القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: أفرأَيتَ يا محمدُ الذي أدْبَر عن الإيمانِ باللَّهِ، وأعرَض عنه وعن دينِه، وأعطى صاحبَه قليلًا من مالِه، ثم منَعه [فبَخِل عليه فلم يُعْطِه].
وذُكِر أنَّ هذه الآيةَ نزَلت في الوليدِ بنِ المغيرةِ؛ مِن أجْلِ أنه عاتَبه بعضُ المشركين، وكان قد اتَّبع رسولَ اللَّهِ ﷺ على دينِه، فضَمِن له الذي عاتَبه إن هو أعطاه شيئًا مِن مالِه ورجَع إلى شِرْكِه، أن يَتَحمَّلَ عنه عذابَ الآخرةِ، ففَعَل، فأعطى الذي عاتَبه على ذلك بعضَ ما كان ضَمِن له، ثم بَخِل، ومنَعه تمامَ ما ضَمِن له.
ذكرُ مَن قال ذلك
شِرْكِه، أن يَتَحمَّلَ عنه عذابَ الآخرةِ، ففَعَل، فأعطى الذي عاتَبه على ذلك بعضَ ما كان ضَمِن له، ثم بَخِل، ومنَعه تمامَ ما ضَمِن له.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَأَكْدَى﴾. قال: الوليدُ بن المغيرةِ أعطَى قليلًا ثم أَكْدَى.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قولِه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى﴾ إلى: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾. قال: هذا رجلٌ أسلَم، فلقِيه بعضُ مِن يُعَيِّرُه، فقال: أتَرَكْتَ دينَ الأشياخِ وضَلَّلتَهم وزعَمتَ أنهم في النارِ؟ كان يَنْبَغِي لك أن تَنْصُرَهم، فكيف تَفْعَلُ بآبائِك؟ فقال: إني خَشِيتُ عذابَ اللَّهِ. فقال: أَعطِني شيئًا وأنا أَحْمِلُ كلَّ عذابٍ كان عليك عنك. فأعطاه شيئًا، فقال: زِدْني.
ُرَهم، فكيف تَفْعَلُ بآبائِك؟ فقال: إني خَشِيتُ عذابَ اللَّهِ. فقال: أَعطِني شيئًا وأنا أَحْمِلُ كلَّ عذابٍ كان عليك عنك. فأعطاه شيئًا، فقال: زِدْني. فتعاسَرا، حتى أعطاه شيئًا وكتَب له كتابًا وأشهَد له، فذلك قولُ اللَّهِ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾: عاسَره، ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾. نزَلت فيه هذه الآيةُ.
وبنحوِ الذي قلنا في معنى قولِه: ﴿وَأَكْدَى﴾ قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي سنانٍ الشيبانيِّ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن أبي سنانٍ الشيبانيِّ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾. قال: أعطَى قليلًا ثم انقطَع.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾.
يقولُ: أعطَى قليلًا ثم انقطَع.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾. قال: انقطَع فلا يُعْطِي شيئًا، ألم تَرَ إلى البئرِ يقالُ لها: أَكْدَتْ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَكْدَى﴾: انقطَع عطاؤُه.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابنِ طاوسٍ وقتادةَ في قولِه: ﴿وَأَكْدَى﴾.
بي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَكْدَى﴾: انقطَع عطاؤُه.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن ابنِ طاوسٍ وقتادةَ في قولِه: ﴿وَأَكْدَى﴾. قال: أعطَى قليلًا، ثم قطَع ذلك.
قال: ثنا ابنُ ثورٍ، قال: ثنا معمرٌ، عن عكرمةَ مثلَ ذلك.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَأَكْدَى﴾. أي: بَخِل وانقطَع عطاؤُه.
حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَأَكْدَى﴾. يقولُ: انقطَع عطاؤُه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه:
﴿وَأَكْدَى﴾: عاسَره.
