Katakanlah (Muhammad), "Wahai Ahli Kitab! Mengapa kamu menghalang-halangi orang-orang yang beriman dari jalan Allah, kamu menghendakinya (jalan Allah) bengkok, padahal kamu menyaksikan?"136) Dan Allah tidak lengah terhadap apa yang kamu kerjakan
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
قال أبو جعفرٍ: قد أتيْنَا على البيانِ عن معنى قولِه: ﴿الم﴾. فيما مضَى، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ،
وكذلك البيانِ عن قولِه: ﴿اللَّهُ﴾.
وأما معنى قولِه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. فإنه خبرٌ من اللهِ ﷿ أخبَر عبادَه أن الألوهةَ خاصَّةٌ به دونَ ما سواه من الآلهةِ والأندادِ، وأن العبادةَ لا تصلُحُ ولا تجوزُ إلا له، لانفرادِه بالربوبيةِ وتَوَحُّدِه بالأُلوهيَّةِ، وأن كلَّ ما دونَه فمِلْكُه، وأن كلَّ ما سواه فخَلْقُه، لا شريكَ له في سلطانِه ومِلْكِه؛ احتجاجًا منه تعالى ذكرُه عليهم، بأن ذلك إذْ كان كذلك، فغيرُ جائزةٍ لهم عبادةُ غيرِه ولا إشراكُ أحدٍ معه في سلطانِه، إذ كان كلُّ معبودٍ سواه فمِلْكُه، وكلُّ مُعَظَّمٍ غيرِه فخَلْقُه؛ وعلى المملوكِ إفرادُ الطاعةِ لمالِكه، وصَرْفُ خدمتِه إلى مولاه ورازقِه، ومُعَرِّفًا مَن كان مِن خَلْقِه - يومَ أنزل ذلك إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ، بتنزيلِه ذلك إليه، وإرسالِه به إليهم على لسانِه، صلواتُ
خدمتِه إلى مولاه ورازقِه، ومُعَرِّفًا مَن كان مِن خَلْقِه - يومَ أنزل ذلك إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ، بتنزيلِه ذلك إليه، وإرسالِه به إليهم على لسانِه، صلواتُ اللهِ عليه وسلامُه - مُقيمًا على عبادةِ وَثَنٍ أو
صنمٍ، أو شمسٍ أو قمرٍ، أو إنسيٍّ أو مَلَكٍ، أو غيرِ ذلك من الأشياءِ التي كانت بنو آدمَ مُقِيمةً على [عبادتِها وإلاهتِها]، ومُتَّخذَه دونَ مالكِه وخالقِه إلهًا وربًّا أنه مُقِيمٌ على ضلالةٍ، ومنعزلٌ عن المَحَجَّةِ، وراكبٌ غيرَ السبيلِ المستقيمةِ، بصرفِه العبادةَ إلى غيرِه، ولا أحدَ له الألوهةُ غيرُه.
ِه إلهًا وربًّا أنه مُقِيمٌ على ضلالةٍ، ومنعزلٌ عن المَحَجَّةِ، وراكبٌ غيرَ السبيلِ المستقيمةِ، بصرفِه العبادةَ إلى غيرِه، ولا أحدَ له الألوهةُ غيرُه.
وقد ذُكِر أن هذه السورةَ ابتدأ اللهُ بتنزيلِ فاتحتِها، بالذي ابتدأ به مِن نفيِ الأُلُوهَةِ أن تكونَ لغيرِه، ووَصْفِه نفسَه بالذي وصفَها به في ابتدائِها؛ احتجاجًا منه بذلك على طائفةٍ من النَّصارَى قَدِمُوا على رسولِ الله ﷺ من نَجْرانَ فحاجُّوه في عيسى صلواتُ اللهِ عليه، وألْحَدُوا في اللهِ، فأنزل اللهُ ﷿ في أمرِهم وأمرِ عيسى من هذه السورةِ، نَيِّفًا وثلاثين آيةً من أوَّلِها؛ احتجاجًا عليهم وعلى من كان على مثلِ مقالتِهم لنبيِّه محمدٍ ﷺ، فأبَوْا إلا المُقامَ على ضلالتِهم وكفرِهم فدعاهم إلى المباهلةِ، فأبَوْا ذلك وسألُوا قَبولَ الجِزْيةِ منهم، فقَبِلها ﷺ منهم، وانصرَفُوا إلى بلادِهم.
