kecuali orang-orang yang meminta perlindungan kepada sesuatu kaum, yang antara kamu dan kaum itu telah ada perjanjian (damai)213) atau orang yang datang kepadamu sedang hati mereka merasa keberatan untuk memerangi kamu atau memerangi kaumnya.214) Sekiranya Allah menghendaki, niscaya diberikan-Nya kekuasaan kepada mereka (dalam) menghadapi kamu, maka pastilah mereka memerangimu. Tetapi jika mereka membiarkan kamu, dan tidak memerangimu serta menawarkan perdamaian kepadamu (menyerah) maka Allah tidak memberi jalan bagimu (untuk menawan dan membunuh) mereka
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يعنى جل ثناؤه بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾: فإن تولّى هؤلاء المنافقون الذين اخْتَلَفتم فيهم عن الإيمان بالله ورسولِه، وأبَوُا الهجرة، فلم يُهاجروا في سبيل الله، فخُذُوهم واقتُلوهم حيثُ وجدتُموهم، سوى من وصل منهم إلى قوم بينكم وبينهم موادعةٌ وعهدٌ وميثاقٌ، فدخلوا بينهم، وصاروا منهم، ورضُوا بحكمهم، فإنَّ لمَن وصل إليهم فدخل فيهم من أهلِ الشركِ راضيًا بحكمَهم حكمهم؛ في حَقن دمائِهم بدخوله فيهم، و ألَّا تُسبَى نساؤُهم وذَرارِيُّهم، ولا تُغْنَمَ أموالُهم.
كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾.
أموالُهم.
كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. يقول: إذا أظهروا كفرهم فاقْتُلُوهم حيث وجدتُموهم، فإن أحدٌ منهم دخل في قومٍ بينكم وبينهم ميثاقٌ، فأجرُوا عليه
مثل ما تُجْرُون على أهلِ الذِّمَّةِ.
حدَّثني يونُسُ، قال أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. [قال: الذين] يصلون إلى هؤلاء الذين بينكم وبينهم ميثاقٌ من القومِ، لهم من الأمانِ مثلُ ما لهؤلاء.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمة قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾.
قاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمة قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. قال: [نزَلَت في هلال بن عُوَيمِرٍ الأَسْلَميِّ، وسُراقة بن مالك بن جُعْشُمٍ، وجَذِيمة بن عامرٍ بن عبدِ مناةَ].
وقد زعم بعضُ أهل العربية أن معنى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ﴾: إلا الذين يَتَّصِلُون في أنسابهم لقوم بينكم وبينهم ميثاقٌ. من قولهم: اتَّصَل الرجلُ. بمعنى: انْتَمَى وانْتَسَب. كما قال الأَعْشَى في صفةِ امرأةٍ انْتَسَبَت إلى قومٍ.
إذا اتَّصلت قالَتْ أبكر بن وائلٍ … وبَكْرٌ سبَتْها والأُنوفُ رَواغِمُ
يعنى بقوله: اتَّصَلَت.
ب. كما قال الأَعْشَى في صفةِ امرأةٍ انْتَسَبَت إلى قومٍ.
إذا اتَّصلت قالَتْ أبكر بن وائلٍ … وبَكْرٌ سبَتْها والأُنوفُ رَواغِمُ
يعنى بقوله: اتَّصَلَت. انْتَسَبَت.
ولا وجهَ لهذا التأويل في هذا الموضعِ؛ لأن الانْتِسابَ إلى قومٍ مِن أهلِ المُوادعةِ والعَهْدِ، لو كان يُوجِبُ للمُنتَسِبين إليهم ما لهم، إذا لم يَكُنْ لهم مِن العهد والأمانِ [ما لمن له العهدُ والأمان منهم] - لما كان رسولُ اللهِ ﷺ لِيُقاتِلَ قريشًا وهم أنسباءُ السابقين الأوَّلين، ولأهل الإيمان من الحقِّ بإيمانهم أكثرُ مما لأهل العهدِ بعهدِهم، وفى قتال رسولِ اللهِ ﷺ مُشْرِكى قريشٍ بتركها الدخول فيما دخل فيه أهلُ الإيمان منهم، مع قرب أنسابِهم من أنسابِ المؤمنين منهم - الدليلُ الواضحُ أن انتِسابَ مَن لا عهد له إلى ذى العهد منهم، لم يَكُنْ مُوجِبًا له من العهد ما لذي العهد منهم من انتسابه.
