القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكره: والأرضَ بسَطناها، ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾. يقولُ: وجعَلنا فيها جبالًا ثوابتَ رسَتْ في الأرضِ، ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأَنْبَتْنا في الأرضِ من كلِّ نوعٍ من نباتٍ حسنٍ. وهو البهيجُ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿بَهِيجٍ﴾. يقولُ: حسنٍ.
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾: الرواسي الجبالُ، ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. أي: من كلِّ زوجٍ حسنٍ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قلتُ لابنِ زيدٍ: البَهيجُ هو
الحسنُ المنظرِ؟
َا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾. أي: من كلِّ زوجٍ حسنٍ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قلتُ لابنِ زيدٍ: البَهيجُ هو
الحسنُ المنظرِ؟ قال: نعَمْ.
وقولُه: ﴿تَبْصِرَةً﴾. يقولُ: فعَلْنا ذلك تبصرةً لكم أيُّها الناسُ نُبَصِّرُكم بها قدرةَ ربِّكم على ما يَشاءُ، ﴿وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾. يقولُ: وتذكيرًا من اللَّهِ عظمتَه وسلطانَه، وتنبيهًا على وحدانيتِه، ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾. يقولُ: لكلِّ عبدٍ رجَع إلى الإيمان باللَّهِ والعملِ بطاعتِه.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تَبْصِرَةً﴾: نعمةً من اللَّهِ يُبَصِّرُها العبادَ، ﴿وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾. أي مُقْبِلٍ بقلبِه إلى اللَّهِ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى﴾.
عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾. أي مُقْبِلٍ بقلبِه إلى اللَّهِ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى﴾. قال: تبصرةً من اللَّهِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿تَبْصِرَةً﴾. قال: بصيرةً.
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا، مِهرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن عطاءٍ
ومجاهدٍ: ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾. قالا: مخْبِتٍ.
َخْلَ بَاسِقَاتٍ) أي: طوالا شاهقات. وقال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والسدي، وغيرهم: الباسقات الطوال. (لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ) أي: منضود. (رِزْقًا لِلْعِبَادِ) أي: للخلق، (وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا) وهي: الأرض التي كانت هامدة، فلما نزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، من أزاهير وغير ذلك، مما يحار الطرف في حسنها، وذلك بعد ما كانت لا نبات بها، فأصبحت تهتز خضراء، فهذا مثال للبعث بعد الموت والهلاك، كذلك يحيي الله الموتى.
أزاهير وغير ذلك، مما يحار الطرف في حسنها، وذلك بعد ما كانت لا نبات بها، فأصبحت تهتز خضراء، فهذا مثال للبعث بعد الموت والهلاك، كذلك يحيي الله الموتى. وهذا المشاهد من عظيم قدرته بالحس أعظم مما أنكره الجاحدون للبعث كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩].
أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ أي من كل صنف حسن من أصناف النبات، وقوله: ﴿تَبْصِرَةً﴾ أي قدرنا الأرض وألقينا فيها الرواسي وأنبتنا فيها أصناف النبات الحسنة، لأجل أن نبصر عبادنا كمال قدرتنا على البعث وعلى كل شيء وعلى استحقاقنا للعبادة دون غيرنا.
•