agar Allah memberikan balasan kepada orang-orang yang benar itu karena kebenarannya, dan mengazab orang munafik jika Dia kehendaki, atau menerima tobat mereka. Sungguh, Allah Maha Pengampun, Maha Penyayang
ولُ: فمنهم مَن فرَغ من العملِ الذي كان نذَره للهِ، وأوجَبه له على نفسِه، فاسْتُشْهِد بعضٌ يومَ بدرٍ، وبعضٌ يومَ أحدٍ، وبعضٌ في غيرِ ذلك مِن المواطنِ. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ قضاءَهن والفراغَ منه، كما قضَى مَن مضَى منهم على الوفاءِ للهِ بعهدِه، والنصْرِ من اللهِ، والظَّفَرِ على عدوِّه.
والنَّحْبُ: النذْرُ في كلامِ العربِ، وللنَّحْبِ أيضًا في كلامِهم وجوهٌ غيرُ ذلك؛ منها الموتُ، كما قال الشاعرُ:
*قَضَى نَحْبَه فِي مُلْتَقَى القَوْمِ هَوْبَرُ *
يعنى: مَنِيَّتَه ونفسَه. ومنها الخَطَرُ العظيمُ، كما قال جريرٌ:
بِطَخْفَةَ جالَدْنا المُلُوكَ وخَيْلُنا … عَشِيَّةَ بَسْطَامٍ جَرَيْنَ على نَحْبِ
أي على خَطَرٍ عظيمٍ. ومنها النَّحِيبُ، يقالُ: نحَب في سيرِه يومَه أجمعَ.
ْفَةَ جالَدْنا المُلُوكَ وخَيْلُنا … عَشِيَّةَ بَسْطَامٍ جَرَيْنَ على نَحْبِ
أي على خَطَرٍ عظيمٍ. ومنها النَّحِيبُ، يقالُ: نحَب في سيرِه يومَه أجمعَ. [إِذا مَدَّ، فلم يَنزِلْ يومَه] وليلَتَه، ومنها التنحيبُ، وهو الخطار، كما قال الشاعر:
وإِذْ نَحْبَتْ كَلْبٌ على الناسِ أَيُّهُمْ … أحَقُّ بِتَاجِ المَاجِدِ المُتكرِّمِ
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: ثنى يزيدُ بنُ رُومان: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾: أي وفَّوا الله بما عاهَدوه عليه، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾.
بنُ رُومان: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾: أي وفَّوا الله بما عاهَدوه عليه، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. أي: فرَغ من عملِه، ورجَع إلى ربِّه، كمَن اسْتُشهِد يومَ بدرٍ ويومَ أُحُدٍ، ومنهم مَن ينتظرُ ما وعَد الله مِن نصرِه، أو الشهادةِ على ما مضَى عليه أصحابُه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. قال: عهدَه، فقُتِل أو عاشَ ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِر﴾
يومًا فيه جهادٌ، فيَقْضى نحبَه؛ عهدَه فيُقْتَلُ أو يَصْدُقُ في لقائِه.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن عُيينةَ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. قال: عهدَه، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾. قال: يومًا فيه قتالٌ، فيصْدُقُ في اللقاءِ.
قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾.
عهدَه، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾. قال: يومًا فيه قتالٌ، فيصْدُقُ في اللقاءِ.
قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. قال: ماتَ على العهدِ.
قال: ثنا أبو أُسامةَ، عن عبدِ اللهِ بن فلانٍ، قد سمَّاه ذهَب عنى اسمُه، عن أبيه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. قال: نَذْرَه.
قال:: [حدَّثنا ابن إدريسَ]، عن طلحةَ بن يحيى، عن عمِّه عيسى بن طلحةَ، أن أعرابيًّا أتَى النبيَّ ﷺ، فسأله: مَن الذين قَضَوا نَحْبَهم؟ فأعرَض عنه، ثم سأله، فأعرَض عنه، ودخَل طلحةُ مِن بابِ المسجدِ وعليه ثوبانِ أخضرانِ، فقال: "هذا مِن الذين قَضَوا نَحْبَهم".