والعربُ تقولُ: حفَر فلانٌ فأَكْدى. وذلك إذا بلَغ الكُدْيَةَ، وهو أن يَحفِرَ الرَّجلُ في السَّهلِ، ثم يَسْتقبِلَه جبلٌ فيُكْدِيَ، يقالُ: قد أَكْدى يُكْدِي كِداءً. و: كَدِيَتْ أظفارُه وأصابعُه كِدًى شديدًا. منقوصٌ، إِذا غَلُظَت. و: كَدِيَتْ أصابعُه. إذا كَلَّت فلم تَعْمَلْ شيئًا. و: كَدَأ النَّبْتُ.
ْدِي كِداءً. و: كَدِيَتْ أظفارُه وأصابعُه كِدًى شديدًا. منقوصٌ، إِذا غَلُظَت. و: كَدِيَتْ أصابعُه. إذا كَلَّت فلم تَعْمَلْ شيئًا. و: كَدَأ النَّبْتُ. إذا قلَّ رَفْعُه، يُهْمَزُ ولا يُهْمَزُ.
وكان بعضُ أهلِ العلمِ بكلامِ العربِ يقولُ: اشتُقَّ قولُه: ﴿وَأَكْدَى﴾. مِن كُدْيةِ الرَّكِيَّةِ، وهو أن يَحْفِرَ حتى يَيْأَسَ مِن الماءِ، فيُقالُ حينئذٍ: بلَغْنا كُدْيَتَها.
وقولُه: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أعندَ هذا الذي ضَمِن له صاحبُه أنه يتَحمَّلُ عنه عذابَ اللَّهِ في الآخرةِ - علمُ الغيبِ، فهو يرى حقيقةَ قولِه، ووفائِه بما وعَده؟!
وقولُه: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: أم لم يُخْبَرْ هذا المضمونُ له أنه يُتحمَّلُ عنه عذابُ اللَّهِ في الآخرةِ - بالذي في صحفِ موسى بنِ عمرانَ صلواتُ اللَّهِ عليه.
وقولُه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾.
المضمونُ له أنه يُتحمَّلُ عنه عذابُ اللَّهِ في الآخرةِ - بالذي في صحفِ موسى بنِ عمرانَ صلواتُ اللَّهِ عليه.
وقولُه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. يقولُ: وإبراهيمَ الذي وَفَّى مَن أُرسِل إليه ما أُرسِل به.
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي وَفَّى؛ فقال بعضُهم: وفَّاه بما عَهِد إليه
ربُّه مِن تبليغِ رسالتِه، وهو: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. قال: كانوا قبلَ إبراهيم يأخُذون الوليَّ بالوليِّ، حتى كان إبراهيمُ فبَلَّغ، ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: لا يُؤاخَذُ أَحدٌ بذنبِ غيرِه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ و عكرمةَ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾.
رَى﴾: لا يُؤاخَذُ أَحدٌ بذنبِ غيرِه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ و عكرمةَ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. قالا: فبلَّغ هذه الآياتِ، ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢).
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. قال: وَفَّى طاعةَ اللهِ، وبلَّغ رسالاتِ ربِّه إلى خَلْقِه. وكان عكرمةُ يقولُ: وَفَّى هؤلاءِ الآياتِ العشرَ: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ حتى بلَغ: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨ - ٤٧].
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾: أَوْفَى طاعةَ اللَّهِ ورسالتَه (١) إلى خَلْقِه.
حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبُوعيُّ، قال: ثنا أبو بَكرٍ، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾.
) إلى خَلْقِه.
حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ اليَرْبُوعيُّ، قال: ثنا أبو بَكرٍ، عن أبي حَصينٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. قال: بلَّغ ما أُمِر به.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. قال: بلَّغ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. قال: ﴿وَفَّى﴾: بلَّغ رسالاتِ ربِّه؛ بلَّغ ما أرسَله به، كما يُبلِّغُ الرجلُ ما أَرْسَلْتَه به.
