الاعتصامِ به، وإخلاصِ أعمالِكم لوجهِه، وتَرْكِ رياءِ الناسِ بها، وآمَنْتم برسولِه محمدٍ ﷺ فصَدَّقْتموه، وأقرَرْتم بما جاءكم به مِن عندِه، فعمِلتم به؟ يقولُ: لا حاجةَ باللهِ إلى أن يَجْعَلَكم في الدَّرْكِ الأَسفلِ مِن النارِ، إن أنتم أَنَبتُم إلى طاعتِه، وراجَعْتم العملَ بما أمَركم به، وتَرْكِ ما نهاكم عنه؛ لأنه لا يَجتلِبُ بعذابِكم إلى نفسِه نفعًا، ولا يَدْفَعُ عنها ضَرًّا، وإنما عقوبتُه من عاقَب من خلقِه جزاءٌ منه له على جُرْأتِه عليه، وعلى خلافِه أمرَه ونَهْيَه، وكُفْرانِه شُكْرَ نِعَمِه عليه، فإن أنتم شَكَرْتم له على نِعَمِه، وأَطَعْتُموه في أمرِه ونَهْيه، فلا حاجةَ به إلى تَعْذيبِكم، بل يَشْكُرُ لكم ما يكونُ منكم مِن طاعةٍ له وشُكْرٍ، بمُجازاتِكم على ذلك بما تَقْصُرُ عنه أَمانِيُّكم، ولم تَبْلُغُه آمالُكم.
حاجةَ به إلى تَعْذيبِكم، بل يَشْكُرُ لكم ما يكونُ منكم مِن طاعةٍ له وشُكْرٍ، بمُجازاتِكم على ذلك بما تَقْصُرُ عنه أَمانِيُّكم، ولم تَبْلُغُه آمالُكم. ﴿وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا﴾ لكم ولعبادِه على طاعتِهم إياه، بإجزالِه لهم الثوابَ عليها، وإعظامِه لهم العِوَضَ منها ﴿عَلِيمًا﴾ بما تَعْمَلُون، أيُّها المُنافِقون، وغيرُكم من خيرٍ وشَرٍّ، وصالحٍ، وطالحٍ، مُحْصٍ ذلك كلَّه عليكم، مُحِيطٌ بجميعِه، حتى يُجازِيَكم جزاءَكم يومَ القيامةِ، المُحسِنَ بإحسانهِ، والمُسِيءَ بإساءتِه.
وقد حدَّثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾. قال: وإن الله لا يُعَذِّبُ شاكرًا ولا مُؤْمِنًا.
اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦) مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾
ينهى تعالى عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، يعني مصاحبتهم ومصادقتهم ومناصحتهم وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم، كما قال تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] أي: يحذركم عقوبته في ارتكابكم نهيه. ولهذا قال هاهنا: (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) أي: حجة عليكم في عقوبته إياكم.
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة عن ابن عباس قوله: (سُلْطَانًا مُبِينًا) [قال] كل سلطان في القرآن حجة.
وهذا إسناد صحيح.
ك بن إسماعيل، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة عن ابن عباس قوله: (سُلْطَانًا مُبِينًا) [قال] كل سلطان في القرآن حجة.
وهذا إسناد صحيح. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب القُرَظي، والضحاك، والسدي والنضر بن عَرَبي.
ثم أخبر تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ) أي: يوم القيامة، جزاء على كفرهم الغليظ. قال الوالبي عن ابن عباس: (فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ) أي: في أسفل النار. وقال غيره: النار دركات، كما أن الجنة درجات. "وقال سفيان الثوري، عن عاصم، عن ذَكْوان أبي صالح، عن أبي هريرة: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ) قال: في توابيت ترتج عليهم. كذا رواه ابن جرير، عن ابن وَكِيع، عن يحيى بن يمان، عن سفيان، به.
َّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ) قال: في توابيت ترتج عليهم. كذا رواه ابن جرير، عن ابن وَكِيع، عن يحيى بن يمان، عن سفيان، به. ورواه ابن أبي حاتم، عن المنذر بن شاذان، عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ) قال: الدرك الأسفل بيوت لها أبواب تطبق عليهم، فتوقد من تحتهم ومن فوقهم.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كُهَيْل، عن خَيْثَمَة، عن عبد الله -يعني ابن مسعود: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ) قال: في توابيت
من نار تطبق عليهم.
ن كُهَيْل، عن خَيْثَمَة، عن عبد الله -يعني ابن مسعود: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ) قال: في توابيت
من نار تطبق عليهم. ورواه ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الأشج، عن وكيع، عن سفيان، عن سلمة، عن خيثمة، عن ابن مسعود: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ) قال: في توابيت من حديد مبهمة عليهم، ومعنى قوله: (مبهمة) أي: مغلقة مقفلة لا يهتدى لمكان فتحها.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا علي بن يزيد عن القاسم بن عبد الرحمن: أن ابن مسعود سئل عن المنافقين، فقال: يجعلون في توابيت من نار، فتطبق عليهم في أسفل درك من النار.
(وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) أي: ينقذهم مما هم فيه، ويخرجهم من أليم العذاب.
افقين، فقال: يجعلون في توابيت من نار، فتطبق عليهم في أسفل درك من النار.
(وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) أي: ينقذهم مما هم فيه، ويخرجهم من أليم العذاب.
ثم أخبر تعالى أن من تاب [منهم] في الدنيا تاب عليه وقَبِلَ ندمه إذا أخلص في توبته وأصلح عمله، واعتصم بربه في جميع أمره، فقال: (إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ) أي: بَدَّلوا الرياء بالإخلاص، فينفعهم العمل الصالح وإن قل.
قال ابن أبي حاتم: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أنبأنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زَحْر، عن خالد بن أبي عِمْران، عن عمرو بن مرة، عن معاذ بن جبل: أن رسول الله ﷺ قال: "أخلص دينك، يكفك القليل من العمل".
(فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) أي: في زمرتهم يوم القيامة (وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا)
خلص دينك، يكفك القليل من العمل".
(فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) أي: في زمرتهم يوم القيامة (وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا)
ثم قال مخبرًا عن غناه عما سواه، وأنه إنما يعذب العباد بذنوبهم، فقال: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ) أي: أصلحتم العمل وآمنتم بالله ورسوله، (وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا) أي: من شكر شكر له ومن آمن قلبه به علمه، وجازاه على ذلك أوفر الجزاء.