ميعًا له، لا يشفَعُ عنده إلا مَن أذِن له، ورضِى له قولًا، وأنتم متى أخلَصتم له العبادةَ فدَعوتموه، شفَّعَكم. ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: للهِ سلطانُ السماواتِ والأرضِ ومُلكُها، وما تعبُدون أيُّها المشرِكون من دونِه مِلْكٌ له. يقولُ: فاعبُدوا المَلِكَ لا المملوكَ الذي لا يملِكُ شيئًا، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. يقولُ: ثم إلى الله مصيرُكم، وهو معاقِبُكم على إشراكِكم به إن مُتُّم على شركِكم.
ومعنى الكلامِ: للهِ الشفاعةُ جميعًا، له مُلكُ السماواتِ والأرضِ، فاعبُدوا المالكَ الذي له مُلكُ السماواتِ والأرضِ، الذي يقدِرُ على نفعِكم في الدنيا، وعلى ضرِّكم فيها، وعندَ مرجعِكم إليه بعدَ مماتِكم، فإنكم إليه تُرجَعون.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾: الآلهة، ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾: الشفاعة.
نا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾: الآلهة، ﴿قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا﴾: الشفاعة.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾. قال: لا يشفعُ عندَه أحدٌ إلا بإذنه.
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾.
يقول تعالى ذاما للمشركين في اتخاذهم شفعاء من دون الله، وهم الأصنام والأنداد، التي اتخذوها من تلقاء أنفسهم بلا دليل ولا برهان حداهم على ذلك، وهي لا تملك شيئا من الأمر، بل وليس لها عقل تعقل به، ولا سمع تسمع به، ولا بصر تبصر به، بل هي جمادات أسوأ حالا من الحيوان بكثير.
ثم قال: قل: أي يا محمد لهؤلاء الزاعمين أن ما اتخذوه شفعاء لهم عند الله، أخبرهم أن الشفاعة لا تنفع عند الله إلا لمن ارتضاه وأذن له، فمرجعها كلها إليه، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
لله، أخبرهم أن الشفاعة لا تنفع عند الله إلا لمن ارتضاه وأذن له، فمرجعها كلها إليه، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
(لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) أي: هو المتصرف في جميع ذلك. (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) أي: يوم القيامة، فيحكم بينكم بعدله، ويجزي كلا بعمله.
ثم قال تعالى ذاما للمشركين أيضا: (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ) أي: إذا قيل: لا إله إلا الله (اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ) قال مجاهد: (اشْمَأَزَّتْ) انقبضت.
وقال السدي: نفرت. وقال قتادة: كفرت واستكبرت. وقال مالك، عن زيد بن أسلم: استكبرت. كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥]، أي: عن المتابعة والانقياد لها. فقلوبهم لا تقبل الخير، ومن لم يقبل الخير يقبل الشر؛ ولهذا قال: (وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) أي: من الأصنام والأنداد، قاله مجاهد، (إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) أي: يفرحون ويسرون.