وقال آخرون: بل وفَّى بما رأى في المنامِ مِن ذبحِ ابنِه. وقالوا: قولُه: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ من المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ.
به.
وقال آخرون: بل وفَّى بما رأى في المنامِ مِن ذبحِ ابنِه. وقالوا: قولُه: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ من المؤخَّرِ الذي معناه التقديمُ. وقالوا: معنى الكلامِ: أم لم يُنَبَّأْ بما في صحفِ موسى، ألَّا تَزِرُ وازرةٌ وزرَ أخرى، وبما في صحف إبراهيمَ الذي وفَّى.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. يقولُ: إبراهيمُ الذي استَكْملَ الطاعةَ فيما فعَل بابنِه حينَ رأَى الرُّؤْيا، [والذي] في صحفِ موسى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ إلى آخرِ الآيةِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني ابنُ لهيعةَ، عن أبي صخرٍ، عن القُرَظيِّ، وسُئل عن هذه الآيةِ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾.
ِ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني ابنُ لهيعةَ، عن أبي صخرٍ، عن القُرَظيِّ، وسُئل عن هذه الآيةِ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. قال: وفَّى بذبحِ ابنِه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك أنَّه وَفَّى رَبَّه جميعَ شرائعِ الإسلامِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بن أحمدَ بنِ شَبُّويَه، قال: ثنا عليُّ بنُ الحسنِ، قال: ثنا خارجةُ بنُ مصعبٍ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الإسلامُ ثلاثون سهمًا، وما ابْتُلِي بهذا الدينِ أحدٌ فأَقامه إلا إبراهيمُ، قال اللَّهُ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾.
عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: الإسلامُ ثلاثون سهمًا، وما ابْتُلِي بهذا الدينِ أحدٌ فأَقامه إلا إبراهيمُ، قال اللَّهُ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. فكتَب اللهُ له براءةً مِن النارِ.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾: ما فُرِض عليه.
وقال آخرون: وفَّى بما رُوي عن رسولِ اللهِ ﷺ في الخبرِ الذي حدَّثنا به أبو كريبٍ، قال: ثنا رِشْدِينُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى زَبّانُ بنُ فائدٍ، عن سهلِ بنِ معاذِ بنِ أنسٍ، عن أبيه، قال: كان النبيُّ ﷺ يقولُ: "ألا أُخْبِرُكم لِمَ سمَّى اللَّهُ إبراهيمَ خليلَه الذي وفَّى؟ لأنَّه كان يقولُ كلَّما أصبَح وكلَّما أمسى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ
تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧].
للَّهُ إبراهيمَ خليلَه الذي وفَّى؟ لأنَّه كان يقولُ كلَّما أصبَح وكلَّما أمسى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ
تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]. حتى ختَم الآيةَ.
وقال آخرون: بل وفَّى ربَّه عملَ يومِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا حسنُ بنُ عطيةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن جعفرِ بنِ الزبيرِ، عن القاسمِ، عن أبي أُمامةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: " ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ ". قال: "أتَدْرون ما وفَّى؟ ". قالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ. قال: "وفَّى عملَ يومِه أربعَ رَكَعَاتٍ في النهارِ".
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ مَن قال: وفَّى جميعَ شرائعِ الإسلامِ، وجميعَ ما أُمِر به مِن الطاعةِ. لأنّ اللَّهَ تعالى ذكرُه أخبَر عنه أنَّه وفَّى، فعَمَّ بالخبرِ عنه عن تَوْفِيَتِه جميعَ الطاعةِ، ولم يَخْصُصْ بعضًا دونَ بعضٍ.
فإن قال قائلٌ: فإنه قد خَصَّ ذلك بقولِه: ﴿وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
وْفِيَتِه جميعَ الطاعةِ، ولم يَخْصُصْ بعضًا دونَ بعضٍ.