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾.
نِ، فقال: "هذا مِن الذين قَضَوا نَحْبَهم".
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. قال: موتُه على الصدقِ والوفاءِ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ
يَنْتَظِرُ﴾ الموتَ على مثلِ ذلك، ومنهم مَن بدَّل تبديلًا.
حدَّثني محمدُ بنَ عُمارةَ، قال: ثنا عبيدَ اللهِ بنُ موسى، قال: أخبَرنا إسرائيلُ، عن سعيدِ بن مسروقٍ، عن مجاهدٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾. قال: النَّحْبُ العهدُ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ على الصدقِ والوفاءِ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِر﴾ مِن نفسِه الصدقَ والوفاءَ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾.
نْهُمْ مَنْ يَنْتَظِر﴾ مِن نفسِه الصدقَ والوفاءَ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. قال: ماتَ على ما هو عليه مِن التصديقِ والإيمانِ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ ذلك.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى بُكَيرٍ، قال شَرِيكُ بنُ عبدِ اللَّهِ: أَخبَرناه عن سالمٍ، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾. قال: الموتُ على ما عاهَد الله عليه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ الموتَ على ما عاهَد الله عليه.
وقيل: إن هذه الآية نزلَت في قومٍ لم يشهَدوا بدرًا، فعاهَدوا الله أن يَفُوا قتالًا
للمشركين مع رسولِ الله ﷺ، فمنهم مَن أوفَى فقضَى نَحْبَه، ومنهم من بدَّل.
إن هذه الآية نزلَت في قومٍ لم يشهَدوا بدرًا، فعاهَدوا الله أن يَفُوا قتالًا
للمشركين مع رسولِ الله ﷺ، فمنهم مَن أوفَى فقضَى نَحْبَه، ومنهم من بدَّل. ومنهم مَن أوفَى ولم يَقْضِ نحبَه، وكان منتظرًا، على ما وصَفهم اللهُ به مِن صفاتِهم في هذه الآيةِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، أن أنسَ بن النضرِ تَغيَّبَ عن قتال بدرٍ، فقال: تغيبتُ أوَّلِ مشهدٍ شَهِده رسولُ اللهِ ﷺ، لئن رأيتُ قتالًا لَيَرَيَنَّ اللَّهُ ما أصنعُ. فلما كان يومُ أُحُدٍ، وهُزِم الناسُ، لقِى سعدَ بنَ معاذٍ، فقال: والله إنى لأجِدُ ريح الجنةِ.
اللهِ ﷺ، لئن رأيتُ قتالًا لَيَرَيَنَّ اللَّهُ ما أصنعُ. فلما كان يومُ أُحُدٍ، وهُزِم الناسُ، لقِى سعدَ بنَ معاذٍ، فقال: والله إنى لأجِدُ ريح الجنةِ. فتقدَّم فقاتَل حتى قُتِل، فنزلَت فيه هذه الآيةُ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ بَكْرٍ، قال: ثنا حَميدٌ، قال: زعَم أَنسُ بن مالكٍ قال: غابَ أَنسُ بنُ النَّضْرِ عن قتالِ يومِ بدرٍ، فقال: غِبْتُ عن قتالِ رسولِ اللهِ ﷺ المشركين، لَئِنْ أشْهَدنى اللهُ قتالًا لَيَرَيَنَّ اللهُ ما أصنعُ. فلما كان يومُ أُحدٍ انكشَف المسلمون، فقال: اللهمَّ إنى أبرأُ إليك مما جاء به هؤلاء المشركون، وأعتذرُ إليك مما صنَع هؤلاء - يعنى المسلمين -. فمشَى بسيفه، فلَقِيه سعدُ بنُ مُعاذٍ، فقال: أي سعدُ، إنى لأجِدُ ريح الجنةِ دونَ أُحدٍ. فقال سعدٌ: يا رسولَ اللهِ، فما استطعتُ أن أصنعَ ما صنعَ.
