لقولِ في ذلك أنهما قراءتان معروفتان صحيحتا المعنى، فبأيَّتِهما قرَأ القارئ فمصيبٌ.
ويعنى بقولِه: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الذي أنزَل هذا الكتابَ يا محمدُ عليك، وأرسَلك إلى هؤلاء المشركين رحمةً مِن ربِّك - مالكُ السماواتِ السبعِ والأرضِ وما بينهما من الأشياء كلِّها.
وقولُه: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم توقنون بحقيقةِ ما أخبَرْتُكم مِن أنَّ ربَّكم ربُّ السماوات والأرضِ، فإن الذي أخبَرْتُكم من أن الله الذي هذه الصفاتُ صفاتُه، وأن هذا القرآنَ تنزيله، ومحمدًا ﷺ رسولُه - حقٌّ يقينٌ، فأيقِنوا به، كما أيقَنتم بما توقنون به (٤) من حقائقِ الأشياءِ غيرِه.
وقولُه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. يقولُ: لا معبود لكم أيُّها الناسُ غير ربِّ السماواتِ والأرضِ وما بينَهما، فلا تعبُدوا غيرَه؛ فإنه لا تصلُحُ العبادةُ لغيرِه، ولا تنبغي لشيءٍ سواه، ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾.
م أيُّها الناسُ غير ربِّ السماواتِ والأرضِ وما بينَهما، فلا تعبُدوا غيرَه؛ فإنه لا تصلُحُ العبادةُ لغيرِه، ولا تنبغي لشيءٍ سواه، ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾. يقولُ: هو الذي يُحْيى ما يشاءُ، ويُميتُ ما
يشاءُ مما كان حيًّا.
وقولُه: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾. يقولُ: هو مالكُكم ومالكُ مَن مضَى قبلكم من آبائِكم الأوّلين. يقولُ: فهذا الذي هذه صفتُه هو الربُّ فاعبُدوه دونَ آلهتكم التي لا تقدِرُ على ضرٍّ ولا نفعٍ.
وقولُه: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما هم بموقنين بحقيقةِ ما يقالُ لهم ويُخْبَرون من هذه الأخبارِ، يعنى بذلك مشركي قريشٍ، ولكنهم في شكٍّ منه، فهم يَلْهُون بشكِّهم في الذي يُخْبَرون به مِن ذلك.
﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٧) لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ (٨)﴾
يقول تعالى مخبرا عن القرآن العظيم: إنه أنزله في ليلة مباركة، وهي ليلة القدر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] وكان ذلك في شهر رمضان، كما قال: تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]
وقد ذكرنا الأحاديث الواردة في ذلك في "سورة البقرة" بما أغنى عن إعادته.
ومن قال: إنها ليلة النصف من شعبان -كما روي عن عكرمة-فقد أبعد النَّجْعَة فإن نص القرآن أنها في رمضان.
اردة في ذلك في "سورة البقرة" بما أغنى عن إعادته.
ومن قال: إنها ليلة النصف من شعبان -كما روي عن عكرمة-فقد أبعد النَّجْعَة فإن نص القرآن أنها في رمضان. والحديث الذي رواه عبد الله بن صالح، عن الليث، عن عقيل عن الزهري: أخبرني عثمان بن محمد بن المغيرة بن الأخنس أن رسول الله ﷺ قال: "تقطع الآجال من شعبان إلى شعبان، حتى إن الرجل لينكح ويولد له، وقد أخرج اسمه في الموتى" فهو حديث مرسل، ومثله لا يعارض به النصوص.
وقوله: (إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ) أي: معلمين الناس ما ينفعهم ويضرهم شرعًا، لتقوم حجة الله على عباده.
وقوله: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) أي: في ليلة القدر يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق، وما يكون فيها إلى آخرها.
فْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) أي: في ليلة القدر يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة أمر السنة، وما يكون فيها من الآجال والأرزاق، وما يكون فيها إلى آخرها. وهكذا روي عن ابن عمر، وأبي مالك، ومجاهد، والضحاك، وغير واحد من السلف.
وقوله: (حكيم) أي: محكم لا يبدل ولا يغير؛ ولهذا قال: (أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا) أي: جميع ما يكون ويقدره الله تعالى وما يوحيه فبأمره وإذنه وعلمه، (إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ) أي: إلى الناس رسولا يتلو عليهم آيات الله مبينات، فإن الحاجة كانت ماسة إليه؛ ولهذا قال: (رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) أي: الذي أنزل هذا القرآن هو رب السموات والأرض وخالقهما ومالكهما وما فيهما، (إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) أي: إن كنتم متحققين.