فإن قال قائلٌ: فإنه قد خَصَّ ذلك بقولِه: ﴿وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. فإن ذلك مما أخبَر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه أنه في صحفِ موسى وإبراهيمَ، لا مما خَصَّ به الخبرَ عن أنه وفَّى، وأما التَّوْفيةُ فإنها على العمومِ، ولو صَحَّ الخبران اللَّذان
ذكَرْناهما أو أحدُهما عن رسولِ اللَّهِ ﷺ، لم نَعْدُ القولُ به إلى غيرِه، ولكن في إسنادِهما نظرٌ، يجِبُ التثبُّتُ فيهما مِن أَجْلِه.
وقولُه: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: فـ "أنْ" من قولِه: ﴿أَلَّا تَزِرُ﴾.
رِه، ولكن في إسنادِهما نظرٌ، يجِبُ التثبُّتُ فيهما مِن أَجْلِه.
وقولُه: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: فـ "أنْ" من قولِه: ﴿أَلَّا تَزِرُ﴾. على التأويلِ الذي تأوَّلناه في موضعِ خفضٍ، ردًّا على "ما" التي في قولِه: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى﴾.
ويعني بقولِه: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾: [أَلَّا تَحْمِلُ حاملةٌ إثمَ حاملةٍ] غيرِها؛ بل كلُّ آثمةٍ فإنما إثمُها عليها.
وقد بيَّنا تأويلَ ذلك باختلافِ أهلِ العلمِ فيه فيما مضى قبلُ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عُبيدٍ المُحاربيُّ، قال: ثنا أبو مالكٍ الجَنْبيُّ، قال: ثنا إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ، عن أبي مالكٍ الغِفاريِّ في قولِه: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ إلى قولِه: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾.
ولِه: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ إلى قولِه: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾. قال: هذا في صحفِ إبراهيمَ وموسى.
وإنما عَنَى بقولِه: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. الذي ضَمِن للوليدِ بنِ المغيرةِ أنْ يتحمَّلَ عنه عذابَ اللَّهِ يومَ القيامةِ، يقولُ: ألم يُخْبَرْ قائلُ هذا القولِ وضامنُ هذا الضمانِ، بالذى في صحفِ موسى وإبراهيمَ مكتوبٌ؛ ألَّا تأْثمُ آثمةٌ إثمَ أخرى غيرِها، ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: أَوَلم يُنَبَّأْ أنه لا يُجازَى
عاملٌ إلا بعملِه، خيرًا كان ذلك أو شرًّا.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾.
ملِه، خيرًا كان ذلك أو شرًّا.
كما حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. وقرَأ: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤] قال: أعمالَكم.
وذُكِر عن ابنِ عباسٍ أنه قال: هذه الآيةُ منسوخةٌ.
[ذكرُ الرواية بذلك عنه].
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. قال: فأنزَل اللَّهُ بعدَ هذا: (والذين آمَنوا و [أتْبَعناهم ذُرِّيَّاتِهم] بإيمانٍ ألْحَقْنا بهم ذُرِّيَّاتِهم) [الطور: ٢١]. فَأَدْخَل اللهُ الأبناءَ بصلاحِ الآباء الجنةَ.
َوَلَّى﴾ [القيامة: ٣١، ٣٢]، (وَأَعْطَى قَلِيلا وَأَكْدَى) قال ابن عباس: أطاع قليلا ثم قطعه. وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة، وغير واحد. قال عكرمة وسعيد: كمثل القوم إذا كانوا يحفرون بئرًا، فيجدون في أثناء الحفر صخرة تمنعهم من تمام العمل، فيقولون: "أكدينا"، ويتركون العمل.
وقوله: (أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى) أي: أعند هذا الذي قد أمسك يده خشية الإنفاق، وقطع
معروفه، أعنده علم الغيب أنه سينفد ما في يده، حتى قد أمسك عن معروفه، فهو يرى ذلك عيانا؟! أي: ليس الأمر كذلك، وإنما أمسك عن الصدقة والمعروف والبر والصلة بخلا وشحا وهلعا؛ ولهذا جاء في الحديث: "أنفق بلالا ولا تَخْشَ من ذي العرش إقلالا"، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩].
