القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: قال قرينُ هذا الإنسانِ الكَفَّارِ المنَّاعِ للخيرِ، وهو شيطانُه الذي كان مُوكَّلًا به في الدنيا.
كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾. قال: قرينُه شيطانُه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قَالَ قَرِينُهُ﴾. قال: الشيطانُ قُيِّض له.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَر﴾: هو المشركُ، ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾.
قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَر﴾: هو المشركُ، ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾. قال: قرينُه الشيطانُ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾. قال: وهو الشيطانُ.
حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ
الضحَّاكَ يقولُ في قولِه: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾. قال: قرينُه شيطانُه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾. قال قرينُه من الجنِّ: ربَّنا ما أطغيتُه. تبرَّأَ منه.
وقولُه: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾. يقولُ: ما أنا جعَلتُه طاغيًا مُتَعدِّيًا إلى ما ليس له.
وإنما يَعْني بذلك الكفرَ باللَّهِ، ﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾.
ا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾. يقولُ: ما أنا جعَلتُه طاغيًا مُتَعدِّيًا إلى ما ليس له.
وإنما يَعْني بذلك الكفرَ باللَّهِ، ﴿وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ﴾. يقولُ: ولكن كان في طريقٍ جائرٍ عن سبيلِ الهدى جَوْرًا بعيدًا.
وإنما أخبر تعالى ذكرُه هذا الخبرَ عن قولِ قرينِ الكافرِ له يومَ القيامةِ؛ إعلامًا منه عبادَه تَبرُّؤَ بعضِهم من بعضٍ يومَ القيامةِ.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾. قال: تبرَّأَ منه.
وقولُه: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾.
دَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ﴾. قال: تبرَّأَ منه.
وقولُه: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: قال اللَّهُ لهؤلاء المشرِكين الذين وصَف صفتَهم وصفةَ قرنائِهم من الشياطينِ: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ اليومَ ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ﴾ في الدنيا قبلَ اختصامِكم هذا، ﴿بِالْوَعِيدِ﴾ لمن كفَر بي وعصَاني، وخالَف أمْري ونَهيي في كتبي وعلى ألسنِ رُسُلي.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عبدُ اللَّهِ بنُ أبي زيادٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أبي بكرٍ، قال: ثنا جعفرٌ،
قال: سمِعتُ أبا عمران يقولُ في قولِ اللَّهِ: ﴿وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾. قال: بالقرآنِ.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾.
كُمْ بِالْوَعِيدِ﴾. قال: بالقرآنِ.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾. قال: إنهم اعتَذروا بغيرِ عذرٍ، فأبطَل اللَّهُ حجتَهم، وردَّ عليهم قولَهم.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾. قال: يقولُ: قد أمرتُكم ونهَيتُكم. قال: هذا ابنُ آدمَ وقرينُه من الجنِّ.
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن أبي جعفرٍ، عن الربيعِ، قال: قلتُ لأبي العاليةِ: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾. [أحسَبُه أنا] قال: هم أهلُ الشركِ. وقال في آيةٍ أخرى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١]. قال: هم أهلُ القبلةِ.
﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٢٧) قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾
يقول تعالى مخبرًا عن الملك الموكل بعمل ابن آدم: أنه يشهد عليه يوم القيامة بما فعل ويقول: (هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ) أي: معتد محضر بلا زيادة ولا نقصان.
وقال مجاهد: هذا كلام الملك السائق يقول: هذا ابن آدم الذي وكلتني به، قد أحضرته.
وقد اختار ابن جرير أن يعم السائق والشهيد، وله اتجاه وقوة.
فعند ذلك يحكم الله، سبحانه تعالى، في الخليقة بالعدل فيقول: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ).
ير أن يعم السائق والشهيد، وله اتجاه وقوة.
فعند ذلك يحكم الله، سبحانه تعالى، في الخليقة بالعدل فيقول: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ).
وقد اختلف النحاة في قوله: (ألقيا) فقال بعضهم: هي لغة لبعض العرب يخاطبون المفرد بالتثنية، كما روي عن الحجاج أنه كان يقول: يا حرسي، اضربا عنقه، ومما أنشد ابن جرير على هذه اللغة قول الشاعر:
فإن تزجراني -يا ابن عفان-أنزجر … وإن تتركاني أحم عرضا ممنعا
وقيل: بل هي نون التأكيد، سهلت إلى الألف. وهذا بعيد؛ لأن هذا إنما يكون في الوقف، والظاهر أنها مخاطبة مع السائق والشهيد، فالسائق أحضره إلى عرصة الحساب، فلما أدى الشهيد عليه، أمرهما الله تعالى بإلقائه في نار جهنم وبئس المصير.
(أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ) أي: كثير الكفر والتكذيب بالحق، (عنيد): معاند للحق، معارض له بالباطل مع علمه بذلك.
جهنم وبئس المصير.
(أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ) أي: كثير الكفر والتكذيب بالحق، (عنيد): معاند للحق، معارض له بالباطل مع علمه بذلك. (مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ) أي: لا يؤدي ما عليه من الحقوق، ولا بر فيه ولا صلة ولا صدقة، (معتد) أي: فيما ينفقه ويصرفه، يتجاوز فيه الحد.
وقال قتادة: معتد في منطقه وسيرته وأمره.
(مريب) أي: شاك في أمره، مريب لمن نظر في أمره.
(الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) أي: أشرك بالله فعبد معه غيره، (فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ). وقد تقدم في الحديث: أن عنقًا من النار يبرز للخلائق فينادي بصوت يسمع الخلائق: إني وكلت بثلاثة، بكل جبار، ومن جعل مع الله إلها آخر، وبالمصورين ثم تلوى عليهم.
قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية -هو ابن هشام-حدثنا شيبان، عن فِراس عن عطية، عن أبي سعيد الخدري عن نبي الله ﷺ أنه قال: "يخرج عنق من النار يتكلم، يقول: وكلت اليوم بثلاثة:
بكل جبار، ومن جعل مع الله إلها آخر، ومن قتل نفسا بغير نفس.
أبي سعيد الخدري عن نبي الله ﷺ أنه قال: "يخرج عنق من النار يتكلم، يقول: وكلت اليوم بثلاثة:
بكل جبار، ومن جعل مع الله إلها آخر، ومن قتل نفسا بغير نفس. فتنطوي عليهم، فتقذفهم في غمرات جهنم".
(قَالَ قَرِينُهُ): قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وغيرهم: هو الشيطان الذي وكل به: (رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ) أي: يقول عن الإنسان الذي قد وافى القيامة كافرًا، يتبرأ منه شيطانه، فيقول: (رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ) أي: ما أضللته، (وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) أي: بل كان هو في نفسه ضالا قابلا للباطل معاندًا للحق.
فيقول الإنسي: يا رب، هذا أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني. ويقول الشيطان: (رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) أي: عن منهج الحق. فيقول الرب ﷿ لهما: (لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ) أي: عندي، (وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ) أي: قد أعذرت إليكم على ألسنة الرسل، وأنزلت الكتب، وقامت عليكم الحجج والبينات والبراهين.
(مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ) قال مجاهد: يعني قد قضيت ما أنا قاض، (وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ) أي: لست أعذب أحدا بذنب أحد، ولكن لا أعذب أحدًا إلا بذنبه، بعد قيام الحجة عليه.