إسرائيلَ وترَكتنى فلم تستعبِدْنى. فتَرك ذِكرَ: وتركتني؛ لدلالةِ
قولِه: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. عليه، والعربُ تفعلُ ذلك اختصارًا للكلامِ. ونظيرُ ذلك في الكلامِ أن يستَحِقَّ رجلان من ذى سلطانٍ عقوبةً، فيعاقبَ أحدَهما ويعفوَ عن الآخرِ، فيقولُ المعفوُّ عنه: هذه نعمةٌ عليَّ من الأميرِ؛ أن عاقَب فلانًا وترَكنى. ثم حذَف "وتركنى"؛ لدلالةِ الكلامِ عليه.
ولـ ﴿أَنْ﴾ في قولِه: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ وجهان؛ أحدُهما، النصبُ؛ لتعلُّقِ ﴿تَمُنُّهَا﴾ بها. وإذا كانت نصبًا كان معنى الكلامِ: وتلك نعمةٌ تمُنُّها عليَّ لتعبُّدِك بني إسرائيلَ. والآخرُ، الرفعُ؛ على أنها ردٌّ على "النعمةِ". و إذا كانت رفعًا كان معنى الكلامِ: وتلك نعمةٌ تمنُّها على تعبيدُك بني إسرائيلَ.
ويعنى بقولِه: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أن اتخذْتَهم عبيدًا لك، يقالُ منه: عَبَّدْتُ العبيدَ وأعبَدْتُهم.
منُّها على تعبيدُك بني إسرائيلَ.
ويعنى بقولِه: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: أن اتخذْتَهم عبيدًا لك، يقالُ منه: عَبَّدْتُ العبيدَ وأعبَدْتُهم. كما قال الشاعرُ:
عَلامَ يُعْبِدُنى قومى وقد كَثرَتْ … فيهم أباعِرُ ما شاءوا وَعُبْدانُ
وبنحوِ الذي قلنا في [تأويلِ قولِه: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾]. قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ،، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ:
﴿تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال: قهَرْتَهم واستعْمَلتَهم.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيج، [عن مجاهدٍ]، قال: تمُنُّ على أن عبدتَ بني إسرائيلَ.
قال: قهَرْتَهم واستعْمَلتَهم.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُرَيج، [عن مجاهدٍ]، قال: تمُنُّ على أن عبدتَ بني إسرائيلَ. قال: قَهَرْتَ وغلبت واستعمَلْتَ بني إسرائيلَ.
حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: وربَّيتنى قبلُ وليدًا.
وقال آخرون: هذا استفهامٌ كان من موسى لفرعونَ، كأنه قال: أَتَمُنُّ على أن اتخَذتَ بني إسرائيلَ عبيدا؟
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾. قال: يقولُ موسى لفرعونَ: أَتَمُنُّ على أن اتخَذتَ أنت بني إسرائيلَ عبيدًا؟
واختلَف أهلُ العربيةِ في ذلك؛ فقال بعضُ نحوييِّ البصرةِ: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾. فيقالُ: هذا استفهامٌ، كأنه قال: أَتَمْنُّها عليَّ؟ ثم فسَّر فقال: ﴿أَنْ
عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
بصرةِ: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾. فيقالُ: هذا استفهامٌ، كأنه قال: أَتَمْنُّها عليَّ؟ ثم فسَّر فقال: ﴿أَنْ
عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وجعَله بدلًا من "النعمةِ".
وكان بعضُ أهلِ العربيةِ يُنكرُ هذا القولَ، ويقولُ: هو غلَطٌ من قائلِه، لا يجوزُ أن يكونَ همزُ الاستفهامِ يُلْقَى، وهو يُطْلَبُ، فيكونَ الاستفهامُ كالخبرِ. قال: وقد استُقبح ومعه "أمْ"، وهي دليل على الاستفهامِ، [واستقبَحوا].
تَرُوحُ من الحيِّ أَمْ تَبْتَكِرْ … وماذا يَضُرُّك لو تَنْتَظِرْ
قال: وقال بعضُهم: هو: أَتَرُوحُ من الحيِّ؟ وحذَف الاستفهامَ أوَّلًا اكتفاءً بـ "أم". وقال أكثرُهم: بل الأوّلُ خبرٌ، والثانى استفهامٌ، وكأنَّ "أم" إذا جاءت بعدَ الكلامِ فهى الألفُ، فأمَّا وليس معه "أم" فلم يقلْه إنسانٌ.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ في ذلك ما قلْنا. وقال: معنى الكلامِ: وفعَلْتَ فَعْلَتَك التي فعَلتَ وأنت من الكافرين لنعمتى. أي: لنعمة تربيتى لك.