، فأبَوْا إلا المُقامَ على ضلالتِهم وكفرِهم فدعاهم إلى المباهلةِ، فأبَوْا ذلك وسألُوا قَبولَ الجِزْيةِ منهم، فقَبِلها ﷺ منهم، وانصرَفُوا إلى بلادِهم. غيرَ أن الأمرَ وإن كان كذلك، وإيّاهم قصَد بالحِجاجِ، فإنَّ مَن كان معناه من سائرِ الخلقِ معناهم في الكفرِ باللهِ، واتخاذِ ما سوى اللهِ ربًّا وإلهًا معبودًا، معمومون بالحُجَّة التي حجَّ اللهُ ﵎ بها مَن نزَلتْ هذه الآياتُ فيه، ومحجوجون في الفُرقانِ الذي فَرَق به لرسولِه ﷺ بينَه وبينَهم.
ذكرُ الروايةِ عمن ذكرْنا قولَه في نزولِ افتتاحِ هذه السورةِ أنه نزَل في الذين وصَفْنا صِفَتَهم من النَّصَارَى
حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ
نزولِ افتتاحِ هذه السورةِ أنه نزَل في الذين وصَفْنا صِفَتَهم من النَّصَارَى
حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ
ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرٍ، قال: قَدِم على رسولِ اللهِ ﷺ وفدُ نَجْرانَ، ستون راكبًا، فيهم أربعةَ عشَرَ رجلًا من أشرافِهم، في الأربعةَ عشَرَ ثلاثةُ نَفَرٍ، إليهم يئولُ أمرُهم: العاقبُ؛ أميرُ القومِ وذو رأيِهم وصاحبُ مَشورتِهم، والذي لا يَصْدرُون إلا عن رأيِه، واسمُه عبدُ المسيحِ، والسيِّدُ؛ ثِمالُهم وصاحبُ رحلِهم ومُجْتَمَعِهم، واسمُه الأَيْهَمُ، وأبو حارثةَ بنُ علقمةَ؛ أحدُ بكرِ بن وائلٍ، [أسْقُفُّهم وحَبْرُهم] وإمامُهم وصاحبُ مِدْراسهم.
وكان أبو حارثةَ قد شَرُف فيهم، ودرَس كتبَهم، حتى حسُن علمُه في دينِهم، فكانت ملوكُ الرومِ من أهلِ النصرانيَّةِ قد شرَّفُوه وموَّلُوه وأخدَمُوه وبَنَوْا له الكنائسَ، وبسَطُوا عليه الكراماتِ؛ لما يَبْلُغُهم عنه من علمِه واجتهادِه في دينِهم.
ِ من أهلِ النصرانيَّةِ قد شرَّفُوه وموَّلُوه وأخدَمُوه وبَنَوْا له الكنائسَ، وبسَطُوا عليه الكراماتِ؛ لما يَبْلُغُهم عنه من علمِه واجتهادِه في دينِهم.
قال ابن إسحاق: قال محمدُ بنُ جعفرِ بن الزُّبيرِ: قَدِموا على رسولِ اللهِ ﷺ المدينةَ، فدخَلوا عليه مسجدَه حينَ صلَّى العصرَ، عليهم ثيابُ الحِبَراتِ جُبَبٌ وأرديةٌ، في [جمال رجالِ] بَلْحارثِ بن كعبٍ. قال: يقولُ بعضُ مَن رآهم من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يومئذٍ: ما رأيْنا بعدَهم وفدًا مثلَهم، وقد حانتْ صلاتُهم، فقاموا يُصَلُّون في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "دَعُوهم".
صحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يومئذٍ: ما رأيْنا بعدَهم وفدًا مثلَهم، وقد حانتْ صلاتُهم، فقاموا يُصَلُّون في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "دَعُوهم". فَصَلُّوا إلى المَشْرِقِ.