هم من أنسابِ المؤمنين منهم - الدليلُ الواضحُ أن انتِسابَ مَن لا عهد له إلى ذى العهد منهم، لم يَكُنْ مُوجِبًا له من العهد ما لذي العهد منهم من انتسابه.
فإن ظنَّ ذو غَفْلَةٍ أن قِتالَ النبيِّ ﷺ مَن قاتَل مِن أنْسِباء المؤمنين من مشركى قريشٍ، إنما كان بعدَ ما نُسخ قولُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. فإنّ أهل التأويل أجمَعوا على أن ذلك نُسخ ["ببراءة"، و"براءة"] نزَلَت بعدَ فتح مكةَ ودخول قريشٍ في الإسلامِ.
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يعنى بقوله جل ثناؤُه: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾: فإن تولَّوْا فَخُذُوهم واقتُلوهم حيث
وجَدْتُموهم، إلا الذين يَصِلُون إلى قومٍ بينكم وبينَهم ميثاقٌ، أو: إلا الذين جاءوكم منهم قد حصِرَت صدورُهم عن أن يُقاتِلوكم أو يُقاتِلوا قومَهم، فدخَلوا فيكم.
ويعنى بقوله: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾: ضاقَت صدورهم عن أن يُقاتلوكم أو يُقاتلوا قومَهم. والعربُ تقولُ لكلِّ مَن ضاقَت نفسُه عن شيءٍ مِن فعلٍ أو كلامٍ: قد حصِرَ. ومنه الحَصَرُ في القراءةِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾. يقولُ: رجعوا فدخلوا فيكم، ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾.
قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾. يقولُ: رجعوا فدخلوا فيكم، ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾. يقولُ: ضاقَت صدورُهم ﴿أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾.
وفى قوله: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾. متروكٌ تُرك ذكرُه لدَلالةِ الكلامِ عليه؛ وذلك أن معناه: أو جاءوكم قد حصرَت صدورُهم. فتُرك ذكرُ "قد"؛ لأن من شأنِ العربِ فعلَ مثلِ ذلك، تقولُ: أتاني فلانٌ ذهَب عقلُه. بمعنى: قد ذهَب عقلُه. ومَسْموعٌ منهم: أَصْبَحْتُ نظَرْتُ إلى ذاتِ التَّنانير. بمعنى: قد نظَرْتُ. ولإضمارِ "قد" مع الماضي جاز وضْعُ الماضي من الأفعالِ في مواضعِ
الحال؛ لأنّ "قد" إذا دخَلَت معه أذنَته من الحالِ، وأَشْبَهَتْهُ الأسماء.
وعلى هذه القراءةِ - أعنى: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ قراءةُ القَرَأةِ في جميعِ الأمصارِ، وبها يُقْرَأُ لإجماع الحُجَّة عليها.
وقد ذُكر عن الحسن البصريِّ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (أو جاءُوكم حصِرَةً صدورُهم). نصبًا [على الحال].
ميعِ الأمصارِ، وبها يُقْرَأُ لإجماع الحُجَّة عليها.
وقد ذُكر عن الحسن البصريِّ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (أو جاءُوكم حصِرَةً صدورُهم). نصبًا [على الحال]. وهى صحيحةٌ في العربيةِ، فصيحةً، غيرَ أنها غيرُ جائزة القراءةُ عندى بها؛ لشُذوذها وخُروجِها من قراءةِ قَرَأَةِ أهل الإسلام.
[حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: نا يونسُ بنُ محمدٍ، عن أبانٍ، عن قتادة: (أو جاءُوكم حَصِرَةً صُدورُهم): أي كارهةً صدُورُهم].
القولُ في تأويل قوله جل ثناؤُه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (٩٠)﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يعنى جل ثناؤُه بقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ﴾: ولو شاء الله تسلَّط هؤلاء الذين يَصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاقٌ، فيَدْخُلون في جوارهم وذمَّتهم، والذين يَجِيئُونكم قد حصرَت
صدورُهم عن قتالِكم وقتال قومهم - عليكم أيُّها المؤمنون، فقاتَلوكم مع أعدائكم من المشركين، ولكنَّ الله تعالى ذكره كفَّهم عنكم. يقولُ جل ثناؤُه: فأطيعوا الذي أنعَم عليكم - بكفِّهم عنكم، مع سائر ما أنعَم به عليكم - فيما أمركم به من الكفِّ عنهم إذا وصلوا إلى قوم بينَكم وبينَهم ميثاقٌ، أو جاءُوكم حصرَت صدورُهم عن قتالِكم وقتالِ قومِهم. ثم قال جل ثناؤُه: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾.
من الكفِّ عنهم إذا وصلوا إلى قوم بينَكم وبينَهم ميثاقٌ، أو جاءُوكم حصرَت صدورُهم عن قتالِكم وقتالِ قومِهم. ثم قال جل ثناؤُه: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾. يقولُ: فإِن اعْتَزَلكم هؤلاء الذين أمَرْتُكم بالكفِّ عن قتالِهم من المنافقين، بدخولهم في أهل عهدكم، أو بمصيرهم إليكم حصِرةً صدورُهم عن قتالِكم وقتالِ قومِهم، ﴿فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾. يقولُ: وصالَحوكم. والسَّلَم هو الاستسلامُ. وإنما هذا مثلٌ، كما يقولُ الرجلُ للرجلٍ: أعطيتُك قيادى، وألقيتُ إليك خطامى إذا استسلم له وانقاد لأمره. فكذلك قولُه: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾. إنما هو: والْقَوْا إليكم قيادهم فاسْتَسْلَموا لكم؛ صلحًا منهم لكم وسَلَمًا.
استسلم له وانقاد لأمره. فكذلك قولُه: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾. إنما هو: والْقَوْا إليكم قيادهم فاسْتَسْلَموا لكم؛ صلحًا منهم لكم وسَلَمًا. ومِن السَّلَمِ قولُ الطِّرِمَّاح:
وذاك أن تميمًا غادَرَت سَلَمًا … للأشد كلَّ حَصانٍ وَعْنَةِ اللَّبَدِ
يعنى بقوله: سَلَمًا: اسْتِسْلامًا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع: ﴿فَإِنِ
اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾. قال: الصلحُ.
وأما قولُه: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾. فإنه يقولُ: إذا استسلم لكم هؤلاء المنافقون الذين وصف صفتَهم، صلحًا منهم لكم، ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾.
عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾. فإنه يقولُ: إذا استسلم لكم هؤلاء المنافقون الذين وصف صفتَهم، صلحًا منهم لكم، ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾. أي: فلم يَجْعَلِ اللهُ لكم على أنفسِهم وأموالِهم وذراريِّهم ونسائِهم طريقًا إلى قتلٍ أو غنيمةٍ أو سباءٍ، بإباحةٍ منه ذلك لكم ولا إذْنٍ، فلا تَعَرَّضُوا لهم في ذلك إلا بسبيل خيرٍ.
ثم نسخ الله جل ثناؤُه جميع حكم هذه الآية والتي بعدها بقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥].
ذكرُ مَن قال في ذلك مثلَ الذي قلنا فيه
يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾. إلى قولِه: ﴿فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾: ثم نَسَخ ذلك بعد في "براءة". وأمَر نبيَّه ﷺ أن يُقاتِل المشركين [حتى يشهدوا ألَّا إلهَ إلا الله، وأنّ محمدًا رسولُ الله، فقال]: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ
كُلَّ مَرْصَدٍ﴾.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: هو ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ الآية. قال: نُسِخ هذا كلُّه جميعٌ، نسَخَه الجهادُ، ضُرِب لهم أَجَلٌ؛ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، إمَّا أن يُسْلِموا، وإِمَّا أَن يَكونَ الجهادُ.
فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا (٩٠) سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (٩١)﴾
يقول تعالى منكرا على المؤمنين في اختلافهم في المنافقين على قولين، واختلف في سبب ذلك، فقال الإمام أحمد:
حدثنا بَهْز، حدثنا شعبة، قال عدي بن ثابت: أخبرني عبد الله بن يزيد، عن زيد بن ثابت: أن رسول الله ﷺ خرج إلى أُحُد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين: فرقة تقول: نقتلهم.
بت: أخبرني عبد الله بن يزيد، عن زيد بن ثابت: أن رسول الله ﷺ خرج إلى أُحُد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله ﷺ فيهم فرقتين: فرقة تقول: نقتلهم. وفرقة تقول: لا فأنزل الله: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ) فقال رسول الله ﷺ: "إنها طَيْبة، وإنها تنفي الخَبَث كما تنفي النار خبث الفضة".
أخرجاه في الصحيحين، من حديث شعبة.
وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يَسار في وقعة أحد أن عبد الله بن أبي بن سلول رجع يومئذ بثلث الجيش، رجع بثلاثمائة وبقي النبي ﷺ في سبعمائة.
وقال العوفي، عن ابن عباس: نزلت في قوم كانوا بمكة، قد تكلموا بالإسلام، كانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم، فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس، وأن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة، قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الجبناء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم. وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله! أو كما قالوا: أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به؟
كبوا إلى الجبناء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم. وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله! أو كما قالوا: أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به؟ أمِنْ أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم تستحل دماؤهم وأموالهم. فكانوا كذلك فئتين، والرسول عندهم لا ينهى واحدا من الفريقين عن شيء فأنزل الله: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ)
رواه ابن أبي حاتم، وقد رُوي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعكرمة ومجاهد والضحاك وغيرهم قريب من هذا.
وقال زيد بن أسلم، عن ابنٍ لسعد بن معاذ: إنها نزلت في تقاول الأوس والخزرج في شأن عبد الله بن أبيّ، حين استعذر منه رسول الله ﷺ على المنبر في قضية الإفك.
وهذا غريب، وقيل غير ذلك.
وقوله: (وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا) أي: ردهم وأوقعهم في الخطأ.
قال ابن عباس: (أَرْكَسَهُمْ) أي: أوقعهم. وقال قتادة: أهلكهم.
وقيل غير ذلك.
وقوله: (وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا) أي: ردهم وأوقعهم في الخطأ.
قال ابن عباس: (أَرْكَسَهُمْ) أي: أوقعهم. وقال قتادة: أهلكهم. وقال السدي: أضلهم.
وقوله: (بِمَا كَسَبُوا) أي: بسبب عصيانهم ومخالفتهم الرسول واتباعهم الباطل.
(أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا) أي: لا طريق له إلى الهدى ولا مخلص له إليه.
ثم قال: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) أي: هم يودون لكم الضلالة لتستووا أنتم وإياهم فيها، وما ذاك إلا لشدة عداوتهم وبغضهم لكم؛ ولهذا قال: (فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي: تركوا الهجرة، قاله العوفي عن ابن عباس.
لهذا قال: (فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي: تركوا الهجرة، قاله العوفي عن ابن عباس. وقال السدي: أظهروا كفرهم (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا) أي: لا توالوهم
ولا تستنصروا بهم على الأعداء ما داموا كذلك.
ثم استثنى الله، سبحانه من هؤلاء فقال: (إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) أي: إلا الذين لجؤوا وتحيزوا إلى قوم بينكم وبينهم مهادنة أو عقد ذمة، فاجعلوا حكمهم كحكمهم. وهذا قول السدي، وابن زيد، وابن جرير.
وقد روى ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا أبو سلمة حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جُدْعان، عن الحسن: أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال: لما ظهر -يعني النبي ﷺ -على أهل بدر وأُحُد، وأسلم من حولهم قال سراقة: بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي -بني مُدْلج -فأتيته فقلت: أَنْشُدُك النعمة.
عني النبي ﷺ -على أهل بدر وأُحُد، وأسلم من حولهم قال سراقة: بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي -بني مُدْلج -فأتيته فقلت: أَنْشُدُك النعمة. فقالوا: صه فقال النبي ﷺ: "دعوه، ما تريد؟ ". قال: بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي، وأنا أريد أن توادعهم، فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في الإسلام، وإن لم يسلموا لم تَخْشُن قلوب قومك عليهم. فأخذ رسول الله ﷺ بيد خالد بن الوليد فقال: "اذهب معه فافعل ما يريد". فصالحهم خالد على ألا يعينوا على رسول الله ﷺ وإن أسلمت قريش أسلموا معهم، [ومن وصل إليهم من الناس كانوا على مثل عهدهم] فأنزل الله: (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ)
ورواه ابن مردويه من طريق حماد بن سلمة، وقال فأنزل الله: (إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) فكان من وصل إليهم كانوا معهم على عهدهم وهذا أنسب لسياق الكلام.
ال فأنزل الله: (إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) فكان من وصل إليهم كانوا معهم على عهدهم وهذا أنسب لسياق الكلام.
وفي صحيح البخاري في قصة صلح الحديبية فكان من أحب أن يدخل في صلح قريش وعهدهم، ومن أحب أن يدخل في صلح محمد وأصحابه وعهدهم.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال: نسخها قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ]﴾ [التوبة: ٥].
وقوله: (أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ [أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ]) الآية، هؤلاء قوم آخرون من المُسْتَثنَين عن الأمر بقتالهم، وهم الذين يجيئون إلى المصاف وهم حَصِرَةٌ صدورهم أي: ضيقة صدورهم مُبْغضين أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضا أن يقاتلوا قومهم معكم، بل هم لا لكم ولا عليكم.
الذين يجيئون إلى المصاف وهم حَصِرَةٌ صدورهم أي: ضيقة صدورهم مُبْغضين أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضا أن يقاتلوا قومهم معكم، بل هم لا لكم ولا عليكم. (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ) أي: من لطفه بكم أن كفهم عنكم (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ) أي: المسالمة (فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا) أي: فليس لكم أن تقتلوهم، ما دامت حالهم كذلك، وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين، فحضروا القتال وهم كارهون، كالعباس ونحوه، ولهذا نهى النبي ﷺ يومئذ عن قتل العباس وعبّر بأسره.
ؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين، فحضروا القتال وهم كارهون، كالعباس ونحوه، ولهذا نهى النبي ﷺ يومئذ عن قتل العباس وعبّر بأسره.
وقوله: (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ [كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا]) الآية، هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن تقدمهم، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك، فإن هؤلاء منافقون يظهرون للنبي ﷺ ولأصحابه الإسلام؛ ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم ويصانعون الكفار في الباطن، فيعبدون معهم ما يعبدون، ليأمنوا بذلك عندهم، وهم في الباطن مع أولئك، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ [إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ]﴾ [البقرة: ١٤] وقال هاهنا: (كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا) أي: انهمكوا فيها.
وقال السدّي: الفتنة هاهنا: الشرك.
مُسْتَهْزِئُونَ]﴾ [البقرة: ١٤] وقال هاهنا: (كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا) أي: انهمكوا فيها.
وقال السدّي: الفتنة هاهنا: الشرك. وحكى ابن جرير، عن مجاهد: أنها نزلت في قوم من أهل مكة، كانوا يأتون النبي ﷺ فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا؛ ولهذا قال تعالى: (فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ) أي: عن القتال (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) أي: أين لقيتموهم (وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا) أي: بيِّنا واضحا.