُ إلى أن تَغِيبَ، كما قال الشاعرُ:
فلا الظِّلَّ مِن بَرْدِ الضُّحَى تَسْتَطِيعُهُ .... ولا الفَيْء مِن بردِ العشيِّ تَذُوقُ
فالفيءُ إِنما تَبْتَدِئُ أَوْبَتُه من عندِ زوالِ الشمسِ، وتَتَناهَى بمَغِيبِها.
وأمَّا الإبكارُ، فإنه مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: أبْكَر فلانٌ في حاجةٍ، فهو يُبْكِرُ إبكارًا. وذلك إذا خرَج فيها من بين مطلَعِ الفجرِ إلى وقتِ الضحى، فذلك إبكارٌ. يقالُ فيه: أبْكَر فلانٌ، وبكَر يَبْكُرُ بُكُورًا، فمن الإبكارِ قولُ عمرَ بن أبي ربيعةَ:
* أَمِنْ آلِ نُعْمٍ أَنتَ عَادٍ فَمُبْكِرُ *
ومن البُكُورِ قولُ جريرٍ:
ألا بكَرَتْ سلمى فجدَّ بُكورُها … وشقَّ العصا بعدَ اجتماعٍ أميرُها
ويقالُ من ذلك: بكر النخلُ يَنكُرُ بُكورًا، وأبْكَر يُنْكِرُ إبكارًا، والباكورُ مِن الفواكه: أَوَّلُها إدراكًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
لنخلُ يَنكُرُ بُكورًا، وأبْكَر يُنْكِرُ إبكارًا، والباكورُ مِن الفواكه: أَوَّلُها إدراكًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بن عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾. قال: الإبكارُ أَوَّلُ الفجرِ، والعشيُّ ميلُ الشمسِ حتى تَغِيبَ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
ْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ (٤١)﴾
لما رأى زكريا، ﵇، أن الله تعالى يرزق مريم، ﵍، فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، طمع حينئذ في الولد، و [إن] كان شيخا كبيرا قد [ضعف و] وَهَن منه العظم، واشتعل رأسه شيبا، وإن كانت امرأته مع ذلك كبيرة وعاقرًا، لكنه مع هذا كله سأل ربه وناداه نداء خَفيا، وقال: (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ) أي: من عندك (ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) أي: ولدا صالحا (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ).
قال الله تعالى: (فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ) أي: خاطبته الملائكة شفاها خطابًا أسمعته، وهو قائم يصلي في محراب عبادته، ومحل خَلْوَته، ومجلس مناجاته، وصلاته. ثم أخبر عما بشّرته به الملائكة: (أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى) أي: بولد يوجد لك من صلبك اسمه يحيى.
ادته، ومحل خَلْوَته، ومجلس مناجاته، وصلاته. ثم أخبر عما بشّرته به الملائكة: (أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى) أي: بولد يوجد لك من صلبك اسمه يحيى. قال قتادة وغيره: إنما سُمِّي يحيى لأن الله تعالى أحياه بالإيمان.
وقوله: (مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) روى العَوْفيّ وغيره عن ابن عباس. وقال الحسن وقتادة وعكرمة ومجاهد وأبو الشعثاء والسُّدي والربيع بن أنس، والضحاك، وغيرهم في هذه الآية: (مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) أي: بعيسى ابن مريم؛ قال الربيع بن أنس: هو أول من صدق بعيسى ابن مريم، وقال قتادة: وعلى سننه ومنهاجه.
ي هذه الآية: (مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) أي: بعيسى ابن مريم؛ قال الربيع بن أنس: هو أول من صدق بعيسى ابن مريم، وقال قتادة: وعلى سننه ومنهاجه. وقال ابن جُرَيْج: قال ابن عباس في قوله: (مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) قال: كان يحيى وعيسى ابني خالة، وكانت أم يحيى تقول لمريم: إني أجد الذي في بطني يَسْجُد للذي في بطنك فذلك تصديقه بعيسى: تصديقه له في بطن أمه، وهو أول من صدق عيسى، وكلمة الله عيسى، وهو أكبر من عيسى عليه السلام، وهكذا قال السدي أيضا.