قال: وكانت تسميةُ الأربعةَ عشَرَ منهم الذين يَئُولُ إليهم أمرُهم: العاقبُ وهو عبدُ المسيحِ، والسيِّدُ وهو الأَيْهَمُ، وأبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ أخو بكرِ بن وائلٍ، وأوسٌ، والحارثُ، وزيدٌ، وقيسٌ، ويزيدُ، ونُبَيةٌ، وخويلدٌ، و عمرٌو، وخالدٌ، وعبدُ اللهِ، ويُحَنَّسُ، في ستين راكبًا، فكلَّم رسولَ اللهِ ﷺ منهم أبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ، والعاقبُ عبدُ المسيحِ، والأيْهَمُ السَّيِّدُ، وهم من النصرانيةِ على دينِ الملِكِ، مع اختلافِ من أمرِهم يقولون: هو اللهُ. ويقولون: هو ولدُ اللهِ. ويقولون: هو ثالثُ ثلاثةٍ. وكذلك قولُ النصرانيةِ، فهم يَحْتَجُّون في قولِهم: هو اللهُ.
مع اختلافِ من أمرِهم يقولون: هو اللهُ. ويقولون: هو ولدُ اللهِ. ويقولون: هو ثالثُ ثلاثةٍ. وكذلك قولُ النصرانيةِ، فهم يَحْتَجُّون في قولِهم: هو اللهُ. بأنه كان يُحيِى الموتى، ويُبْرِئُ الأسقامَ، ويُخْبِرُ بالغُيوبِ، ويَخلُقُ من الطينِ كهيئةِ الطيرِ ثم ينفُخُ فيه فيكونُ طائرًا، وذلك كلُّه بإذنِ اللهِ، ليجعلَه آيةً للناسِ. ويَحتجُّون في قولِهم: إنه ولدُ اللهِ. أنهم يقولون: لم يكنْ له أبٌ يُعْلَمُ، وقد تكلَّم في المهدِ، شيءٌ لم يَصْنَعْه أحدٌ من ولدِ آدمَ قبلَه. ويحتجُّون في قولِهم: إنه ثالثُ ثلاثةٍ. بقولِ اللهِ ﷿: فعلْنا وأمَرْنا، وخلَقْنا وقضَيْنا. فيقولون: لو كان واحدًا ما قال إلا: فعلتُ وأمَرْتُ وقضَيْتُ وخَلَقْتُ، ولكنّه هو، وعيسى، ومريمُ. ففي كلِّ ذلك من قولِهم قد نزَل القرآنُ، وذكَر اللهُ لنبيِّه ﷺ فيه قولَهم، فلمّا كلَّمه الحَبْرانِ، قال لهما رسولُ اللهِ ﷺ: "أسْلِما". قالا: قد أسلَمْنا. قال: "إنَّكما لم تُسْلِما، فأسْلِما". قالا: بلى، قد أسلَمْنا قبلَك.
م، فلمّا كلَّمه الحَبْرانِ، قال لهما رسولُ اللهِ ﷺ: "أسْلِما". قالا: قد أسلَمْنا. قال: "إنَّكما لم تُسْلِما، فأسْلِما". قالا: بلى، قد أسلَمْنا قبلَك. قال: "كَذَبْتُمَا، يَمْنَعُكُما مِن الإِسلامِ دعاؤُكما للهِ ﷿ وَلَدًا، وعبادَتُكما الصَّليب، وأكْلُكما الخِنزِيرَ". قالا: فمن
أبوه يا محمدُ؟ فصمَت رسولُ اللهِ ﷺ عنهما فلم يُجِبْهما، فأنزل اللهُ في ذلك من قولِهم، واختلافِ أمرِهم كلِّه، صدرَ سورةِ "آلِ عمرانَ" إلى بضْعٍ وثمانين آيةً منها، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
ك من قولِهم، واختلافِ أمرِهم كلِّه، صدرَ سورةِ "آلِ عمرانَ" إلى بضْعٍ وثمانين آيةً منها، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. فافتتح السورةَ بتَبْرِئتِه نفسَه ﵎ مما قالوا، وتوحيدِه إيّاها بالخلقِ والأمرِ، لا شريكَ له فيه؛ ردًّا عليهم ما ابتدَعوا من الكفرِ، وجعَلوا معه من الأندادِ، واحتجاجًا عليهم بقولِهم في صاحبِهم، ليُعَرِّفَهم بذلك ضَلالتَهم، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي ليس معه شريكٌ في أمرِه.
حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع في قولِه: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. قال: إن النَّصارَى أتَوْا رسولَ اللهِ ﷺ فخاصَمُوه في عيسى ابن مريمَ، وقالوا له: من أبوه؟ وقالوا على اللهِ الكَذِبَ والبُهْتانَ - لا إلهَ إلا هو، لم يَتَّخِذْ صاحبةً ولا ولدًا - فقال لهم النبيُّ ﷺ: "ألستُم تَعْلَمُون أنَّه لا يكونُ وَلَدٌ إلا وهو يُشْبِهُ أباه؟ ". قالوا: بلى.
- لا إلهَ إلا هو، لم يَتَّخِذْ صاحبةً ولا ولدًا - فقال لهم النبيُّ ﷺ: "ألستُم تَعْلَمُون أنَّه لا يكونُ وَلَدٌ إلا وهو يُشْبِهُ أباه؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستُم تَعْلَمُونَ أَنَّ ربَّنا حيٌّ لا يموتُ، وأنَّ عيسى يأتى عليه الفناءُ؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستُم تَعْلَمُون أَنَّ ربَّنا قَيِّمٌ على كلِّ شيءٍ، يَكْلَؤُه ويَحْفَظُه ويَرْزُقُه؟ ". قالوا: بلى. قال: "فهل يَمْلِكُ عيسى من ذلك شيئًا؟ ". قالوا: لا. قال: "أفلستُم تَعْلَمُونَ أَنَّ الله ﷿ لا يَخْفَى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ؟ ". قالوا: بلى. قال: "فهل يعلَمُ عيسى من ذلك شيئًا إلا ما عُلِّمَ؟ ". قالوا: لا. قال: "فَإِنَّ رَبَّنَا صَوَّرَ عيسى في الرَّحِمِ كيف شاء". قال: "ألستُم تَعْلَمون أنَّ ربَّنَا لا يَأْكُلُ الطعامَ، ولا يَشْرَبُ
الشَّرابَ، ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى.
رَ عيسى في الرَّحِمِ كيف شاء". قال: "ألستُم تَعْلَمون أنَّ ربَّنَا لا يَأْكُلُ الطعامَ، ولا يَشْرَبُ
الشَّرابَ، ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستم تَعْلَمُون أَنَّ عيسى حَمَلَتْه امرأةٌ كما تَحْمِلُ المرأةُ، ثم وَضَعَتْه كما تَضَعُ المرأةُ وَلَدَها، ثم غُذِّيَ كما يُغَذَّى الصبيُّ، ثم كان يَطْعَمُ الطعامَ، ويَشرَبُ الشَّرابَ، ويُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى. قال: "فكيف يكونُ هذا كما زعمتُم؟ ". قال: فعرَفوا ثم أبَوْا إِلا جُحُودًا، فأنزل اللهُ ﷿: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)﴾.
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: يا معشرَ يهودِ بني إسرائيلَ وغيرِهم ممن يَنْتَحِلُ التصديقَ بكتبِ اللهِ، ﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ﴾ يقولُ: لم تُضِلُّون عن طريقِ اللهِ ومَحَجَّتِه التي شرَعها لأنبيائه وأوليائِه وأهلِ الإيمانِ ﴿مَنْ آمَنَ﴾ يَقولُ: من صدَّق باللهِ ورسولِه وما جاء به من عندِ اللهِ، ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ يعنى: تبغُون لها عوجًا.
والهاءُ والألفُ اللتان في قولِه: ﴿تَبْغُونَهَا﴾ عائدتان على ﴿سَبِيلِ﴾، وأنَّثها لتأنيثِ السبيلِ.
ومعنى قولِه: [تَبْغون لها عِوَجًا]. من قولِ الشاعرِ، وهو سُحيمٌ عبدُ بنى الحَسْحاسِ:
بغَاك وما تَبْغِيه حتى وجَدْتَهُ … كأنك قد وَاعَدْتَه أَمسِ مَوْعِدَا
يعنى: طَلَبَك وما تطلبه
يقالُ: ابْغِنى كذا. يُرادُ: ابْتَغِه لى. فإذا أرادوا: أَعِنِّي على طلبِه وابْتَغِه معى.
… كأنك قد وَاعَدْتَه أَمسِ مَوْعِدَا
يعنى: طَلَبَك وما تطلبه
يقالُ: ابْغِنى كذا. يُرادُ: ابْتَغِه لى. فإذا أرادوا: أَعِنِّي على طلبِه وابْتَغِه معى. قالوا: أَبْغِنى. بفتحِ الألفِ. وكذلك يقالُ: احْلِبْنى. بمعنى: اكْفِني الحَلْبَ. وأَحْلِبْني: أعنِّى عليه. وكذلك جميعُ ما ورَد من هذا النوعِ فعلى هذا.
وأما العِوَجُ فهو الأَوَدُ والمَيْلُ. وإنما يعنى بذلك الضلالَ عن الهدَى. يقولُ جلَّ ثناؤُه: لمَ تصدُّون عن دينِ اللَّهِ مَن صَدَّق الله ورسولَه، تَبْغون دينَ اللَّهِ اعوجاجًا عن سَنَنِه واستقامته.
وخرج الكلامُ على "السبيل" والمعنى لأهلِه. كأن المعنى: تَبْغون لأهلِ دينِ اللهِ ولمن هو على سبيلِ الحقِّ، ﴿عِوَجًا﴾. يقولُ: ضلالًا عن الحقِّ، وزَيْغًا عن الاستقامةِ على الهدى والمحجَّةِ.
والعِوَجُ بكسرِ أولِه: الأودُ في الدينِ والكلامِ. والعَوَجُ بفتحِ أولِه: المَيْلُ في الحائطِ والقناةِ وكلِّ شيءٍ منتصبٍ قائمٍ.
وأمَّا قولُه: ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾.
أولِه: الأودُ في الدينِ والكلامِ. والعَوَجُ بفتحِ أولِه: المَيْلُ في الحائطِ والقناةِ وكلِّ شيءٍ منتصبٍ قائمٍ.
وأمَّا قولُه: ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾. فإنه يعنى: شهداءَ على أن الذي تصُدُّون عنه من السبيل حقٌّ، تعلَمونه وتجدونه في كتبِكم. ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. يقولُ: ليس اللهُ بغافلٍ عن أعمالِكم التي تَعْمَلونها مما لا يَرْضاه لعبادِه، وغيرِ ذلك من أعمالِكم، حتى يُعاجلَكم بالعقوبِة عليها مُعجَّلةً، أو يُؤخِّرَ ذلك لكم حتى تَلْقَوه فيُجازيكم عليها.
وقد ذُكر أن هاتين الآيتين من قولِه ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ
اللَّهُ﴾ والآياتِ بعدَهما، إلى قولِه: ﴿[وَأُولَئِكَ] لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
هاتين الآيتين من قولِه ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ
اللَّهُ﴾ والآياتِ بعدَهما، إلى قولِه: ﴿[وَأُولَئِكَ] لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. نَزَلَتْ في رجلٍ من يهودَ، حاوَل الإغراءَ بين الحيَّيْن من الأوسِ والخزرجِ بعدَ الإسلامِ، ليُراجِعوا ما كانوا عليه في جاهليَّتِهم من العداوةِ والبغضاءِ، فعَنَّفَهُ اللَّهُ بفعلِه ذلك، وقبَّح له ما فعَل، ووَبَّخه عليه، ووعَظ أيضا أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ، ونهاهم عن الافتراق والاختلافِ، وأمَرهم بالاجتماعِ والائْتلافِ.
ذكرُ الروايةِ بذلك
، وقبَّح له ما فعَل، ووَبَّخه عليه، ووعَظ أيضا أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ، ونهاهم عن الافتراق والاختلافِ، وأمَرهم بالاجتماعِ والائْتلافِ.
ذكرُ الروايةِ بذلك
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى الثقةُ، عن زيدِ بن أسلمَ، قال: مرَّ شَأْسُ بن قيسٍ - وكان شيخًا قد عسَا في الجاهليَّةِ، عظيمَ الكفرِ، شديدَ الضِّغْنِ على المسلمين، شديدَ الحسَدِ لهم - على نفرٍ من أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ مِن الأوسِ والخزرجِ، في مجلسٍ قد جَمَعَهم يتحدَّثون فيه، فغاظَه ما رأى من جماعتِهم وأُلْفَتِهم، وصلاحِ ذاتِ بَيْنِهم على الإسلامِ، بعدَ الذي كان بينَهم من العداوةِ في الجاهليةِ، فقال: قد اجْتَمع مَلأُ بني قَيْلَةَ بهذه البلادِ، لا واللَّهِ ما لنا معهم إذا اجْتَمع مَلَؤُهم بها من قرارٍ. فأمرَ فتًى شابًّا مِن يَهودَ، وكان معه، فقال: اعمِدْ إليهم، فاجْلِسْ معهم، وذكِّرْهم يومَ بُعاثٍ وما كان قبلَه، وأَنْشِدْهم بعضَ ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعارِ.
بًّا مِن يَهودَ، وكان معه، فقال: اعمِدْ إليهم، فاجْلِسْ معهم، وذكِّرْهم يومَ بُعاثٍ وما كان قبلَه، وأَنْشِدْهم بعضَ ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعارِ. وكان يومُ بُعاتٍ يومًا اقْتَتَلَتْ
فيه الأوسُ والخزرجُ، وكان الظَّفَرُ فيه للأوسِ على الخزرجِ، فَفَعَلَ. فتَكَلَّم القومُ عندَ ذلك، فتنازعوا وتفاخروا، حتى تَوَاثَبَ رجلان من الحيَّيْن على الرُّكَبِ؛ أَوْسُ بنُ قَيْظِيٍّ، أحدُ بني حارثةَ بن الحارثِ، من الأوسِ، وجَبَّارُ بنُ صخرٍ، أحدُ بني سَلِمةَ من الخزرجِ، فتقاولا، ثم قال أحدُهما لصاحبِه: إن شئتم واللَّهِ رَدَدْناها الآنَ جَذَعةً. وغضِب الفريقان، وقالوا: قد فعَلْنا، السلاحَ السلاحَ، موعدُكم الظاهِرةُ. والظاهرةُ الحَرَّةُ.
ُهما لصاحبِه: إن شئتم واللَّهِ رَدَدْناها الآنَ جَذَعةً. وغضِب الفريقان، وقالوا: قد فعَلْنا، السلاحَ السلاحَ، موعدُكم الظاهِرةُ. والظاهرةُ الحَرَّةُ. فخرَجوا إليها، وتَحَاوَزَ الناسُ، فَانْضَمَّتِ الأُوسُ بعضُها إلى بعضٍ، والخزرجُ بعضُها إلى بعضٍ، على دعواهم التي كانوا عليها في الجاهليةِ، فبلَغ ذلك رسول اللَّهِ ﷺ، فخرَج إليهم في مَن معه مِن المهاجرين من أصحابِه، حتى جاءهم، فقال: "يا معشرَ المسلمين، اللَّهَ اللَّهَ، أبِدعوَى الجاهليةِ وأنا بينَ أَظْهُرِكم، بعدَ إذ هداكم اللَّهُ إلى الإسلام، وأَكْرَمَكم به، وقطَع به عنكم أمرَ الجاهليةِ، واسْتَنْقَذكم به من الكفرِ، وألَّف به بينَكم، تَرْجِعون إلى ما كنتم عليه كفارًا"؟
اللَّهُ إلى الإسلام، وأَكْرَمَكم به، وقطَع به عنكم أمرَ الجاهليةِ، واسْتَنْقَذكم به من الكفرِ، وألَّف به بينَكم، تَرْجِعون إلى ما كنتم عليه كفارًا"؟ فعرَف القومُ أَنها نَزْعَةٌ من الشيطانِ، وكيدٌ من عدوِّهم، فأَلْقَوُا السلاحَ من أيدِيهِم، وبكَوْا، وعانَق الرجالُ من الأوسِ والخزرجِ بعضُهم بعضًا، ثم انْصَرَفوا مع رسولِ اللَّهِ ﷺ سامعين مطيعين، قد أَطْفأ اللَّهُ عنهم كيدَ عدوِّ اللَّهِ شأْسِ بن قيسٍ وما صنَع، فأَنْزَلَ اللَّهُ في شأْسِ بن قيسٍ وما صنَع: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ الآية.