ين -. فمشَى بسيفه، فلَقِيه سعدُ بنُ مُعاذٍ، فقال: أي سعدُ، إنى لأجِدُ ريح الجنةِ دونَ أُحدٍ. فقال سعدٌ: يا رسولَ اللهِ، فما استطعتُ أن أصنعَ ما صنعَ. قال أنسُ بنُ مالكٍ: فوجَدناه بينَ القَتْلَى، به بِضْعٌ وثمانون جِراحةً؛
بين ضربةٍ بسيفٍ، وطَعْنةٍ برمحٍ، ورَمْيَةٍ بسهمٍ، فما عرفناه حتى عرفتْه أختُه ببَنانه. قال أنسٌ: فكُنَّا نتحدَّثُ أن هذه الآيةَ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ نزلَت فيه وفى أصحابه.
حدَّثنا سَوَّارُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قال: ثنا المعتمرُ، قال: سمعتُ حُمَيدًا يحدِّثُ، عن أنسِ بن مالكٍ، أن أنسَ بنَ النضرِ غابَ عن قتالِ بدرٍ. ثم ذكَر نحوَه.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، قال: ثنا طلحةُ بنُ يحيى، عن موسى وعيسى ابنى طلحةَ، عن طلحةَ، أن أعرابيًّا أتَى رسولَ اللهِ ﷺ، قال: وكانوا لا يجرُؤون على مسألتِه، فقالوا للأعرابيِّ: ﴿مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾؛ مَن هو؟
سى وعيسى ابنى طلحةَ، عن طلحةَ، أن أعرابيًّا أتَى رسولَ اللهِ ﷺ، قال: وكانوا لا يجرُؤون على مسألتِه، فقالوا للأعرابيِّ: ﴿مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾؛ مَن هو؟ فسألَه، فأعرَض عنه، ثم سأله، ثم سأله، فأعرَض عنه، ثم دخلتُ مِن بابِ المسجدِ وعليَّ ثيابٌ خُضْرٌ، فلما رأني رسولُ اللهِ ﷺ قال: "أينَ السَّائِلُ عَمَّن قَضَى نَحْبَه؟ ". قال الأعرابيُّ: أنا يا رسولَ اللَّهِ. قال: "هذا مِمَّن قَضَى نَحْبَه".
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا عبدُ الحميدِ الحِمَّانيُّ، عن إسحاقَ بن يحيى الطَّلْحِيِّ، عن موسى بن طلحةَ، قال: قامَ معاويةُ بن أبي سفيانَ، فقال: إني سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "طلحةُ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَه".
عن إسحاقَ بن يحيى الطَّلْحِيِّ، عن موسى بن طلحةَ، قال: قامَ معاويةُ بن أبي سفيانَ، فقال: إني سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "طلحةُ مِمَّنْ قَضَى نَحْبَه".
حدَّثني محمدُ بنُ عمرِو بن تمامٍ الكلبيُّ، قال: ثنا سليمانُ بنُ أيوبَ، قال: ثنى أبي، عن إسحاقَ بن يحيى بن طلحةَ، عن عمِّه موسى بن طلحةَ، عن أبيه طلحةَ، قال: لمَّا قدِمْنا من أُحدٍ، وصِرْنا بالمدينةِ، صعد النبيُّ ﷺ المنبرَ، فخطَب الناسَ وعَزَّاهم، وأخبرهم بما لهم فيه من الأجر، ثم قرأ: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾. الآيةَ، قال: فقام إليه رجلٌ فقال: يا رسولَ اللَّهِ، مَن هؤلاء؟ فالتفَت وعليَّ ثوبانِ أخضَران، فقال: "أَيُّها السَّائِلُ، هذا منهم".
وقولُه: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. يقول: [وما غَيَّروا العهدَ الذي عاهَدوا ربَّهم تَغْييرًا، كما غيَّره المُعوِّقون القائِلون لإخْوانِهم: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾. [الأحزاب: ١٨]، والقائلون: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾.