ه إنسانٌ.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ في ذلك ما قلْنا. وقال: معنى الكلامِ: وفعَلْتَ فَعْلَتَك التي فعَلتَ وأنت من الكافرين لنعمتى. أي: لنعمة تربيتى لك. فأجابه فقال: نعم، هي نعمةٌ عليَّ أن عبَّدتَ الناس ولم تَسْتَعْبِدْنى.
وقولُه: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾. يقولُ: وأى شيءٍ ربُّ العالمين؟
﴿قَالَ﴾ موسى: هو ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ومالكُهن، ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾. يقولُ: ومالكُ ما بينَ السماواتِ والأرضِ من شيءٍ، ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾. يقولُ: إن كنتم موقنين أنّ ما تُعاينونه كما تُعاينونه، فكذلك فأيقِنوا أن ربَّنا هو ربُّ
السماواتِ والأرضِ وما بينَهما.
تقدون أنه لا رب لهم سوى فرعون، فلما قال له موسى: ﴿إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزخرف: ٤٦]، قال له: ومَنْ هذا الذي تزعم أنه رب العالمين غيري؟ هكذا فسره علماء السلف وأئمة الخلف، حتى قال السدي: هذه الآية كقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٤٩، ٥٠].
ومن زعم من أهل المنطق وغيرهم؛ أن هذا سؤال عن الماهية، فقد غلط؛ فإنه لم يكن مقرًا بالصانع حتى يسأل عن الماهية، بل كان جاحدًا له بالكلية فيما يظهر، وإن كانت الحجج والبراهين قد قامت عليه، فعند ذلك قال موسى لما سأله عن رب العالمين: (قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) أي: خالق جميع ذلك ومالكه، والمتصرف فيه وإلهه، لا شريك له، هو الله الذي خلق الأشياء كلها، العالم العلوي وما فيه من الكواكب الثوابت والسيارات النيرات، والعالم السفلي وما فيه من بحار وقفار، وجبال وأشجار، وحيوان ونبات وثمار، وما بين ذلك من الهواء والطيور، وما يحتوي عليه الجو،
الثوابت والسيارات النيرات، والعالم السفلي وما فيه من بحار وقفار، وجبال وأشجار، وحيوان ونبات وثمار، وما بين ذلك من الهواء والطيور، وما يحتوي عليه الجو، الجميع عبيد له خاضعون ذليلون.
(إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) أي: إن كانت لكم قلوب موقنة، وأبصار نافذة. فعند ذلك التفت فرعون إلى مَنْ حوله من مَلَئه ورؤساء دولته قائلا لهم، على سبيل التهكم والاستهزاء والتكذيب لموسى فيما قاله: (أَلا تَسْتَمِعُونَ) أي: ألا تعجبون مما يقول هذا في زعمه: أن لكم إلها غيري؟ فقال لهم موسى: (رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأوَّلِينَ) أي: خالقكم وخالق آبائكم الأولين، الذي كانوا قبل فرعون وزمانه.
(قال) أي: فرعون لقومه: (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) أي: ليس
له عقل في دعواه أن ثمّ ربا غيري.
ذي كانوا قبل فرعون وزمانه.
(قال) أي: فرعون لقومه: (إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) أي: ليس
له عقل في دعواه أن ثمّ ربا غيري.
(قال) أي: موسى لأولئك الذين أوعز إليهم فرعون ما أوعز من الشبهة، فأجاب موسى بقوله: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) أي: هو الذي جعل المشرق مشرقًا تطلع منه الكواكب، والمغرب مغربًا تغرب فيه الكواكب، ثوابتها وسياراتها، مع هذا النظام الذي سَخّرها فيه وقدّرها، فإن كان هذا الذي يزعم أنه ربكم وإلهكم صادقًا فليعكس الأمر، وليجعل المشرق مغربًا، والمغرب مشرقًا، كما أخبر تعالى عن ﴿الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]؛ ولهذا لما غُلب فرعون وانقطعت حجته، عدل إلى استعمال جاهه وقوته وسلطانه، واعتقد أن ذلك نافع له ونافذ في موسى، ﵇، فقال ما أخبر الله تعالى عنه: