القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: وكما حقَّ على الأممِ التي كذَّبَت رسلَها - التي قصَصْتُ عليك يا محمدُ قصصَها - عذابي، وحلَّ بها عقابي، بتكذيبِهم رسلَهم، [وجِدالِهم إياهم بالباطلِ] ليُدْحِضوا به الحقَّ، كذلك وجَبَت كلمةُ ربِّك على الذين كفروا باللهِ مِن قومِك الذين يُجادِلون في آياتِ اللهِ.
وقولُه: ﴿أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾. اخْتَلَف أهلُ العربيةِ في موضعِ قولِه: ﴿أَنَّهُمْ﴾؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: معنى ذلك: حقَّت كلمةُ ربِّك على الذين كفَروا أنهم أصحابُ النارِ. أي: لأنهم، أو بأنهم، وليس "أنهم" في موضعِ مفعولٍ، ليس مثلَ قولِك: [أحْقَقْتُ أنهم. لو كان كذلك كان أيضًا]:
أحْقَقْتُ لأنهم.
وكان غيرُه يقولُ: ﴿أَنَّهُمْ﴾ بدلٌ من الكلمةِ، كأنه: حقَّت الكلمةُ حقًّا أنهم أصحابُ النارِ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن قولَه: ﴿أَنَّهُمْ﴾.
لأنهم.
وكان غيرُه يقولُ: ﴿أَنَّهُمْ﴾ بدلٌ من الكلمةِ، كأنه: حقَّت الكلمةُ حقًّا أنهم أصحابُ النارِ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن قولَه: ﴿أَنَّهُمْ﴾. ترجمةٌ عن الكلمةِ، بمعنى: وكذلك حقَّ عليهم عذابُ النارِ، الذي وعَد اللهُ أهلَ الكفرِ به.
اهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: ١٩٦ - ١٩٧]، وقال تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٤].
ثم قال تعالى مسليًا لنبيه محمد ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه، بأن له أسوة من سلف من الأنبياء؛ فإنه قد كذبهم أممهم وخالفوهم، وما آمن بهم منهم إلا قليل، فقال: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ) وهو أول رسول بَعَثه الله ينهى عن عبادة الأوثان، (وَالأحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ) أي: من كل أمة، (وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ) أي: حرصوا على قتله بكل ممكن، ومنهم من قتل رسوله، (وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ) أي: مَاحَلُوا بالشبهة ليردوا الحق الواضح الجلي.
وقد قال أبو القاسم الطبراني: حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا عارم أبو النعمان، حدثنا مُعْتَمِر بن سليمان قال: سمعت أبي يحدث عن حَنَش، عن عكرمة، عن ابن عباس [﵁]، عن النبي ﷺ قال: "من أعان باطلا ليدحض بباطله حقًّا، فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله".
ن سليمان قال: سمعت أبي يحدث عن حَنَش، عن عكرمة، عن ابن عباس [﵁]، عن النبي ﷺ قال: "من أعان باطلا ليدحض بباطله حقًّا، فقد برئت منه ذمة الله وذمة رسوله".
وقوله: (فَأَخَذْتُهُمْ) أي: أهلكتهم على ما صنعوا من هذه الآثام والذنوب العظام، (فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ) أي: فكيف بلغك عذابي لهم، ونكالي بهم؟ قد كان شديدًا موجعًا مؤلمًا.
قال قتادة: كان والله شديدًا.
وقوله: (وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ) أي: كما حقت كلمةُ العذاب على الذين كفروا من الأمم السالفة، كذلك حقت على المكذبين من هؤلاء الذين كذبوك وخالفوك يا محمد بطريق الأولى والأحرى؛ لأن من كذبّك فلا وثوق له بتصديق غيرك.
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَي الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦)﴾.
قرأ هذا الحرف نافع وابن عامر (كلمات) بصيغة الجمع المؤنث السالم، وقرأه الباقون ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ بالإِفراد.
وقد أوضحنا معنى الكلمة والكلمات فيما يماثل هذه الآية في سورة يس في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)﴾.
•