القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾.
قال أبو جعفرِ محمدُ بنُ جريرٍ، ﵀: ﴿إِنْ تُبْدُوا﴾ أيُّها الناسُ ﴿خَيْرًا﴾. يقولُ: إن تَقولوا جميلًا مِن القولِ لمَن أحْسَن إليكم، فتُظْهِروا ذلك
شكرًا منكم له على ما كان منه من حَسَنٍ إليكم، ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾. يقولُ: أَو تَتْرُكوا إظهارَ ذلك فلا تُبْدوه، ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾. يقول: أو تَصْفَحوا لمَن أساء إليكم عن إساءتِه، فلا تَجْهَرُوا له بالسوءِ مِن القولِ الذى قد أَذِنْتُ لكم أن تَجْهَروا له به ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا﴾ يقولُ: لم يَزَلْ ذا عفوٍ عن خلْقِه، يَصْفَحُ لهم عمَّن عَصَاه وخالَف أمرَه، ﴿قَدِيرًا﴾.
ِنْتُ لكم أن تَجْهَروا له به ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا﴾ يقولُ: لم يَزَلْ ذا عفوٍ عن خلْقِه، يَصْفَحُ لهم عمَّن عَصَاه وخالَف أمرَه، ﴿قَدِيرًا﴾. يقولُ: ذا قُدْرةٍ على الانتقامِ منهم.
وإنما يعنى بذلك: أن اللهَ لم يَزَلْ ذَا عَفْوٍ عن عبادِه معَ قدرتِه على عقابِهم على معصيتِهم إياه.
يقولُ: فاعفُوا أنتم أيضًا أيُّها الناسُ عمَّن أتَى إليكم ظلمًا، ولا تَجْهروا له بالسوءِ مِن القولِ، وإن قدَرْتُم على الإساءةِ إليه، كما يَعْفُو عنكم ربُّكم، مع قدرتِه على عقابِكم، وأنتم تَعْصُونه وتُخالِفون أمرَه.
وفي قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾. الدلالةُ الواضحةُ على أن تأويلَ قولِه: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾.
كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾. الدلالةُ الواضحةُ على أن تأويلَ قولِه: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾. يخالفُ التأويلَ الذى تأوَّله زيدُ بنُ أسلمَ في زعمِه أن معناه: لا يُحِبُّ اللهُ الجهرَ بالسوءِ مِن القولِ لأهلِ النفاقِ، إلا لمَن أقام على نفاقِه، فإنه لا بأسَ بالجهرِ له بالسوءِ مِن القولِ، وذلك أنه جل ثناؤُه قال عَقِيب ذلك: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ﴾. ومعقولٌ أن اللهَ جل ثناؤُه لم يَأْمُرِ المؤمنين بالعفوِ [للمنَافقِين عن] نفاقِهم، ولا نهاهم أن يُسَمُّوا مَن كان
منهم مُعْلِنَ النفاقِ [مُنافقًا، بل العفوُ عن ذلك مما] لا وجهَ له معقولٌ؛ لأن العفوَ المفهومَ إنما هو صفْحُ المرءِ عما له قِبَلَ غيرِه مِن حقٍّ، وتسميةُ المنافقِ باسمِه ليس بحقٍّ لأحدٍ قِبَلَه، فيُؤْمَرَ بعفوِه عنه، وإنما هو اسمٌ له، وغيرُ مفهومٍ الأمرُ بالعفوِ عن تسميةِ الشيءِ بما هو اسمُه.
﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨) إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾
قال [علي] بن أبي طلحة عن ابن عباس: (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ) يقول: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد، إلا أن يكون مظلوما، فإنه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: (إِلا مَنْ ظُلِمَ) وإن صبر فهو خير له.
وقال أبو داود: حدثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن عطاء، عن عائشة قالت: سُرق لها شيء، فجعلت تدعو عليه، فقال النبي ﷺ "لا تُسَبّخي عنه".
وقال الحسن البصري: لا يدع عليه، وليقل: اللهم أعني عليه، واستخرج حقي منه.
ن عائشة قالت: سُرق لها شيء، فجعلت تدعو عليه، فقال النبي ﷺ "لا تُسَبّخي عنه".
وقال الحسن البصري: لا يدع عليه، وليقل: اللهم أعني عليه، واستخرج حقي منه. وفي رواية عنه قال: قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه من غير أن يعتدي عليه.
وقال عبد الكريم بن مالك الجَزَريّ في هذه الآية: هو الرجل يشتمك فتشتمه، ولكن إن افترى عليك فلا تفتر عليه؛ لقوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١].
وقال أبو داود: حدثنا القَعْنَبِيّ، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "المُسْتَبَّانِ ما قالا فعلى البادئ منهما، ما لم يعتد المظلوم".
وقال عبد الرزاق: أنبأنا المثنى بن الصباح، عن مجاهد في قوله: (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ) قال: ضاف رجل رجلا فلم يؤدّ إليه حقّ ضيافته، فلما خرج أخبر الناس، فقال: "ضفت فلانا فلم يؤدّ إليّ حق ضيافتي".
السُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ) قال: ضاف رجل رجلا فلم يؤدّ إليه حقّ ضيافته، فلما خرج أخبر الناس، فقال: "ضفت فلانا فلم يؤدّ إليّ حق ضيافتي". فذلك الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم، حين لم يؤد الآخر إليه حق ضيافته.
وقال محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ) قال: قال هو الرجل ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته، فيخرج فيقول: "أساء ضيافتي، ولم يحسن". وفي رواية هو الضيف المحول رحلُه، فإنه يجهر لصاحبه بالسوء من القول.
وكذا روي عن غير واحد، عن مجاهد، نحو هذا. وقد روى الجماعة سوى النسائي والترمذي، من طريق الليث بن سعد -والترمذي من حديث ابن لَهِيعة-كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مَرْثَد بن عبد الله، عن عقبة بن عامر قال: قلنا يا رسول الله، إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يَقْرُونا، فما ترى في ذلك؟
ا عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير مَرْثَد بن عبد الله، عن عقبة بن عامر قال: قلنا يا رسول الله، إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يَقْرُونا، فما ترى في ذلك؟ قال: "إذا نزلتم بقوم فأمَرُوا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا منهم، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم".
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت أبا الجودي يحدث، عن سعيد بن المهاجر، عن المقدام أبي كريمة، عن النبي ﷺ أنه قال: "أيما مسلمٍ ضاف قومًا، فأصبح الضيف محرومًا، فإن حقًا على كل مسلم نَصْرَه حتى يأخذ بقِرى ليلته من زرعه وماله".
تفرد به أحمد من هذا الوجه وقال أحمد أيضًا: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا شعبة، حدثني منصور، عن الشَّعْبي عن المقدام أبي كريمة، سمع رسول الله ﷺ يقول: "ليلة الضيف واجبة على كل مسلم، فإن أصبح بفِنَائه محرومًا كان دَيْنًا له عليه، إن شاء اقتضاه وإن شاء تركه".
ثم رواه أيضًا عن غُنْدَر عن شعبة. وعن زياد بن عبد الله البكَّائي. عن وَكِيع، وأبي نُعَيْم،
عن سفيان الثوري -ثلاثتهم عن منصور، به.
تضاه وإن شاء تركه".
ثم رواه أيضًا عن غُنْدَر عن شعبة. وعن زياد بن عبد الله البكَّائي. عن وَكِيع، وأبي نُعَيْم،
عن سفيان الثوري -ثلاثتهم عن منصور، به. وكذا رواه أبو داود من حديث أبي عَوَانة، عن منصور، به.
ومن هذه الأحاديث وأمثالها ذهب أحمد وغيره إلى وجوب الضيافة، ومن هذا القبيل الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البزَّار.
حدثنا عمرو بن علي، حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا محمد بن عَجْلان، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: إن لي جارا يؤذيني، فقال له: "أخرج متاعك فضعه على الطريق". فأخذ الرجل متاعه فطرحه على الطريق، فجعل كل من مر به قال: مالك؟ قال: جاري يؤذيني. فيقول: اللهم العنه، اللهم أخزه!
ال له: "أخرج متاعك فضعه على الطريق". فأخذ الرجل متاعه فطرحه على الطريق، فجعل كل من مر به قال: مالك؟ قال: جاري يؤذيني. فيقول: اللهم العنه، اللهم أخزه! قال: فقال الرجل: ارجع إلى منزلك، وقال لا أوذيك أبدًا".
وقد رواه أبو داود في كتاب الأدب، عن أبي توبة الربيع بن نافع، عن سليمان بن حيان أبي خالد الأحمر، عن محمد بن عجلان به.
ثم قال البزار: لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلا بهذا الإسناد، ورواه أبو جُحَيفة وهب بن عبد الله، عن النبي ﷺ ويوسف بن عبد الله بن سلام، عن النبي ﷺ.
وقوله: (إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا) أي: إن تظهروا -أيها الناس-خيرًا، أو أخفيتموه، أو عفوتم عمن أساء إليكم، فإن ذلك مما يقربكم عند الله ويجزل ثوابكم لديه، فإن من صفاته تعالى أن يعفو عن عباده مع قدرته على عقابهم. ولهذا قال: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا)؛ ولهذا ورد في الأثر: أن حملة العرش يسبحون الله، فيقول بعضهم: سبحانك على حلمك بعد علمك.
على عقابهم. ولهذا قال: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا)؛ ولهذا ورد في الأثر: أن حملة العرش يسبحون الله، فيقول بعضهم: سبحانك على حلمك بعد علمك. ويقول بعضهم: سبحانك على عفوك بعد قدرتك. وفي الحديث الصحيح: "ما نقص مال من صدقة، ولا زاد الله عبدا بعفو إلا عزًّا، ومن تواضع لله رفعه الله".