ذي عاهَدوا ربَّهم تَغْييرًا، كما غيَّره المُعوِّقون القائِلون لإخْوانِهم: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾. [الأحزاب: ١٨]، والقائلون: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾. [الأحزاب: ١٣].
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ]
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.
يقولُ: ما شكُّوا وما تَردَّدوا في دينهم، ولا استبدَلوا به غيرَه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَا
بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾: لم يُغيِّروا دينهم كما غيَّر المنافقون.
وقولُه: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ﴾ منهم ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾.
ْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ﴾ منهم ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾. يقولُ: ليُثِيبَ اللهُ أهلَ الصدقِ منهم بصِدْقِهم الله بما عاهَدوه عليه، ووفائِهم له به، ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾ بكفرِهم باللهِ ونفاقِهم، ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ مِن نفاقِهم، فيَهْديَهم للإيمانِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: إن شاء أخرجَهم مِن النفاقِ إلى الإيمانِ.
إن قال قائلٌ: ما وَجْهُ الشرطِ في قولِه: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾ بقولِه: ﴿إِنْ شَاءَ﴾، والمنافقُ كافرٌ؟ وهل يجوزُ ألَّا يشاءَ تعذيبَ المنافقِ؛ فيقالَ: ويُعذّبُه إِن شاء؟
شرطِ في قولِه: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾ بقولِه: ﴿إِنْ شَاءَ﴾، والمنافقُ كافرٌ؟ وهل يجوزُ ألَّا يشاءَ تعذيبَ المنافقِ؛ فيقالَ: ويُعذّبُه إِن شاء؟ قيل: إن معنى ذلك على غيرِ الوجهِ الذي تَوَهَّمْتَهُ، وإنما معنى ذلك: ويعذِّبَ المنافقين، بألَّا يوفَّقَهم للتوبةِ مِن نفاقِهم، حتى يَموتوا على كفرِهم إن شاء، فيستوجِبوا بذلك العذابَ. فالاستثناءُ إنما هو مِن أجلِ التوفيقِ، لا مِن العذابِ إن ماتوا على نفاقهم.
وقد بَيَّن ما قلنا في ذلك قولهُ: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. [فمعنى الكلامِ إِذنْ ويعذِّبَ المنافقين إذ لم يَهْدِهم للتوبة]، فيوفِّقْهم لها، أو يتوبَ عليهم فلا يعذِّبَهم.
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. يقولُ: إن الله كان ذا سِتْرٍ على ذنوبِ التائبين، رحيمًا بالتائبِين أن يعاقبَهم بعدَ التوبةِ.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا (٢٣) لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٢٤)﴾
لمَّا ذكر عن المنافقين أنهم نقضوا العهد الذي كانوا عاهدوا الله عليه لا يولون الأدبار، وصف المؤمنين بأنهم استمروا على العهد والميثاق و (صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ)، قال بعضهم: أجله.
وقال البخاري: عهده.
نين بأنهم استمروا على العهد والميثاق و (صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ)، قال بعضهم: أجله.
وقال البخاري: عهده. وهو يرجع إلى الأول.
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا) أي: وما غيروا عهد الله، ولا نقضوه ولا بدلوه.
قال البخاري: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال: أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه قال: لما نسخنا الصُّحُف، فَقَدْتُ آيةً من "سورة الأحزاب" كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرؤها، لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة بن ثابت الأنصاري -الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادة رجلين -: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ)
انفرد به البخاري دون مسلم. وأخرجه أحمد في مسنده، والترمذي والنسائي -في التفسير من سننيهما -من حديث الزهري، به.
دَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ)
انفرد به البخاري دون مسلم. وأخرجه أحمد في مسنده، والترمذي والنسائي -في التفسير من سننيهما -من حديث الزهري، به. وقال الترمذي: "حسن صحيح".
وقال البخاري أيضا: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثني أبي، عن ثُمَامَة، عن أنس بن مالك قال: نرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ).
انفرد به البخاري من هذا الوجه، ولكن له شواهد من طرق أخر. قال الإمام أحمد:
حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال: قال أنس: عمي أنس بن النضر سُميت به، لم يشهد مع رسول الله ﷺ يوم بدر، فشق عليه وقال: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غُيِّبْتُ عنه، لئن أراني الله مشهدا فيما بعد مع رسول الله ﷺ لَيَرَيَنَ الله ما أصنع. قال: فهاب أن يقول غيرها، فشهد مع رسول الله ﷺ [يوم] أحد، فاستقبل سعدَ بن معاذ فقال له أنس يا أبا عمرو، أبِنْ.
مع رسول الله ﷺ لَيَرَيَنَ الله ما أصنع. قال: فهاب أن يقول غيرها، فشهد مع رسول الله ﷺ [يوم] أحد، فاستقبل سعدَ بن معاذ فقال له أنس يا أبا عمرو، أبِنْ. واهًا لريح الجنة أجده دون أحد، قال: فقاتلهم حتى قُتل قال: فَوُجد في جسده بضع وثمانون من ضربة وطعنة ورمية، فقالت أخته -عمتي الرُّبَيّع ابنة النضر -: فما عرفتُ أخي إلا ببنانه. قال: فنزلت هذه الآية: (رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا). قال: فكانوا يُرَون أنها نزلت فيه، وفي أصحابه.
ورواه مسلم والترمذي والنسائي، من حديث سليمان بن المغيرة، به.
َنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا). قال: فكانوا يُرَون أنها نزلت فيه، وفي أصحابه.
ورواه مسلم والترمذي والنسائي، من حديث سليمان بن المغيرة، به. ورواه النسائي أيضا وابن جرير، من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، به نحوه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا حميد، عن أنس أن عمه -يعني: أنس بن النضر -غاب عن قتال بَدر، فقال: غُيّبتُ عن أول قتال قاتله رسول الله ﷺ المشركين، لئن الله أشهدني قتالا للمشركين، لَيَرَيَنّ الله ما أصنع. قال: فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون، فقال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني: أصحابه -وأبرأ إليك مما جاء هؤلاء -يعني: المشركين -ثم تقدم فلقيه سعد -يعني: ابن معاذ -دون أحد، فقال: أنا معك. قال سعد: فلم أستطع أن أصنع ما صنع. قال: فوجد فيه بضع وثمانون ضربة سيف، وطَعنةَ رمح، ورمية سهم.
قدم فلقيه سعد -يعني: ابن معاذ -دون أحد، فقال: أنا معك. قال سعد: فلم أستطع أن أصنع ما صنع. قال: فوجد فيه بضع وثمانون ضربة سيف، وطَعنةَ رمح، ورمية سهم. وكانوا يقولون: فيه وفي أصحابه [نزلت]: (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ)
وأخرجه الترمذي في التفسير عن عبد بن حميد، والنسائي فيه أيضا، عن إسحاق بن إبراهيم، كلاهما، عن يزيد بن هارون، به، وقال الترمذي: حسن. وقد رواه البخاري في المغازي، عن حسان بن حسان، عن محمد بن طلحة بن مُصَرّف، عن حميد، عن أنس، به، ولم يذكر نزول الآية.
بن هارون، به، وقال الترمذي: حسن. وقد رواه البخاري في المغازي، عن حسان بن حسان، عن محمد بن طلحة بن مُصَرّف، عن حميد، عن أنس، به، ولم يذكر نزول الآية. ورواه بن جرير، من حديث المعتمر بن سليمان، عن حميد، عن أنس، به.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن الفضل العسقلاني، حدثنا سليمان بن أيوب بن سليمان بن عيسى بن موسى بن طلحة بن عبيد الله، حدثني أبي، عن جدي، عن موسى بن طلحة، عن أبيه طلحة قال: لما أن رجع النبي ﷺ من أحد، صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وعَزّى المسلمين بما أصابهم، وأخبرهم بما لهم فيه من الأجر والذخر، ثم قرأ هذه الآية: (رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ). فقام إليه رجل من المسلمين فقال: يا رسول الله، مَنْ هؤلاء؟ فأقبلت وَعَلَيّ ثوبان أخضران حَضْرَميَّان فقال: "أيها السائل، هذا منهم".
