القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: لُعِن المتكهِّنون الذين يَتَخَرَّصون الكذِبَ والباطِلَ فيتطيَّبونه.
واختلَف أهلُ التأويلِ في الذين عُنوا بقولِه: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِي به المُرتابون.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾. يقولُ: لُعِن المُرتابون.
وقال آخرون في ذلك بالذي قلْنا فيه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾. قال: الكَهنةُ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾.
قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾. قال: الذين يَخَرَّصون الكذبَ؛ كقولِه في "عبس": ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ﴾ [عبس: ١٧].
وقد حدَّثني كلُّ واحدٍ منهما بالإسنادِ الذي ذكَرتُ عنه، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾. قال: الذين يقولون: لا نُبعَثُ، ولا يُوقِنون.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾: أهلُ الظنونِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ﴾. قال: القومُ الذين كانوا يَتَخَرَّصون الكذِبَ على رسولِ اللَّهِ ﷺ، قالت طائفةٌ: إنما هو ساحرٌ، والذي جاء به سحرٌ. وقالت طائفةٌ: إنما هو شاعرٌ، والذي جاء به شعرٌ. وقالت طائفةٌ: إنما هو كاهنٌ، والذي جاء به كَهانةٌ. وقالت طائفةٌ: [﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ] اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥].
نما هو كاهنٌ، والذي جاء به كَهانةٌ. وقالت طائفةٌ: [﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ] اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥]. يتخرَّصون على رسولِ اللَّهِ ﷺ.
وقولُه: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الذين هم في غمرةِ الضلالةِ وغلَبتِها عليهم مُتَمادون، وعن الحقِّ الذي بعَث اللَّهُ به محمدًا ﷺ ساهون، قد لَهُوا عنه.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ وإن اختلَفت ألفاظُهم في البيانِ عنه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾. يقولُ: في ضلالتِهم يَتمادَون.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾. قال: في غفلةٍ لاهون.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾.
نَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾. قال: في غفلةٍ لاهون.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾. يقولُ: في غمرةٍ وشُبهةٍ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ: ﴿فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾. قال: في غفلةٍ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾. قال: ساهون عما أتاهم، وعما نزَل عليهم، وعما أمَرهم اللَّهُ ﵎. وقرَأ قولَ اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا﴾ الآية [المؤمنون: ٦٣]. وقال: ألا ترَى الشيءَ إِذا أخَذْتَه ثم غمَرتَه في الماءِ؟
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ،
عن مجاهدٍ: ﴿فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾. قال: قلبُه في كِنانةٍ.
وقولُه: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾.
قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ،
عن مجاهدٍ: ﴿فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ﴾. قال: قلبُه في كِنانةٍ.
وقولُه: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يسألُ هؤلاء الخرَّاصون الذين وصَف صفتَهم: متى يومُ المجازاةِ والحسابِ، ويومُ يُدِينُ اللَّهُ العبادَ بأعمالِهم؟
كما حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾. قال: الذين كانوا يَجْحَدون أنهم يُدَانون، أو يُبْعَثون.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسي، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾. قال: يَقولون: متى يومُ الدين، أَوَ يكونُ يومُ الدينِ؟.
وقولُه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾.
لَه: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾. قال: يَقولون: متى يومُ الدين، أَوَ يكونُ يومُ الدينِ؟.
وقولُه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: يومَ هم على نارِ جهنمَ يُفْتَنون.
واختلَف أهلُ التأويلِ في معنى قولِه: ﴿يُفْتَنُونَ﴾ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: عنَى به أنهم يُعذَّبون بالإحراقِ بالنارِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. يقولُ: يُعذَّبون.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. قال: فِتنتُهم أنهم سألوا عن يومِ الدينِ، وهم مَوْقُوفون على النارِ، ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾.
يُفْتَنُونَ﴾. قال: فِتنتُهم أنهم سألوا عن يومِ الدينِ، وهم مَوْقُوفون على النارِ، ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾. فقالوا حينَ وُقِفوا: ﴿يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾، قال اللَّهُ ﵎: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات: ٢٠، ٢١].
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ عن مجاهدٍ قولَه: ﴿يُفْتَنُونَ﴾. قال: كما يُفتَنُ الذهبُ في النارِ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنى هشيمٌ، قال: أخبَرنا حصينٌ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. قال: يُعَذَّبون في النارِ، يُحْرَقون فيها، ألم ترَ أن الذهبَ إذا أُلْقِي في النارِ، قِيل: فُتِن.
حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصلتِ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن حصينٍ، عن عكرِمةَ: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾.
.
حدَّثني سليمانُ بنُ عبدِ الجبارِ، قال: ثنا محمدُ بنُ الصلتِ، قال: ثنا أبو كُدَينةَ، عن حصينٍ، عن عكرِمةَ: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. قال: يُعَذَّبون.
حدَّثنا يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبُوعيُّ، قال: ثنا فضيلُ بنُ عياضٍ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. يقولُ: يُنْضَجون بالنارِ.
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن الحصينِ، عن عكرِمةَ:
﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. قال: يُحْرَقون.
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. يقولُ: يُحْرَقون.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. قال: يُطْبَخون، كما يُفْتَنُ الذهبُ بالنارِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾.
يُطْبَخون، كما يُفْتَنُ الذهبُ بالنارِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. قال: يُحْرَقون بالنارِ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. قال: يُحْرَقون.
وقال آخرون: بل عُنِي بذلك أَنَّهم يُكَذَّبون.
ذكرُ مَن قال ذلك
حُدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. يقولُ: يُطْبَخون. ويقالُ أيضًا: ﴿يُفْتَنُونَ﴾: يُكَذَّبون، كلُّ هذا يُقالُ.
واختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ نصبِ "اليوم" في قولِه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ﴾؛
فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: نُصِبت على الوقتِ. والمعنَى في: ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾. أي: متى يومُ الدينِ؟
" في قولِه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ﴾؛
فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: نُصِبت على الوقتِ. والمعنَى في: ﴿أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾. أي: متى يومُ الدينِ؟ فقِيل لهم: في ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾؛ لأن ذلك اليومَ يومٌ طويلٌ، فيه الحسابُ، وفيه فِتنتُهم على النارِ.
وقال بعضُ نَحويِّي الكوفةِ: إنما نُصِبت: ﴿يَوْمَ هُمْ﴾؛ لأنك أضَفتَه إلى شَيْئَينِ، وإذا أُضِيف "اليوم" و"الليلة" إلى اسمٍ له فعلٌ، وارتفَعا، نُصِب "اليوم"، وإن كان في موضعِ خفضٍ أو رَفعٍ، و إذا أُضِيفَ إلى "فعَل" أو "يفعَل"، [أو إذا كان كذلك]، ورفَعه في موضعِ الرفعِ، وخفَضَه في موضعِ الخفضِ [يجوز، فلو] قيل: (يَوْمُ هُم عَلَى النَّارِ يُفْتَنُون): فرُفِع "يومُ"، لكان وجهًا، ولم يَقْرَأْ به أحدٌ من القراءِ.
وقال آخرُ منهم: إنَّما نصَب ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾؛ لأنه إضافةٌ غيرُ محضةٍ؛ فنُصب والتأويلُ رفعٌ، ولو رفَع لجاز؛ لأنك تقولُ: متى يومُك؟ فتقولُ: يومُ الخميسِ، ويومُ الجمعةِ.
عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾؛ لأنه إضافةٌ غيرُ محضةٍ؛ فنُصب والتأويلُ رفعٌ، ولو رفَع لجاز؛ لأنك تقولُ: متى يومُك؟ فتقولُ: يومُ الخميسِ، ويومُ الجمعةِ. والرفعُ الوجهُ؛ لأنه اسمٌ قابَل اسمًا، فهذا الوجهُ.
وأولى القولَيْن بالصوابِ في تأويلِ قولِه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾. قولُ مَن قال: يُعَذَّبون بالإحراقِ. لأن الفتنةَ أصلُها الاختبارُ، وإنما يُقالُ: فتنتُ الذهبَ بالنارِ. إذا طبَختَها بها لتعرفَ جودتَها فكذلك قولُه: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ يُحْرَقون بها كما يُحْرَقُ الذهبُ بها، وأما النصبُ في اليومِ فلأنها إضافةٌ غيرُ محضةٍ، على ما وصَفنا من قولِ قائلِ ذلك.
﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (١٠) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (١١) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (١٢) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (١٤)﴾
ثم قال: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ) قال ابن عباس: ذات البهاء والجمال والحسن والاستواء. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جُبَيْر، وأبو مالك، وأبو صالح، والسدي، وقتادة، وعطية العوفي، والربيع بن أنس، وغيرهم.
وقال الضحاك، والمِنْهَال بن عمرو، وغيرهما: مثل تجعد الماء والرمل والزرع إذا ضربته الريح، فينسج بعضه بعضا طرائق [طرائق]، فذلك الحبك.
قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلَيَّة، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، عن رسول الله ﷺ؛ أنه قال: "إن من ورائكم الكذاب المضل، وإن رأسه من ورائه حُبُك حُبُك" يعني بالحبك: الجعودة.
أيوب، عن أبي قلابة، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، عن رسول الله ﷺ؛ أنه قال: "إن من ورائكم الكذاب المضل، وإن رأسه من ورائه حُبُك حُبُك" يعني بالحبك: الجعودة.
وعن أبي صالح: (ذَاتِ الْحُبُكِ): الشدة. وقال خصيف: (ذَاتِ الْحُبُكِ): ذات الصفافة.
وقال الحسن بن أبي الحسن البصري: (ذَاتِ الْحُبُكِ): حبكت بالنجوم.
وقال قتادة: عن سالم بن أبي الجَعْد، عن مَعْدان بن أبي طلحة، عن عمرو البكالي، عن عبد الله بن عمرو: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ): يعني: السماء السابعة.
وكأنه -والله أعلم-أراد بذلك السماء التي فيها الكواكب الثابتة، وهي عند كثير من علماء الهيئة في الفلك الثامن الذي فوق السابع، والله أعلم.
سماء السابعة.
وكأنه -والله أعلم-أراد بذلك السماء التي فيها الكواكب الثابتة، وهي عند كثير من علماء الهيئة في الفلك الثامن الذي فوق السابع، والله أعلم. وكل هذه الأقوال ترجع إلى شيء واحد، وهو الحسن والبهاء، كما قال ابن عباس ﵄، فإنها من حسنها مرتفعة شفافة صفيقة، شديدة البناء، متسعة الأرجاء، أنيقة البهاء، مكللة بالنجوم الثوابت والسيارات، موشحة بالشمس والقمر والكواكب الزاهرات.
وقوله: (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ) أي: إنكم أيها المشركون المكذبون للرسل لفي قول مختلف مضطرب، لا يلتئم ولا يجتمع.
وقال قتادة: إنكم لفي قول مختلف، [يعني] ما بين مصدق بالقرآن ومكذب به.
(يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ) أي: إنما يروج على من هو ضال في نفسه؛ لأنه قول باطل إنما ينقاد له ويضل بسببه ويؤفك عنه من هو مأفوك ضال غَمْر، لا فهم له، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦١ - ١٦٣].
لا فهم له، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ١٦١ - ١٦٣].
قال ابن عباس، والسدي: (يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ): يضل عنه من ضل. وقال مجاهد: (يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ) يؤفن عنه من أفن. وقال الحسن البصري: يصرف عن هذا القرآن من كذب به.
وقوله: (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ) قال مجاهد: الكذابون. قال: وهي مثل التي في عبس: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: ١٧]، والخراصون الذين يقولون لا نبعث ولا يوقنون.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ) أي: لعن المرتابون.
وهكذا كان معاذ، ﵁، يقول في خطبه: هلك المرتابون. وقال قتادة: الخراصون أهل الغرة والظنون.
وقوله: (الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ): قال ابن عباس وغير واحد: في الكفر والشك غافلون لاهون.
(يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ): وإنما يقولون هذا تكذيبا وعنادا وشكا واستبعادا.
َاهُونَ): قال ابن عباس وغير واحد: في الكفر والشك غافلون لاهون.
(يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ): وإنما يقولون هذا تكذيبا وعنادا وشكا واستبعادا. قال الله تعالى: (يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ).
قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وغير واحد: (يفتنون): يعذبون [قال مجاهد]: كما
يفتن الذهب على النار.
وقال جماعة آخرون كمجاهد أيضا، وعكرمة، وإبراهيم النَّخَعِي، وزيد بن أسلم، وسفيان الثوري: (يفتنون): يحرقون.
(ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ): قال مجاهد: حريقكم. وقال غيره: عذابكم. (هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ): أي: يقال لهم ذلك تقريعًا وتوبيخًا وتحقيرًا وتصغيرًا.