وقوله: (وَسَيِّدًا) قال أبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة، وسعيد بن جبير، وغيرهم: الحكيم وقال قتادة: سيدًا في العلم والعبادة. وقال ابن عباس، والثوري، والضحاك: السيد الحكيم المتقي وقال سعيد بن المسيب: هو الفقيه العالم. وقال عطية: السيد في خلقه ودينه. وقال عكرمة: هو الذي لا يغلبه الغضب. وقال ابن زيد: هو الشريف.
سيد الحكيم المتقي وقال سعيد بن المسيب: هو الفقيه العالم. وقال عطية: السيد في خلقه ودينه. وقال عكرمة: هو الذي لا يغلبه الغضب. وقال ابن زيد: هو الشريف. وقال مجاهد وغيره هو
الكريم على الله، ﷿.
وقوله: (وَحَصُورًا) رُوي عن ابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي الشعثاء، وعطية العَوْفي أنهم قالوا: هو الذي لا يأتي النساء. وعن أبي العالية والربيع بن أنس: هو الذي لا يولد له. وقال الضحاك: هو الذي لا ولد له ولا ماء له.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن المغيرة، أنبأنا جرير، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس في الحَصُور: الذي لا ينزل الماء، وقد روى ابن أبي حاتم في هذا حديثا غريبًا جدا فقال: حدثنا أبو جعفر محمد بن غالب البغدادي، حدثني سعيد بن سليمان، حدثنا عبادة -يعني ابن العوام-عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المُسَيَّب، عن ابن العاص -لا يدري عبد الله أو عمرو-عن النبي ﷺ في قوله: (وَسَيِّدًا وَحَصُورًا) قال: ثم تناول شيئا من الأرض فقال: "كان ذكره مثل هذا".
ن المُسَيَّب، عن ابن العاص -لا يدري عبد الله أو عمرو-عن النبي ﷺ في قوله: (وَسَيِّدًا وَحَصُورًا) قال: ثم تناول شيئا من الأرض فقال: "كان ذكره مثل هذا".
ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سِنان، حدثنا يحيى بن سعيد القَطَّان، عن يحيى بن سعيد الأنصاري؛ أنه سمع سعيد بن المُسَيَّب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: ليس أحد من خلق الله لا يلقاه بذنب غير يحيى بن زكريا، ثم قرأ سعيد: (وَسَيِّدًا وَحَصُورًا) ثم أخذ شيئا من الأرض فقال الحصور ما كان ذكره مثل ذي وأشار يحيى بن سعيد القطان بطرف إصبعه السبابة. فهذا موقوف وهو أقوى إسنادًا من المرفوع، بل وفي صحة المرفوع نظر، والله ﷾ أعلم.
وقد قال القاضي عياض في كتابه الشفاء: اعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى أنه كان (حَصُورًا) ليس كما قاله بعضهم: إنه كان هيوبا، أو لا ذكر له، بل قد أنكر هذا حُذَّاقُ المفسرين ونقاد العلماء، وقالوا: هذه نقيصة وعيب ولا تليق بالأنبياء، ﵈، وإنما معناه: أنه معصوم من الذنوب، أي لا يأتيها كأنه حصر عنها، وقيل: مانعا نفسه من الشهوات.
نقاد العلماء، وقالوا: هذه نقيصة وعيب ولا تليق بالأنبياء، ﵈، وإنما معناه: أنه معصوم من الذنوب، أي لا يأتيها كأنه حصر عنها، وقيل: مانعا نفسه من الشهوات. وقيل: ليست له شهوة في النساء.
وقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص، وإنما الفضل في كونها موجودة ثم قمعها: إما بمجاهدة كعيسى أو بكفاية من الله ﷿، كيحيى، ﵇. ثم هي حق من أقدر عليها وقام بالواجب فيها ولم تشغله عن ربه درجة علياء، وهي درجة نبينا محمد ﷺ
الذي لم يشغله كثرتهن عن عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة، بتحصينهن وقيامه عليهن، واكتسابه لهن، وهدايته إياهن. بل قد صرّح أنها ليست من حظوظ دنياه هو، وإن كانت من حظوظ دنيا غيره، فقال: "حُبِّبَ إليَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ".
هذا لفظه.
هن، واكتسابه لهن، وهدايته إياهن. بل قد صرّح أنها ليست من حظوظ دنياه هو، وإن كانت من حظوظ دنيا غيره، فقال: "حُبِّبَ إليَّ مِنْ دُنْيَاكُمْ".
هذا لفظه. والمقصود أنه مدح يحيى بأنه حصور ليس أنه لا يأتي النساء، بل معناه كما قاله هو وغيره: أنه معصوم عن الفواحش والقاذورات، ولا يمنع ذلك من تزويجه بالنساء الحلال وغشيانهن وإيلادهن، بل قد يفهم وجود النسل له من دعاء زكريا المتقدم حيث قال: (هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) كأنه قال: ولدًا له ذرية ونسل وعَقِب، والله ﷾ أعلم.
[وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا عيسى بن حماد زُغْبَة ومحمد بن سلمة المرادي قالا حدثنا حجاج، عن سلمان بن القمري، عن الليث بن سعد، عن محمد بن عَجْلان، عن القعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه عليه، إن شاء أو يرحمه، إلا يحيى بن زكريا، فإنه كان سيدًا وحصورًا ونبيا من الصالحين"، ثم أهوى النبي ﷺ إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال: "كان ذكره مثل هذه القذاة"].
شاء أو يرحمه، إلا يحيى بن زكريا، فإنه كان سيدًا وحصورًا ونبيا من الصالحين"، ثم أهوى النبي ﷺ إلى قذاة من الأرض فأخذها وقال: "كان ذكره مثل هذه القذاة"].
قوله: (وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) هذه بشارة ثانية بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى كقوله تعالى لأم موسى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] فلما تحقق زكريا، ﵇، هذه البشارة أخذ يتعجب من وجود الولد منه بعد الكبر (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ) أي الملك: (كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) أي: هكذا أمْرُ الله عظيم، لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه أمر.
غَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ) أي الملك: (كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) أي: هكذا أمْرُ الله عظيم، لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه أمر.
(قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) أي: علامة أستدل بها على وجود الولد مني (قَالَ آيَتُكَ أَلا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزًا) أي: إشارة لا تستطيع النطق، مع أنك سوي صحيح، كما في قوله: ﴿ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠] ثم أمر بكثرة الذكر والشكر والتسبيح في هذه الحال، فقال: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإبْكَارِ) وسيأتي طرف آخر في بسط هذا المقام في أول سورة مريم، إن شاء الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا﴾ لم يبين المانع له من كلام الناس، بكم طرأ له، أو آفة تمنعه من ذلك، أو لا آمر له إلا الله، وهو صحيح لا علة له. ولكنه بين في سورة مريم أنه لا بأس عليه، وأن انتفاء التكلم عنه لا لبكم، ولا مرض، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً (١٠)﴾ لأن قوله "سَوِيّاً" حال من فاعل "تكلم" مفيد لكون انتفاء التكلم بطريق الإعجاز وخرق العادة، لا لاعتقال اللسان بمرض، أي: يتعذر عليك تكليمهم ولا تطيقه، في حال كونك سوي الخلق سليم الجوارح، ما بك شائبة بكم ولا خرس، وهذا ما عليه الجمهور، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ وعن ابن عباس: أن سويا عائد إلى الليالي، أي: كاملات مستويات، فيكون صفة لثلاث، وعليه فلا بيان بهذه الآية لآية آل عمران.
•