هِ ﷺ، أيامَ نزَلت هذه الآياتُ، والنصارى، وأن صدَّهم عن سبيلِ اللَّهِ كان بإخبارهم مَن سأَلهم عن أمرِ نبيِّ اللَّهِ محمدٍ ﷺ: هل يجدون ذكرَه في كتبِهم؟ أنهم لا يجدون نَعْتَه في كتبِهم.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: كانوا إذا سأَلهم أحدٌ: هل تجدون محمدًا؟ قالوا: لا. فصدُّوا عنه الناسَ. وبَغَوْا محمدًا عِوَجًا: هلاكًا.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَهْلَ
الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
ِوَجًا: هلاكًا.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَهْلَ
الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقول: لم تَصُدُّون عن الإسلامِ وعن نبيِّ اللَّهِ من آمن باللَّهِ، وأنتم شهداءُ فيما تَقْرَءون من كتابِ اللَّهِ أن محمدًا رسولُ اللَّهِ، وأن الإسلامَ دينُ اللَّهِ الذي لا يقبَلُ غيرَه، ولا يَجْزِى إلَّا به، تجدونه مكتوبًا عندَكم في التوراةِ والإنجيلِ؟
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ نحوَه.
حدَّثنا محمدُ بن سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: ثنا عَبَّادٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
حدَّثنا محمدُ بن سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ، قال: ثنا عَبَّادٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: هم اليهودُ والنصارى، نَهاهم أن يَصُدُّوا المسلمين عن سبيلِ اللَّهِ، ويريدون أن يَعْدِلُوا الناسَ إلى الضلالةِ.
فتأويلُ الآيةِ على ما قاله السُّدِّيُّ: يا معشرَ اليهودِ، لم تصُدُّون عن محمدٍ، وتَمْنَعون مِن اتِّباعِه المؤمنين به؛ بكتمانِكم صفتَه التي تَجِدونها في كتبِكم. ومحمدٌ على هذا القولِ هو السبيلُ. ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾: تبغون محمدًا. هلاكًا.
وأما سائرُ الرواياتِ غيرِه، والأقوالِ في ذلك، فإنه نحوُ التأويلِ الذي بيَّنَّاه
قبلُ، مِن أن معنى السبيلِ التي ذكَرها في هذا الموضعِ الإسلامُ، وما جاء به محمدٌ من الحقِّ من عندِ اللَّهِ.
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)﴾
هذا تعنيف من الله تعالى لكَفَرة أهل الكتاب، على عنادهم للحق، وكفرهم بآيات الله، وصَدِّهم عن سبيله مَنْ أراده من أهل الإيمان بجهدهم وطاقتهم مع علمهم بأن ما جاء به الرسول حق من الله، بما عندهم من العلم عن الأنبياء الأقدمين، والسادة المرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وما بَشَّروا به ونوَّهُوا، من ذِكْر النبي [ﷺ] الأميّ الهاشمي العربي المكّيّ، سيد ولد آدم، وخاتم الأنبياء، ورسول رب الأرض والسماء.
سلامه عليهم أجمعين، وما بَشَّروا به ونوَّهُوا، من ذِكْر النبي [ﷺ] الأميّ الهاشمي العربي المكّيّ، سيد ولد آدم، وخاتم الأنبياء، ورسول رب الأرض والسماء. وقد توعدهم [الله] تعالى على ذلك بأنه شهيد على صَنِيعهم ذلك بما خالفوا ما بأيديهم عن الأنبياء، ومقاتلتهم الرسول المُبشر بالتكذيب والجحود والعناد، وأخبر تعالى أنه ليس بغافل عما يعملون، أي: وسيجزيهم على ذلك يوم لا ينفعهم مال ولا بنون.