وقوله: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) قال سعيد بن جبير، والثوري أي بلّغ جميع ما أمر به.
وقال ابن عباس: (وَفَّى) لله بالبلاغ.
بَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) قال سعيد بن جبير، والثوري أي بلّغ جميع ما أمر به.
وقال ابن عباس: (وَفَّى) لله بالبلاغ. وقال سعيد بن جُبَير: (وَفَّى) ما أمر به. وقال قتادة: (وَفَّى) طاعة الله، وأدى رسالته الى خلقه. وهذا القول هو اختيار ابن جرير، وهو يشمل الذي قبله، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤] فقام بجميع الأوامر، وترك جميع النواهي، وبلغ الرسالة على التمام والكمال، فاستحق بهذا أن يكون للناس إماما يُقتَدى به في جميع أحواله وأفعاله وأقواله، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣].
أفعاله وأقواله، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣].
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف الحِمْصي، حدثنا آدم بن أبي إياس العسقلاني، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) قال: "أتدري ما وفى؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "وفى عمل يومه بأربع ركعات من أول النهار".
ورواه ابن جرير من حديث جعفر بن الزبير، وهو ضعيف.
وقال الترمذي في جامعه: حدثنا أبو جعفر السّمْناني، حدثنا أبو مُسْهِر، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن بحير بن سعد، عن خالد بن مَعْدان، عن جبير بن نُفَير، عن أبي الدرداء وأبي ذر، عن رسول الله ﷺ عن الله، ﷿، أنه قال: "ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره".
خالد بن مَعْدان، عن جبير بن نُفَير، عن أبي الدرداء وأبي ذر، عن رسول الله ﷺ عن الله، ﷿، أنه قال: "ابن آدم اركع لي أربع ركعات من أول النهار، أكفك آخره".
قال ابن أبي حاتم ﵀: حدثنا أبي، حدثنا الربيع بن سليمان، حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن لَهِيعَة، حدثنا زَبَّان بن قائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى؟ إنه كان يقول كلما أصبح وأمسى:
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] حتى ختم الآية".
سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى؟ إنه كان يقول كلما أصبح وأمسى:
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] حتى ختم الآية". ورواه ابن جرير عن أبي كُرَيْب، عن رِشْدِين بن سعد، عن زَبَّان، به.
ثم شرع تعالى يبين ما كان أوحاه في صحف إبراهيم وموسى فقال: (أَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) أي: كل نفس ظلمت نفسها بكفر أو شيء من الذنوب فإنما عليها وزرها، لا يحمله عنها أحد، كما قال: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨]، (وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى) أي: كما لا يحمل عليه وزر غيره، كذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه.
ْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨]، (وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إِلا مَا سَعَى) أي: كما لا يحمل عليه وزر غيره، كذلك لا يحصل من الأجر إلا ما كسب هو لنفسه. ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي، ﵀، ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم؛ ولهذا لم يندب إليه رسول الله ﷺ أمته ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة، ﵃، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء، فأما الدعاء والصدقة فذاك مجمع على وصولهما، ومنصوص من الشارع عليهما.
وأما الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده، أو علم ينتفع به"، فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وكده وعمله، كما جاء في الحديث: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه".
جارية من بعده، أو علم ينتفع به"، فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وكده وعمله، كما جاء في الحديث: "إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه". والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي من آثار عمله ووقفه، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ الآية [يس: ١٢]. والعلم الذي نشره في الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضا من سعيه وعمله، وثبت في الصحيح: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا".
وقوله: (وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى) أي: يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥] أي: فيخبركم به، ويجزيكم عليه أتم الجزاء، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وهكذا قال هاهنا: (ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأوْفَى) أي: الأوفر.