وكذا رواه ابن جرير من حديث سليمان بن أيوب الطَّلْحي، به.
ل الله، مَنْ هؤلاء؟ فأقبلت وَعَلَيّ ثوبان أخضران حَضْرَميَّان فقال: "أيها السائل، هذا منهم".
وكذا رواه ابن جرير من حديث سليمان بن أيوب الطَّلْحي، به. وأخرجه الترمذي في التفسير والمناقب أيضا، وابن جرير، من حديث يونس بن بُكَيْر، عن طلحة بن يحيى، عن موسى وعيسى ابني طلحة، عن أبيهما، به. وقال: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث يونس.
وقال أيضا: حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري، حدثنا أبو عامر -يعني: العقدي -حدثني إسحاق -يعني: ابن طلحة بن عبيد الله -عن موسى بن طلحة قال: [دخلت على معاوية، ﵁، فلما خرجت، دعاني فقال: ألا أضع عندك يا بن أخي حديثا سمعته من رسول الله ﷺ؟
حاق -يعني: ابن طلحة بن عبيد الله -عن موسى بن طلحة قال: [دخلت على معاوية، ﵁، فلما خرجت، دعاني فقال: ألا أضع عندك يا بن أخي حديثا سمعته من رسول الله ﷺ؟ أشهد لَسَمِعت رسول الله ﷺ يقول: "طلحة ممن قضى نحبه".
ورواه ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا عبد الحميد الحِمَّاني، عن إسحاق بن يحيى بن طلحة الطَّلْحي، عن موسى بن طلحة قال]: قام معاوية بن أبي سفيان فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "طلحة ممن قضى نحبه".
ولهذا قال مجاهد في قوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ) قال: عهده، (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ) قال: يوما.
وقال الحسن: (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ) يعني: موته على الصدق والوفاء. (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ) الموت على مثل ذلك، ومنهم مَنْ لم يبدل تبديلا.
وقال الحسن: (فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ) يعني: موته على الصدق والوفاء. (وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ) الموت على مثل ذلك، ومنهم مَنْ لم يبدل تبديلا. وكذا قال قتادة، وابن زيد.
وقال بعضهم: (نَحْبَهُ) نذره.
وقوله: (وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا) أي: وما غيَّروا عهدهم، وبدَّلوا الوفاء بالغدر، بل استمروا على ما عاهدوا الله عليه، وما نقضوه كفعل المنافقين الذين قالوا: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِرَارًا﴾، ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ﴾.
بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلا فِرَارًا﴾، ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ﴾.
وقوله: (لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) أي: إنما يختبر عباده بالخوف والزلزال ليميز الخبيث من الطيب، فيظهر أمر هذا بالفعل، وأمر هذا بالفعل، مع أنه تعالى يعلم الشيء قبل كونه، ولكن لا يعذب الخلق بعلمه فيهم، حتى يعملوا بما يعلمه فيهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]، فهذا علم بالشيء بعد كونه، وإن كان العلم السابق حاصلا به قبل وجوده. وكذا قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩].
ُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]. ولهذا قال هاهنا: (لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ) أي: بصبرهم على ما عاهدوا الله عليه، وقيامهم به، ومحافظتهم عليه. (وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ): وهم الناقضون لعهد الله، المخالفون لأوامره، فاستحقوا بذلك عقابه وعذابه، ولكن هم تحت مشيئته في الدنيا، إن شاء استمر بهم على ما فعلوه حتى يلقوه به فيعذبهم عليه، وإن شاء تاب عليهم بأن أرشدهم إلى النزوع عن النفاق إلى الإيمان، وعمل الصالح بعد الفسوق والعصيان. ولما كانت رحمته ورأفته بخلقه هي الغالبة لغضبه قال: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا).