Tanya Kitab
Daftar surahSurah Al-Hadid › Ayat 27

QS 57:27

Surah Al-Hadid (الحديد) ayat 27

57:27
ثُمَّ قَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيۡنَا بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَۖ وَجَعَلۡنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأۡفَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ رِضۡوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَايَتِهَاۖ فَـَٔاتَيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۡهُمۡ أَجۡرَهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ
Kemudian Kami susulkan rasul-rasul Kami mengikuti jejak mereka dan Kami susulkan (pula) Isa putra Maryam; Dan Kami berikan Injil kepadanya dan Kami jadikan rasa santun dan kasih sayang dalam hati orang-orang yang mengikutinya. Mereka mengada-adakan raḥbāniyyah,832) padahal Kami tidak mewajibkannya kepada mereka (yang Kami wajibkan hanyalah) mencari keridaan Allah, tetapi tidak mereka pelihara dengan semestinya. Maka kepada orang-orang yang beriman di antara mereka Kami berikan pahalanya, dan banyak di antara mereka yang fasik
Tanya tentang ayat ini
← Ayat 26Ayat 28 →

Tafsir dalam korpus (56 potongan)

QS 57:27 (jilid 22 hlm. 427) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 22 · hlm. 427 · #77520
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ثم أَتْبَعْنا على آثارِهم برسلِنا الذين أرسَلناهم بالبيِّنات، و على آثارِ نوحٍ وإبراهيمَ برسلِنا، وأَتْبَعْنا بعيسى ابنِ مريمَ، ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾. يعني: الذين اتَّبَعوا عيسى على منهاجِه وشريعتِه، و ﴿رَأْفَةً﴾. وهو أشدُّ الرحمةِ، ﴿وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾. يقولُ: أحدَثوها، ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: ما افتَرَضْنا تلك الرهبانيةَ عليهم، ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾.
QS 57:27 (jilid 22 hlm. 427) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 22 · hlm. 427 · #77521
َةً ابْتَدَعُوهَا﴾. يقولُ: أحدَثوها، ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾. يقولُ: ما افتَرَضْنا تلك الرهبانيةَ عليهم، ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾. يقولُ: لكنهم ابتدَعوها ابتغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ، ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾. واختلَف أهلُ التأويلِ في الذين لم يَرْعَوا الرهبانيةَ حقَّ رِعايتِها؛ فقال بعضُهم: هم الذين ابْتَدَعوها، لم يَقوموا بها، ولكنهم بدَّلوا وخالَفوا دينَ اللَّهِ الذي بعَث به عيسى؛ فتَنَصَّروا وتَهَوَّدوا. وقال آخرون: بل هم قومٌ جاءوا مِن بعدِ الذين ابْتَدَعوها، فلم يَرْعَوْها حقَّ رِعايتِها؛ لأنهم كانوا كفارًا، ولكنهم قالوا: نَفْعَلُ كالذي كانوا يفعلون من ذلك [أوَّليًّا.
QS 57:27 (jilid 22 hlm. 428) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 22 · hlm. 428 · #77522
ومٌ جاءوا مِن بعدِ الذين ابْتَدَعوها، فلم يَرْعَوْها حقَّ رِعايتِها؛ لأنهم كانوا كفارًا، ولكنهم قالوا: نَفْعَلُ كالذي كانوا يفعلون من ذلك [أوَّليًّا. فهم] الذين وصَف اللَّهُ بأنهم لم يَرْعَوْها حقَّ رِعايتِها. وبنحوِ الذي قلنا في تأويلِ هذه الأحرفِ إلى الموضعِ الذي ذكَرْنا أنَّ أهلَ التأويلِ فيه مختلِفون في ذلك، قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾. فهاتان مِن اللَّهِ. والرهبانيةُ ابْتَدَعها القومُ مِن أنفسِهم، ولم تُكتَبْ عليهم، ولكن ابْتَغُوا بذلك وأرادوا رِضْوانَ اللَّهِ، ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾: ذُكِر لنا أنهم رفَضوا النساءَ، واتَّخَذُوا الصَّوامِعَ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾.
QS 57:27 (jilid 22 hlm. 428) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 22 · hlm. 428 · #77523
نا أنهم رفَضوا النساءَ، واتَّخَذُوا الصَّوامِعَ. حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾. قال: لم تُكتَبْ عليهم، ابْتَدَعُوها ابتغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ. حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾. قال: فلِمَ؟ قال: ابْتَدَعوها ابتغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ تَطَوُّعًا، فما رَعَوْها حقَّ رِعايتِها. ذكرُ مَن قال: الذين لم يَرْعَوُا الرهبانيةَ حقَّ رعايتِها كانوا غيرَ الذين ابْتَدَعوها، ولكنهم كانوا المُرِيدي الاقتداءِ بهم
QS 57:27 (jilid 22 hlm. 428) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 22 · hlm. 428 · #77524
رَعَوْها حقَّ رِعايتِها. ذكرُ مَن قال: الذين لم يَرْعَوُا الرهبانيةَ حقَّ رعايتِها كانوا غيرَ الذين ابْتَدَعوها، ولكنهم كانوا المُرِيدي الاقتداءِ بهم حدَّثنا الحسينُ بنُ الحُرَيثِ أبو عمارٍ المَرْوَزِيُّ، قال: ثنا الفضلُ بنُ موسى، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كانت ملوكٌ بعدَ عيسى بدَّلوا التوراةَ والإنجيلَ، وكان فيهم مؤمنون يقرَءون التوراةَ والإنجيلَ، فقيل لملكِهم: ما نجدُ شيئًا أَشدَّ علينا مِن شَتْمٍ يَشْتُمُناه هؤلاء، إنهم يقرَءون: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. هؤلاء الآياتُ - مع ما يَعِيبوننا به في قراءتِهم، فادْعُهم فليقرَءُوا كما نقرَأُ، ولْيُؤْمنوا كما آمنَّا به. قال: فدعاهم فجمَعهم، وعرَض عليهم القتلَ أو يتركوا قراءةَ التوراةِ والإنجيلِ إلا ما بدَّلوا منها، فقالوا: ما تريدون إلى ذلك؟ فدعُونا.
QS 57:27 (jilid 22 hlm. 429) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 22 · hlm. 429 · #77525
ا كما آمنَّا به. قال: فدعاهم فجمَعهم، وعرَض عليهم القتلَ أو يتركوا قراءةَ التوراةِ والإنجيلِ إلا ما بدَّلوا منها، فقالوا: ما تريدون إلى ذلك؟ فدعُونا. قال: فقالت طائفةٌ منهم: ابْنُوا لنا أُسْطُوَانةً، ثم ارْفعونا إليها، ثم أَعْطُونا شيئًا نَرْفعُ به طعامَنا وشرابَنا، فلا نَرِدُ عليكم. وقالت طائفةٌ منهم: دَعُونا نَسِيحُ في الأرضِ، ونَهِيمُ ونَشْرَبُ كما تَشْرَبُ الوحوشُ، فإِنْ قَدَرْتم علينا بأَرْضِكم فاقتُلونا. وقالت طائفةٌ: ابْنُوا لنا دُورًا في الفيافِي، ونَحْتَفِرُ الآبارَ، ونَحْترِثُ البقولَ، فلا نَرِدُ عليكم، ولا نَمُرُّ بكم. وليس أحدٌ مِن أولئك إلا وله حميمٌ فيهم، قال: ففعَلوا ذلك، فأنَزَل اللَّهُ جلّ ثناؤُه: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾: الآخِرون؛ قالوا: نتعبَّدُ كما تعبَّد فلانٌ، ونَسِيحُ كما ساح فلانٌ، ونتَّخِذُ دُورًا كما اتَّخَذ فلانٌ.
QS 57:27 (jilid 22 hlm. 429) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 22 · hlm. 429 · #77526
اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾: الآخِرون؛ قالوا: نتعبَّدُ كما تعبَّد فلانٌ، ونَسِيحُ كما ساح فلانٌ، ونتَّخِذُ دُورًا كما اتَّخَذ فلانٌ. وهم على شِرْكِهم، لا علمَ لهم بإيمانِ الذين اقْتَدَوْا بهم، قال: فلمَّا بُعِث النبيُّ ﷺ ولم يَبْقَ منهم إلا قليلٌ، انحطَّ رجلٌ من صَوْمعتِه، وجاء سائحٌ مِن سياحتِه، وجاء صاحبُ الدارِ مِن دارِه، وآمَنوا به وصدَّقوه، فقال اللَّهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾. [الحديد: ٢٨]. قال: أَجْرَيْن؛ لإيمانِهم بعيسى وتصديقِهم بالتوراةِ والإنجيلِ، وإيمانِهم بمحمدٍ ﷺ وتَصْديقِهم به. قال: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾: القرآنَ، واتِّباعَهم النبيَّ ﷺ.
QS 57:27 (jilid 22 hlm. 430) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 22 · hlm. 430 · #77527
يسى وتصديقِهم بالتوراةِ والإنجيلِ، وإيمانِهم بمحمدٍ ﷺ وتَصْديقِهم به. قال: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾: القرآنَ، واتِّباعَهم النبيَّ ﷺ. قال: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢٩]. حدَّثنا يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: ثنا داودُ بنُ المُحَبَّرِ، قال: ثنا الصَّعِقُ بنُ حَزْنٍ، قال: ثنا عَقِيلٌ الجعديُّ، عن أبي إسحاقَ الهَمْدانيِّ، عن سُويدِ بنِ غَفَلَةَ، عن عبد اللَّهِ بن مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "اخْتَلَفَ مَن كان قَبْلَنا على إِحْدَى وسَبْعِين فِرْقةً، نجا منهم ثلاثُ، وهلَك سائرُهم؛ فِرْقةٌ مِن الثلاثِ آزَتِ المُلُوكَ وقاتَلَتْهم على دينِ اللَّهِ ودينِ عيسى ابنِ مريمَ صلواتُ اللَّهِ عليه، فقَتَلَتْهم المُلُوكُ، وفِرْقةٌ لم تَكنْ لهم طاقةٌ بمُؤَازاةِ المُلُوكِ فأقاموا بينَ ظَهْرَانَيْ قومِهم يَدْعُونهم إلى دينِ
QS 57:27 (jilid 22 hlm. 430) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 22 · hlm. 430 · #77528
مريمَ صلواتُ اللَّهِ عليه، فقَتَلَتْهم المُلُوكُ، وفِرْقةٌ لم تَكنْ لهم طاقةٌ بمُؤَازاةِ المُلُوكِ فأقاموا بينَ ظَهْرَانَيْ قومِهم يَدْعُونهم إلى دينِ اللَّهِ ودينِ عيسى ابنِ مريمَ صلواتُ اللَّهِ عليه، فقَتَلَتْهم المُلُوكُ ونَشَرَتْهم بالمناشِيرِ، وفِرْقَةٌ لم تَكنْ لهم طاقةٌ بمُؤَازاةِ المُلُوكِ، ولا بالمُقامِ بينَ ظَهْرَانَيْ قومِهم يَدْعونهم إلى دينِ اللَّهِ ودينِ عيسى صلواتُ اللَّهِ عليه، فلَحِقُوا بالبَرارِي والجبالِ، فَتَرَهَّبُوا فيها، فهو قولُ اللَّهِ ﷿: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾. قال: ما فعَلُوها إلا ابتغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ، ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾. قال: ما رعاها الذين من بعدِهم حقَّ رِعايتِها، ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾. قال: وهم الذين آمنوا بي وصدَّقوني. قال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾.
QS 57:27 (jilid 22 hlm. 431) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 22 · hlm. 431 · #77529
ن بعدِهم حقَّ رِعايتِها، ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾. قال: وهم الذين آمنوا بي وصدَّقوني. قال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. قال: فهم الذين جحَدوني وكذَّبوني". حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مِهْرانُ، عن سفيانَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾. قال: [الآخِرون ممَّن] تَعَبَّد مِن أهلِ الشركِ، [وفُتِنَ مَن فُتِن] منهم، يقولون: نتعبَّدُ كما تَعبَّد فلانٌ، ونَسِيحُ كما ساح فلانٌ، وهم في شِرْكِهم لا علمَ لهم بإيمانِ الذين اقْتَدَوْا بهم. ذكرُ مَن قال: الذين لم يَرْعَوْها حقَّ رِعايتِها الذين ابْتَدَعوها حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ إلى قولِه: ﴿حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾. يقولُ: ما أطاعوني فيها، وتكلَّموا فيها بمعصيةِ اللَّهِ.
QS 57:27 (jilid 22 hlm. 432) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 22 · hlm. 432 · #77530
لْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ إلى قولِه: ﴿حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾. يقولُ: ما أطاعوني فيها، وتكلَّموا فيها بمعصيةِ اللَّهِ. وذلك أنَّ اللَّهَ ﷿ كتَب عليهم القتالَ قبلَ أنْ يَبْعثَ محمدًا ﷺ، فلما اسْتُخْرِج أهلُ الإيمانِ، ولم يَبْقَ منهم إلا قليلٌ، وكَثُر أهلُ الشركِ، وذهَب الرسلُ وقُهِرُوا، اعتزَلوا في الغِيرانِ، فلم يَزَلْ بهم ذلك حتى كَفَرت طائفةٌ منهم، وتَرَكوا أمرَ اللَّهِ ﷿ ودينَه، وأَخَذوا بالبدعةِ وبالنصرانيةِ وباليهوديَّةِ، فلم يَرْعَوْها حقَّ رِعايتِها، وثَبَتَتْ طائفةٌ على دينِ عيسى ابنِ مريمَ صلواتُ اللَّهِ عليه، [حتى جاءتْهم البيناتُ]، وبعَث اللَّهُ ﷿ محمدًا ﷺ رسولًا وهم كذلك، فذلك قولُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ إلى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
QS 57:27 (jilid 22 hlm. 432) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 22 · hlm. 432 · #77531
قولُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ إلى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. حدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾. كان اللَّهُ ﷿ كتَب عليهم القتالَ قبلَ أنْ يَبْعَثَ محمدًا ﷺ فلما اسْتُخرِج أهلُ الإيمانِ، ولم يَبْقَ منهم إلا القليلُ، وكثُر أهلُ الشركِ، وانقطَعت الرسلُ، اعتزَلوا الناسَ، فصاروا في الغِيرانِ، فلم يزالوا كذلك حتى غيَّرت طائفةٌ منهم، فترَكوا دينَ اللَّهِ وأمرَه وعهدَه الذي عَهِده إليهم، وأخَذوا بالبدعِ، فابْتَدَعوا النصرانيةَ واليهوديَّةَ، فقال اللَّهُ ﷿ لهم: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾، وثَبَتَت طائفةٌ منهم على دينِ عيسى صلواتُ اللَّهِ عليه، حتى بعَث اللَّهُ محمدًا ﷺ، فآمَنوا به.
QS 57:27 (jilid 22 hlm. 433) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 22 · hlm. 433 · #77532
ال اللَّهُ ﷿ لهم: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾، وثَبَتَت طائفةٌ منهم على دينِ عيسى صلواتُ اللَّهِ عليه، حتى بعَث اللَّهُ محمدًا ﷺ، فآمَنوا به. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا زكريا بنُ أبي مريمَ، قال: سمِعتُ أبا أمامةَ الباهليَّ يقولُ: إِنَّ اللَّهَ كتَب عليكم صيامَ رمضانَ، ولم يَكْتُبْ عليكم قيامَه، وإنما القيامُ شيءٌ ابْتَدَعتُموه، وإِنَّ قومًا ابْتَدَعوا بدعةً لم يَكْتُبْها اللَّهُ عليهم، ابْتَغَوا بها رِضْوانَ اللَّهِ، فلم يَرْعَوها حقَّ رِعايتِها، فعابَهم اللَّهُ بتَرْكِها، فقال: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾. وأولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ أنْ يقالَ: إنَّ الذين وصَفهم اللَّهُ بأنهم لم يَرْعَوا الرهبانيةَ حقَّ رِعايتِها، بعضُ الطوائفِ التي ابْتَدَعتْها.
QS 57:27 (jilid 22 hlm. 433) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 22 · hlm. 433 · #77533
َا﴾. وأولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ أنْ يقالَ: إنَّ الذين وصَفهم اللَّهُ بأنهم لم يَرْعَوا الرهبانيةَ حقَّ رِعايتِها، بعضُ الطوائفِ التي ابْتَدَعتْها. وذلك أَنَّ اللَّهَ جلّ ثناؤُه أَخبَر أنه آتَى الذين آمَنوا منهم أَجْرَهم؛ قال: فدلَّ بذلك على أن منهم مَن قد رعاها حقَّ رِعايتِها، فلو لم يكنْ منهم مَن كان كذلك لم يكنْ يستحِقُّ الأجرَ الذي قال جلّ ثناؤُه: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾. إلا أنَّ الذين لم يَرْعَوْها حقَّ رِعايتِها ممكِنٌ أنْ يكونوا كانوا على عَهْدِ الذين ابْتَدَعوها، وممكِنٌ أنْ يكونوا كانوا بعدَهم؛ لأنَّ الذين هم مِن أبنائِهم إذا لم يكونوا رَعَوْها فجائزٌ في كلامِ العربِ أن يقالَ: لم يَرْعَها القومُ. على العمومِ، والمرادُ منهم البعضُ الحاضرُ، وقد مضَى نظيرُ ذلك في مواضعَ كثيرةٍ من هذا الكتابِ. وقولُه: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾.
QS 57:27 (jilid 22 hlm. 433) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 22 · hlm. 433 · #77534
لعمومِ، والمرادُ منهم البعضُ الحاضرُ، وقد مضَى نظيرُ ذلك في مواضعَ كثيرةٍ من هذا الكتابِ. وقولُه: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فَأَعْطينا الذين آمنوا باللَّهِ ورسلِه مِن هؤلاءِ الذين ابْتَدَعوا الرهبانيةَ - ثوابَهم على ابتغائِهم رِضْوانَ اللَّهِ، وإيمانِهم به وبرسولِه في الآخرةِ، وكثيرٌ منهم أهلُ معاصٍ، وخروجٍ عن طاعتِه والإيمانِ به. وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾. قال: الذين رعَوْا ذلك الحقَّ.
QS 57:26-27 (jilid 8 hlm. 28) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 28 · #94153
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦) ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧)﴾
QS 57:26-27 (jilid 8 hlm. 28) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 28 · #94154
ا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧)﴾ يخبر تعالى أنه منذ بعث نوحًا، ﵇، لم يرسل بعده رسولا ولا نبيًّا إلا من ذريته، وكذلك إبراهيم، ﵇، خليل الرحمن، لم ينزل من السماء كتابًا ولا أرسل رسولا ولا أوحى إلى بشر من بعده، إلا وهو من سلالته كما قال في الآية الأخرى: (وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ) [يعني] حتى كان آخر أنبياء بني إسرائيل عيسى ابن مريم الذي بشر من بعده بمحمد، صلوات الله وسلامه عليهما؛ ولهذا قال تعالى: (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإنْجِيلَ) وهو الكتاب الذي أوحاه الله إليه (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ) وهم الحواريون (رَأْفَةً وَرَحْمَةً) أي: رأفة وهي الخشية (وَرَحْمَةً) بالخلق.
QS 57:26-27 (jilid 8 hlm. 29) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 29 · #94155
كتاب الذي أوحاه الله إليه (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ) وهم الحواريون (رَأْفَةً وَرَحْمَةً) أي: رأفة وهي الخشية (وَرَحْمَةً) بالخلق. وقوله: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا) أي: ابتدعتها أمة النصارى (مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) أي: ما شرعناها لهم، وإنما هم التزموها من تلقاء أنفسهم. وقوله: (إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ) فيه قولان، أحدهما: أنهم قصدوا بذلك رضوان الله، قال سعيد بن جبير، وقتادة. والآخر: ما كتبنا عليهم ذلك إنما كتبنا عليهم ابتغاء رضوان الله. وقوله: (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) أي: فما قاموا بما التزموه حق القيام. وهذا ذم لهم من وجهين، أحدهما: في الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله.
QS 57:26-27 (jilid 8 hlm. 29) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 29 · #94156
: (فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) أي: فما قاموا بما التزموه حق القيام. وهذا ذم لهم من وجهين، أحدهما: في الابتداع في دين الله ما لم يأمر به الله. والثاني: في عدم قيامهم بما التزموه مما زعموا أنه قربة يقربهم إلى الله، ﷿. وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا إسحاق بن أبي حمزة أبو يعقوب الرازي، حدثنا السندي بن عبدويه حدثنا بُكَيْر بن معروف، عن مُقاتِل بن حَيَّان، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، عن جده بن مسعود قال: قال لي رسول الله ﷺ: "يا ابن مسعود". قلت: لبيك يا رسول الله. قال: "هل علمت أن بني إسرائيل افترقوا على ثنتين وسبعين فرقة؟ لم ينج منها إلا ثلاث فرق، قامت بين الملوك والجبابرة بعد عيسى ابن مريم، ﵇، فدعت إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم، فقاتلت الجبابرة فقُتلت فصبرت ونجت، ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال، فقامت بين الملوك والجبابرة فدعوا إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم، فقتلت وقطعت بالمناشير وحرقت بالنيران، فصبرت ونجت.
QS 57:26-27 (jilid 8 hlm. 29) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 29 · #94157
ائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال، فقامت بين الملوك والجبابرة فدعوا إلى دين الله ودين عيسى ابن مريم، فقتلت وقطعت بالمناشير وحرقت بالنيران، فصبرت ونجت. ثم قامت طائفة أخرى لم يكن لها قوة بالقتال ولم تطق القيام بالقسط، فلحقت بالجبال فتعبدت وترهبت، وهم الذين ذكرهم الله، ﷿: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ) "وقد رواه ابن جرير بلفظ آخر من طريق أخرى فقال: حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا داود بن المحبر، حدثنا الصَّعِق بن حَزْن، حدثنا عقيل الجعدي، عن أبي إسحاق الهمداني، عن سُوَيْد بن غفلة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "اختلف من كان قبلنا على ثلاث وسبعين فرقة، نجا منهم ثلاث وهلك سائرهم … " وذكر نحو ما تقدم، وفيه: " (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ) هم الذين آمنوا بي وصدقوني (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) وهم الذين كذبوني وخالفوني" ولا يقدح في هذه المتابعة لحال داود بن المحبر، فإنه أحد الوضاعين للحديث، ولكن قد أسنده
QS 57:26-27 (jilid 8 hlm. 29) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 29 · #94158
دقوني (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) وهم الذين كذبوني وخالفوني" ولا يقدح في هذه المتابعة لحال داود بن المحبر، فإنه أحد الوضاعين للحديث، ولكن قد أسنده أبو يعلى، وسنده عن شيبان بن فَرُّوخ، عن الصَّعِق بن حَزْن، به مثل ذلك فقوي الحديث من هذا الوجه. وقال ابن جرير، وأبو عبد الرحمن النسائي-واللفظ له-: أخبرنا الحسين بن حُرَيْث، حدثنا الفضل بن موسى، عن سفيان بن سعيد، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس، ﵄ قال: كان ملوك بعد عيسى، ﵇، بدلت التوراة والإنجيل، فكان منهم مؤمنون يقرؤون التوراة والإنجيل، فقيل لملوكهم: ما نجد شيئًا أشد من شتم يشتمونا هؤلاء، إنهم يقرؤون: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، هذه الآيات، مع ما يعيبوننا به من أعمالنا في قراءتهم، فادعهم فليقرؤوا كما نقرأ، وليؤمنوا كما آمنا. فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل، إلا ما بدلوا منها، فقالوا: ما تريدون إلى ذلك؟
QS 57:26-27 (jilid 8 hlm. 30) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 30 · #94159
فليقرؤوا كما نقرأ، وليؤمنوا كما آمنا. فدعاهم فجمعهم وعرض عليهم القتل أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل، إلا ما بدلوا منها، فقالوا: ما تريدون إلى ذلك؟ دعونا: فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا أسطوانة، ثم ارفعونا إليها، ثم أعطونا شيئًا نرفع به طعامنا وشرابنا فلا نرد عليكم. وقالت طائفة: دعونا نسيح في الأرض ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش، فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا. وقالت طائفة: ابنوا لنا دورًا في الفيافي، ونحتفر الآبار ونحترث البقول فلا نرد عليكم ولا نمر بكم.
QS 57:26-27 (jilid 8 hlm. 30) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 30 · #94160
رب كما يشرب الوحش، فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا. وقالت طائفة: ابنوا لنا دورًا في الفيافي، ونحتفر الآبار ونحترث البقول فلا نرد عليكم ولا نمر بكم. وليس أحد من القبائل إلا له حميم فيهم، ففعلوا ذلك فأنزل الله، ﷿: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) والآخرون قالوا: نتعبد كما تعبد فلان، ونسيح كما ساح فلان، ونتخذ دورًا كما اتخذ فلان، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم فلما بُعث النبي ﷺ ولم يبق منهم إلا القليل، انحط منهم رجل من صومعته، وجاء سائح من سياحته، وصاحب الدير من ديره، فآمنوا به وصدقوه، فقال الله، ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أجرين بإيمانهم بعيسى ابن مريم والتوراة والإنجيل، وبإيمانهم بمحمد ﷺ وتصديقهم قال ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]: القرآن، واتباعهم النبي ﷺ قال:
QS 57:26-27 (jilid 8 hlm. 30) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 30 · #94161
بعيسى ابن مريم والتوراة والإنجيل، وبإيمانهم بمحمد ﷺ وتصديقهم قال ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]: القرآن، واتباعهم النبي ﷺ قال: ﴿لِئَلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ الذين يتشبهون بكم ﴿أَلا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ هذا السياق فيه غرابة، وسيأتي تفسير هاتين الآيتين الأخريين على غير هذا، والله أعلم. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا أحمد بن عيسى، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثني سعيد بن عبد الرحمن بن أبي العمياء: أن سهل بن أبي أمامة حدثه أنه دخل هو وأبوه على أنس بن مالك بالمدينة زمان عمر بن عبد العزيز وهو أمير، وهو يصلي صلاة خفيفة كأنها صلاة مسافر أو قريبًا منها، فلما سلم قال: يرحمك الله، أرأيت هذه الصلاة المكتوبة، أم شيء تنفلته؟
QS 57:26-27 (jilid 8 hlm. 31) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 31 · #94162
عمر بن عبد العزيز وهو أمير، وهو يصلي صلاة خفيفة كأنها صلاة مسافر أو قريبًا منها، فلما سلم قال: يرحمك الله، أرأيت هذه الصلاة المكتوبة، أم شيء تنفلته؟ قال: إنها المكتوبة، وإنها صلاة رسول الله ﷺ ما أخطأت إلا شيئًا سهوت عنه، إن رسول الله ﷺ كان يقول: "لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم، فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات، رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم". ثم غدوا من الغد فقالوا: نركب فننظر ونعتبر قال: نعم فركبوا جميعًا، فإذا هم بديار قفر قد باد أهلها وانقرضوا وفنوا، خاوية على عروشها فقالوا: تعرف هذه الديار؟ قال: ما أعرفني بها وبأهلها.
QS 57:26-27 (jilid 8 hlm. 31) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 31 · #94163
ر ونعتبر قال: نعم فركبوا جميعًا، فإذا هم بديار قفر قد باد أهلها وانقرضوا وفنوا، خاوية على عروشها فقالوا: تعرف هذه الديار؟ قال: ما أعرفني بها وبأهلها. هؤلاء أهل الديار، أهلكهم البغي والحسد، إن الحسد يطفئ نور الحسنات، والبغي يصدق ذلك أو يكذبه، والعين تزني والكف والقدم والجسد واللسان، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" وقال الإمام أحمد: حدثنا يعمُر، حدثنا عبد الله، أخبرنا سفيان، عن زيد العَمِّي، عن أبي إياس، عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "لكل نبي رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله ﷿" ورواه الحافظ أبو يعلى، عن عبد الله بن محمد بن أسماء، عن عبد الله بن المبارك به ولفظه: "لكل أمة رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله"
QS 57:26-27 (jilid 8 hlm. 31) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 8 · hlm. 31 · #94164
لله ﷿" ورواه الحافظ أبو يعلى، عن عبد الله بن محمد بن أسماء، عن عبد الله بن المبارك به ولفظه: "لكل أمة رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله" وقال الإمام أحمد: حدثنا حسين -هو ابن محمد-حدثنا ابن عياش -يعني إسماعيل-عن الحجاج بن مروان الكلاعي، وعقيل بن مدرك السلمي، عن أبي سعيد الخدري، ﵁، أن رجلا جاءه فقال: أوصني فقال: سألت عما سألت عنه رسول الله ﷺ من قبلك، أوصيك بتقوى الله، فإنه رأس كل شيء، وعليك بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام، وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن، فإنه روحك في السماء وذكرك في الأرض. تفرد به أحمد
QS 57:27 (jilid 27 hlm. 420) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 27 · hlm. 420 · #145382
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ٢٧] ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها مَا كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧) ثُمَّ للتراخي الترتبي لِأَنَّ بَعْثَةَ رُسُلِ اللَّهِ الَّذِينَ جَاءُوا بَعْدَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمَنْ سَبَقَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا أَعْظَمُ مِمَّا كَانَ لَدَى ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ قَبْلَ إِرْسَالِ الرُّسُلِ الَّذِينَ قَفَّى اللَّهُ بِهِمْ، إِذْ أُرْسِلُوا إِلَى أُمَمٍ كَثِيرَةٍ مِثْلِ عَادٍ وَثَمُودَ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ وَفِيهِمْ شَرِيعَةٌ عَظِيمَةٌ وَهِيَ شَرِيعَةُ التَّوْرَاةِ.
QS 57:27 (jilid 27 hlm. 420) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 27 · hlm. 420 · #145383
ِهِمْ، إِذْ أُرْسِلُوا إِلَى أُمَمٍ كَثِيرَةٍ مِثْلِ عَادٍ وَثَمُودَ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ وَفِيهِمْ شَرِيعَةٌ عَظِيمَةٌ وَهِيَ شَرِيعَةُ التَّوْرَاةِ. وَالتَّقْفِيَةُ: إِتْبَاعُ الرَّسُولِ بِرَسُولٍ آخَرَ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْقَفَا لِأَنَّهُ يَأْتِي بَعْدَهُ فَكَأَنَّهُ يَمْشِي عَنْ جِهَةِ قَفَاهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٨٧] . وَالْآثَارُ: جَمْعُ الْأَثَرِ، وَهُوَ مَا يَتْرُكُهُ السَّائِرُ مِنْ مَوَاقِعِ رِجْلَيْهِ فِي الْأَرْضِ، قَالَ تَعَالَى: فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً [الْكَهْف: ٦٤] . وَضَمِيرُ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ: عَلى آثارِهِمْ عَائِدٌ إِلَى نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَذُرِّيَّتِهِمَا الَّذِينَ كَانَت فيهم النبوءة وَالْكِتَابُ، فَأَمَّا الَّذِينَ كَانَت فيهم النبوءة فَكَثِيرُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَانَ فِيهِمِ الْكِتَابُ فَمِثْلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
QS 57:27 (jilid 27 hlm. 420) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 27 · hlm. 420 · #145384
هم النبوءة وَالْكِتَابُ، فَأَمَّا الَّذِينَ كَانَت فيهم النبوءة فَكَثِيرُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَانَ فِيهِمِ الْكِتَابُ فَمِثْلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَ (عَلَى) لِلِاسْتِعْلَاءِ. وَأَصْلُ (قَفَّى عَلَى أَثَرِهِ) يَدُلُّ عَلَى قُرْبِ مَا بَيْنَ الْمَاشِيَيْنِ، أَيْ حَضَرَ الْمَاشِي الثَّانِي قَبْلَ أَنْ يَزُولَ أَثَرُ الْمَاشِي الْأَوَّلِ، وَشَاعَ ذَلِكَ حَتَّى صَارَ قَوْلُهُمْ: عَلَى أَثَرِهِ، بِمَعْنَى بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ مُتَّصِلًا شَأْنُهُ بِشَأْنِ سَابِقِهِ، وَهَذَا تَعْرِيفٌ لِلْأُمَّةِ بِأَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ رُسُلًا كَثِيرِينَ عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ وَهُوَ تَمْهِيدٌ لِلْمَقْصُودِ مِنْ ذِكْرِ الرَّسُولِ الْأَخِيرِ الَّذِي جَاءَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَهُوَ عِيسَى ﵇. وَفِي إِعَادَة فعل قَفَّيْنا وَعَدَمِ إِعَادَةِ عَلى آثارِهِمْ إِشَارَةٌ إِلَى بُعْدِ الْمُدَّةِ بَيْنَ
QS 57:27 (jilid 27 hlm. 420) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 27 · hlm. 420 · #145385
ذِي جَاءَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَهُوَ عِيسَى ﵇. وَفِي إِعَادَة فعل قَفَّيْنا وَعَدَمِ إِعَادَةِ عَلى آثارِهِمْ إِشَارَةٌ إِلَى بُعْدِ الْمُدَّةِ بَيْنَ آخِرِ رُسُلِ إِسْرَائِيلَ وَبَيْنَ عِيسَى فَإِنَّ آخِرَ رُسُلِ إِسْرَائِيلَ كَانَ يُونُسُ بْنُ مَتَّى أُرْسِلَ إِلَى أَهْلِ نِينَوَى أَوَّلِ الْقَرْنِ الثَّامِنِ قَبْلَ الْمَسِيحِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عِيسَى مُرْسَلًا عَلَى آثَارِ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ. وَالْإِنْجِيلُ: هُوَ الْوَحْيُ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهَ عَلَى عِيسَى وَكَتَبَهُ الْحَوَارِيُّونَ فِي أَثْنَاءِ ذِكْرِ سِيرَتِهِ. وَالْإِنْجِيلُ: بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا مُعَرَّبٌ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ أَوَّلَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ.
QS 57:27 (jilid 27 hlm. 421) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 27 · hlm. 421 · #145386
ِيُّونَ فِي أَثْنَاءِ ذِكْرِ سِيرَتِهِ. وَالْإِنْجِيلُ: بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا مُعَرَّبٌ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ أَوَّلَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ. وَمَعْنَى جَعْلِ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ أَنَّ تَعَالِيمَ الْإِنْجِيلِ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ عِيسَى أَمَرَتْهُمْ بِالتَّخَلُّقِ بِالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ فَعَمِلُوا بِهَا، أَوْ أَنَّ ارْتِيَاضَهُمْ بِسِيرَةِ عِيسَى ﵇ أَرْسَخَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ وَذَلِكَ بِجَعْلِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِهِ وَيَسَّرَهُ عَلَيْهِمْ. ذَلِكَ أَنَّ عِيسَى بُعِثَ لِتَهْذِيبِ نُفُوسِ الْيَهُودِ وَاقْتِلَاعِ الْقَسْوَةِ مِنْ قُلُوبِهِمُ الَّتِي تَخَلَّقُوا بِهَا فِي أَجْيَالٍ طَوِيلَةٍ قَالَ تَعَالَى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٧٤] .
QS 57:27 (jilid 27 hlm. 421) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 27 · hlm. 421 · #145387
جْيَالٍ طَوِيلَةٍ قَالَ تَعَالَى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٧٤] . وَالرَّأْفَةُ: الرَّحْمَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِدَفْعِ الْأَذَى وَالضُّرِّ فَهِيَ رَحْمَةٌ خَاصَّةٌ، وَتَقَدَّمَتْ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٤٣] وَفِي قَوْلِهِ: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ فِي سُورَةِ النُّورِ [٢] . وَالرَّحْمَةُ: الْعَطْفُ وَالْمُلَايَنَةُ، وَتَقَدَّمَتْ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ. فَعَطْفُ الرَّحْمَةِ عَلَى الرَّأْفَةِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ لْاسْتِيعَابِ أَنْوَاعِهِ بَعْدَ أَنِ اهْتَمَّ بِبَعْضِهَا.
QS 57:27 (jilid 27 hlm. 421) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 27 · hlm. 421 · #145388
الْفَاتِحَةِ. فَعَطْفُ الرَّحْمَةِ عَلَى الرَّأْفَةِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ لْاسْتِيعَابِ أَنْوَاعِهِ بَعْدَ أَنِ اهْتَمَّ بِبَعْضِهَا. وَالرَّهْبَانِيَّةُ: اسْمٌ لِلْحَالَةِ الَّتِي يَكُونُ الرَّاهِبُ مُتَّصِفًا بِهَا فِي غَالب شؤون دينه، وَالْيَاء فِيهَا يَاءُ النِّسْبَةِ إِلَى الرَّاهِبِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ لِأَنَّ قِيَاسَ النَّسَبِ إِلَى الرَّاهِبِ الرَّاهِبِيَّةُ، وَالنُّونُ فِيهَا مَزِيدَةٌ لِلْمُبَالَغَةِ فِي النِّسْبَةِ كَمَا زِيدَتْ فِي قَوْلِهِمْ: شَعْرَانِيٌّ، لِكَثِيرِ الشِّعْرِ، وَلِحْيَانِيٌّ لِعَظِيمِ اللِّحْيَةِ، وَرُوحَانِيٌّ، وَنَصْرَانِيٌّ. وَجُعِلَ فِي «الْكَشَّافِ» النُّونُ جَائِيَةً مِنْ وَصْفِ رُهْبَانٍ مِثْلِ نُونِ خَشْيَانَ مِنْ خَشِيَ وَالْمُبَالَغَةُ هِيَ هِيَ، إِلَّا أَنَّهَا مُبَالَغَةٌ فِي الْوَصْفِ لَا فِي شِدَّةِ النِّسْبَةِ. وَالْهَاءُ هَاءُ تَأْنِيثٍ بِتَأْوِيلِ الِاسْمِ بِالْحَالَةِ وَجُعِلَ فِي «الْكَشَّافِ» الْهَاءُ لِلْمَرَّةِ.
QS 57:27 (jilid 27 hlm. 422) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 27 · hlm. 422 · #145389
ي الْوَصْفِ لَا فِي شِدَّةِ النِّسْبَةِ. وَالْهَاءُ هَاءُ تَأْنِيثٍ بِتَأْوِيلِ الِاسْمِ بِالْحَالَةِ وَجُعِلَ فِي «الْكَشَّافِ» الْهَاءُ لِلْمَرَّةِ. وَأَمَّا اسْم الراهب الَّذِي نُسِبَتْ إِلَيْهِ الرَّهْبَانِيَّةُ فَهُوَ وَصْفٌ عُومِلَ مُعَامَلَةَ الِاسْمِ، وَهُوَ العابد من النَّصَارَى الْمُنْقَطِعِ لِلْعِبَادَةِ، وَهُوَ وَصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّهَبِ: أَيِ الْخَوْفِ لِأَنَّهُ شَدِيدُ الْخَوْفِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى أَو من مُخَالَفَةِ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ.
QS 57:27 (jilid 27 hlm. 422) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 27 · hlm. 422 · #145390
وَصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّهَبِ: أَيِ الْخَوْفِ لِأَنَّهُ شَدِيدُ الْخَوْفِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى أَو من مُخَالَفَةِ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ. وَيَلْزَمُ هَذِهِ الْحَالَةَ فِي عُرْفِ النَّصَارَى الْعُزْلَةُ عَنِ النَّاسِ تَجَنُّبًا لِمَا يَشْغَلُ عَنِ الْعِبَادَةِ وَذَلِكَ بِسُكْنَى الصَّوَامِعِ وَالْأَدْيِرَةِ وَتَرْكِ التَّزَوُّجِ تَجَنُّبًا لِلشَّوَاغِلِ، وَرُبَّمَا أَوْجَبَتْ بَعْضُ طَوَائِفِ الرُّهْبَانِ عَلَى الرَّاهِبِ تَرْكَ التَّزَوُّجِ غُلُوًّا فِي الدِّينِ.
QS 57:27 (jilid 27 hlm. 422) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 27 · hlm. 422 · #145391
التَّزَوُّجِ تَجَنُّبًا لِلشَّوَاغِلِ، وَرُبَّمَا أَوْجَبَتْ بَعْضُ طَوَائِفِ الرُّهْبَانِ عَلَى الرَّاهِبِ تَرْكَ التَّزَوُّجِ غُلُوًّا فِي الدِّينِ. وَجُعِلَ فِي «الْكَشَّافِ» : الرَّهْبَانِيَّةُ مُشْتَقَّةً مِنَ الرَّهَبِ، أَيِ الْخَوْفِ مِنَ الْجَبَابِرَةِ، أَيِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِعِيسَى ﵇ مِنَ الْيَهُودِ، وَأَنَّ الْجَبَابِرَةَ ظَهَرُوا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِعِيسَى فَقَاتَلُوهُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقُتِلُوا حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، فَخَافُوا أَنْ يُفْتَنُوا فِي دِينِهِمْ فَاخْتَارُوا الرَّهْبَانِيَّةَ وَهِيَ تَرَهُّبُهُمْ فِي الْجِبَالِ فَارِّينَ مِنَ الْفِتْنَةِ فِي الدِّينِ اه.
QS 57:27 (jilid 27 hlm. 422) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 27 · hlm. 422 · #145392
فَخَافُوا أَنْ يُفْتَنُوا فِي دِينِهِمْ فَاخْتَارُوا الرَّهْبَانِيَّةَ وَهِيَ تَرَهُّبُهُمْ فِي الْجِبَالِ فَارِّينَ مِنَ الْفِتْنَةِ فِي الدِّينِ اه. وَأَوَّلُ مَا ظَهَرَ اضْطِهَادُ أَتْبَاعِ الْمَسِيحِ فِي بِلَادِ الْيَهُودِيَّةِ، فَلَمَّا تَفَرَّقَ أَتْبَاعُ الْمَسِيحِ وَأَتْبَاعُهُمْ فِي الْبُلْدَانِ نَاوَاهُمْ أَهْلُ الْإِشْرَاكِ وَالْوَثَنِيَّةِ مِنَ الرُّومِ حَيْثُ حَلُّوا مِنَ الْبِلَادِ التَّابِعَةِ لَهُمْ فَحَدَثَتْ فِيهِمْ أَحْوَالٌ مِنَ التَّقِيَّةِ هِيَ الَّتِي دَعَاهَا صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» بِمُقَاتَلِةِ الْجَبَابِرَةِ.
QS 57:27 (jilid 27 hlm. 422) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 27 · hlm. 422 · #145393
لْبِلَادِ التَّابِعَةِ لَهُمْ فَحَدَثَتْ فِيهِمْ أَحْوَالٌ مِنَ التَّقِيَّةِ هِيَ الَّتِي دَعَاهَا صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» بِمُقَاتَلِةِ الْجَبَابِرَةِ. فَالرَّاهِبُ يَمْتَنِعُ مِنَ التَّزَوُّجِ خِيفَةَ أَنْ تَشْغَلَهُ زَوْجُهُ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيَمْتَنِعُ مِنْ مُخَالَطَةِ الْأَصْحَابِ خَشْيَةَ أَنْ يُلْهُوهُ عَنِ الْعِبَادَةِ، وَيَتْرُكُ لَذَائِذِ الْمَآكِلِ وَالْمَلَابِسِ خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ فِي اكْتِسَابِ المَال الْحَرَام، وَلِأَنَّهُم أَرَادُوا التَّشَبُّهَ بِعِيسَى ﵇ فِي الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَتَرْكِ التَّزَوُّجِ، فَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ابْتَدَعُوها، أَيْ أَحْدَثُوهَا فَإِنَّ الِابْتِدَاعَ الْإِتْيَانُ بِالْبِدْعَةِ وَالْبِدَعِ وَهُوَ مَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا، أَيْ أَحْدَثُوهَا بَعْدَ رَسُولِهِمْ فَإِنَّ الْبِدْعَةَ مَا كَانَ مُحْدَثًا بَعْدَ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ. وَنَصَبَ رَهْبانِيَّةً عَلَى طَرِيقَةِ الِاشْتِغَالِ.
QS 57:27 (jilid 27 hlm. 422) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 27 · hlm. 422 · #145394
َثُوهَا بَعْدَ رَسُولِهِمْ فَإِنَّ الْبِدْعَةَ مَا كَانَ مُحْدَثًا بَعْدَ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ. وَنَصَبَ رَهْبانِيَّةً عَلَى طَرِيقَةِ الِاشْتِغَالِ. وَالتَّقْدِيرُ: وَابْتَدَعُوا رَهْبَانِيَّةً وَلَيْسَ مَعْطُوفًا عَلَى رَأْفَةً وَرَحْمَةً لِأَنَّ هَذِهِ الرَّهْبَانِيَّةَ لَمْ تَكُنْ مِمَّا شَرَعَ اللَّهُ لَهُمْ فَلَا يَسْتَقِيمُ كَوْنُهَا مَفْعُولًا لِ جَعَلْنا، وَلِأَنَّ الرَّهْبَانِيَّةَ عَمَلٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُلُوبِ وَفِعْلُ جَعَلْنا مُقَيَّدٌ بِ فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فَتَكُونُ مَفْعُولَاتُهُ مُقَيَّدَةً بِذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يُتَأَوَّلَ جَعْلُهَا فِي الْقُلُوبِ بِجَعْلِ حُبِّهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [الْبَقَرَة: ٩٣] . وَعَلَى اخْتِيَارِ هَذَا الْإِعْرَابِ مَضَى الْمُحَقِّقُونَ مِثْلُ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ وَالزَّجَّاجِ وَالزَّمَخْشَرِيِّ وَالْقُرْطُبِيِّ.
QS 57:27 (jilid 27 hlm. 423) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 27 · hlm. 423 · #145395
] . وَعَلَى اخْتِيَارِ هَذَا الْإِعْرَابِ مَضَى الْمُحَقِّقُونَ مِثْلُ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ وَالزَّجَّاجِ وَالزَّمَخْشَرِيِّ وَالْقُرْطُبِيِّ. وَجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى رَأْفَةً وَرَحْمَةً. وَاتَّهَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذَا الْإِعْرَابَ بِأَنَّهُ إِعْرَابُ الْمُعْتَزِلَةِ فَقَالَ: «وَالْمُعْتَزِلَةُ تُعْرِبُ رَهْبانِيَّةً أَنَّهَا نَصْبٌ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ابْتَدَعُوها وَيَذْهَبُونَ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ فَيُعْرِبُونَ الْآيَةَ عَلَى هَذَا» اه.
QS 57:27 (jilid 27 hlm. 423) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 27 · hlm. 423 · #145396
ْمَارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ابْتَدَعُوها وَيَذْهَبُونَ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ فَيُعْرِبُونَ الْآيَةَ عَلَى هَذَا» اه. وَلَيْسَ فِي هَذَا الْإِعْرَابِ حُجَّةٌ لَهُمْ وَلَا فِي إِبْطَالِهِ نَفْعٌ لِمُخَالَفَتِهِمْ كَمَا عَلِمْتَ. وَإِنَّمَا عُطِفَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ عَلَى جُمْلَةِ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ لْاشْتِرَاكِ مَضْمُونِ الْجُمْلَتَيْنِ فِي أَنَّهُ مِنَ الْفَضَائِلِ الْمُرَادِ بِهَا رضوَان الله. وَالْمعْنَى: وَابْتَدَعُوا لِأَنْفُسِهِمْ رَهْبَانِيَّةً مَا شَرَعْنَاهَا لَهُمْ وَلَكِنَّهُمُ ابْتَغَوْا بِهَا رِضْوَانَ اللَّهِ فَقَبِلَهَا اللَّهُ مِنْهُمْ لِأَنَّ سِيَاقَ حِكَايَةِ ذَلِكَ عَنْهُمْ يَقْتَضِي الثَّنَاءَ عَلَيْهِمْ فِي أَحْوَالِهِمْ. وَضَمِيرُ الرَّفْعِ مِنِ ابْتَدَعُوهَا عَائِدٌ إِلَى الَّذِينَ اتَّبَعُوا عِيسَى.
QS 57:27 (jilid 27 hlm. 423) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 27 · hlm. 423 · #145397
ذَلِكَ عَنْهُمْ يَقْتَضِي الثَّنَاءَ عَلَيْهِمْ فِي أَحْوَالِهِمْ. وَضَمِيرُ الرَّفْعِ مِنِ ابْتَدَعُوهَا عَائِدٌ إِلَى الَّذِينَ اتَّبَعُوا عِيسَى. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمُ ابْتَدَعُوا الْعَمَلَ بِهَا فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُمُ اخْتَرَعَ أُسْلُوبَ الرَّهْبَانِيَّةِ وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ بَعْضُهُمْ سَنَّهَا وَتَابَعَهُ بَقِيَّتُهُمْ. وَالَّذين اتَّبَعُوهُ صَادِقٌ عَلَى مَنْ أَخَذُوا بِالنَّصْرَانِيَّةِ كُلِّهِمْ، وَأَعْظَمُ مَرَاتِبِهِمْ هُمُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِسِيرَتِهِ اهْتِدَاءً كَامِلًا وَانْقَطَعُوا لَهَا وَهُمُ الْقَائِمُونَ بِالْعِبَادِةِ. وَالْإِتْيَانُ بِالْمَوْصُولِ وَصِلَتِهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ جَعْلَ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ فِي قُلُوبِهِمْ مُتَسَبِّبٌ عَنِ اتِّبَاعِهِمْ سِيرَتَهُ وَانْقِطَاعِهِمْ إِلَيْهِ. وَجُمْلَةُ مَا كَتَبْناها عَلَيْهِمْ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ابْتَدَعُوها، وَقَوْلُهُ: إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ
QS 57:27 (jilid 27 hlm. 423) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 27 · hlm. 423 · #145398
َهُ وَانْقِطَاعِهِمْ إِلَيْهِ. وَجُمْلَةُ مَا كَتَبْناها عَلَيْهِمْ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ابْتَدَعُوها، وَقَوْلُهُ: إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ احْتِرَاسٌ، وَمَجْمُوعُ الْجُمَلِ الثَّلَاثِ اسْتِطْرَادٌ وَاعْتِرَاضٌ. وَالْاسْتِثْنَاءُ بِقَوْلِهِ: إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ مَا كَتَبْناها عَلَيْهِمْ وَجُمْلَةِ فَما رَعَوْها. وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، وَالْاسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ يَشْمَلُهُ حُكْمُ الْعَامِلِ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَشْمَلْهُ لَفْظُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَإِنَّ مَعْنَى كَوْنِهِ مُنْقَطِعًا أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ عَنْ مَدْلُولِ الِاسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلَيْسَ مُنْقَطِعًا عَنْ عَامِلِهِ، فَالْاسْتِثْنَاءُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ مَعْمُولًا فِي الْمَعْنَى لِفِعْلِ كَتَبْناها فَالْمَعْنَى: لَكِنْ كَتَبْنَا عَلَيْهِمُ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ، أَيْ أَنْ يَبْتَغُوا رِضْوَانَ اللَّهِ
QS 57:27 (jilid 27 hlm. 424) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 27 · hlm. 424 · #145399
ولًا فِي الْمَعْنَى لِفِعْلِ كَتَبْناها فَالْمَعْنَى: لَكِنْ كَتَبْنَا عَلَيْهِمُ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ، أَيْ أَنْ يَبْتَغُوا رِضْوَانَ اللَّهِ بِكُلِّ عَمَلٍ لَا خُصُوصَ الرَّهْبَانِيَّةِ الَّتِي ابْتَدَعُوهَا، أَيْ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّفْهُمْ بِهَا بِعَيْنِهَا. وَقَوْلُهُ: إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَفْيًا لِتَكْلِيفِ اللَّهِ بِهَا وَلَوْ فِي عُمُومِ مَا يَشْمَلُهَا، أَيْ لَيْسَتْ مِمَّا يَشْمَلُهُ الْأَمْرُ بِرِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ يُرْضُونَ اللَّهَ بِهَا.
QS 57:27 (jilid 27 hlm. 424) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 27 · hlm. 424 · #145400
فِي عُمُومِ مَا يَشْمَلُهَا، أَيْ لَيْسَتْ مِمَّا يَشْمَلُهُ الْأَمْرُ بِرِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ يُرْضُونَ اللَّهَ بِهَا. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَفْيًا لِبَعْضِ أَحْوَالِ كِتَابَةِ التَّكَالِيفِ عَلَيْهِمْ وَهِيَ كِتَابَةُ الْأَمْرِ بِهَا بِعَيْنِهَا فَتَكُونُ الرَّهْبَانِيَّةُ مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ رِضْوَانُ اللَّهِ، أَيْ كَتَبُوهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ تَحْقِيقًا لِمَا فِيهِ رِضْوَانُ اللَّهِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ [آل عمرَان: ٩٣] ، وَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» فِي قِصَّةِ ذَبْحِ الْبَقَرَةِ.
QS 57:27 (jilid 27 hlm. 424) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 27 · hlm. 424 · #145401
ْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ [آل عمرَان: ٩٣] ، وَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» فِي قِصَّةِ ذَبْحِ الْبَقَرَةِ. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ. وَانْتَصَبَ ابْتِغاءَ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ لِفِعْلِ كَتَبْناها، وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَهُ مَفْعُولًا لِأَجْلِهِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ، أَيْ لَكِنَّهُمُ ابْتَدَعُوهَا لْابْتِغَاءِ رِضْوَانِ اللَّهِ. وَفِي الْآيَةِ عَلَى أَظْهَرِ الِاحْتِمَالَيْنِ إِشَارَةٌ إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ وَهُوَ إِثْبَاتُ الْعِلَّةِ فِي آحَادِ جُزْئِيَّاتِهَا وَإِثْبَاتُ الْقَاعِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي صُوَرِهَا. وَفِيهَا حُجَّةٌ لِانْقِسَامِ الْبِدْعَةِ إِلَى مَحْمُودَةٍ وَمَذْمُومَةٍ بِحَسَبِ انْدِرَاجِهَا تَحْتَ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَشْرُوعِيَّةِ فَتَعْتَرِيهَا الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ كَمَا حَقَّقَهُ الشِّهَابُ الْقَرَافِيُّ وَحُذَّاقُ الْعُلَمَاءِ.
QS 57:27 (jilid 27 hlm. 424) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 27 · hlm. 424 · #145402
حْتَ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَشْرُوعِيَّةِ فَتَعْتَرِيهَا الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ كَمَا حَقَّقَهُ الشِّهَابُ الْقَرَافِيُّ وَحُذَّاقُ الْعُلَمَاءِ. وَأَمَّا الَّذِينَ حَاوَلُوا حَصْرَهَا فِي الذَّمِّ فَلَمْ يَجِدُوا مَصْرِفًا. وَقَدْ قَالَ عُمَرُ لَمَّا جُمِعَ النَّاسُ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ «نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ» . وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُمُ ابْتَدَعُوا الرَّهْبَانِيَّةَ لِلِانْقِطَاعِ عَنْ جَمَاعَاتِ الشِّرْكِ مِنَ الْيُونَانِ وَالرُّومِ وَعَنْ بَطْشِ الْيَهُودِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ ذَلِكَ طَلَبٌ لِرِضْوَانِ اللَّهِ كَمَا حَكَى اللَّهُ عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ [الْكَهْفِ: ١٦] . وَفِي الْحَدِيثِ: «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا يَتَتَبَّعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ»
QS 57:27 (jilid 27 hlm. 425) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 27 · hlm. 425 · #145403
ثِ: «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا يَتَتَبَّعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ» ، وَعَلِيهِ فَيكون تَركهم التَّزَوُّجُ عَارِضًا اقْتَضَاهُ الِانْقِطَاعُ عَنِ الْمُدُنِ وَالْجَمَاعَاتِ فَظَنَّهُ الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ أَصْلًا مِنْ أَصُولِ الرَّهْبَانِيَّةِ. وَأَمَّا تَرْكُ الْمَسِيحِ التَّزَوُّجَ فَلَعَلَّهُ لِعَارِضٍ آخَرَ أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ لِأَجْلِهِ، وَلَيْسَ تَرْكُ التَّزَوُّج من شؤون النُّبُوءَةِ فَقَدْ كَانَ لِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ أَزْوَاجٌ قَالَ تَعَالَى: وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً [الرَّعْد: ٣٨] . وَقِيلَ: إِنَّ ابْتِدَاعَهُمُ الرَّهْبَانِيَّةَ بِأَنَّهُمْ نَذَرُوهَا لِلَّهِ وَكَانَ الِانْقِطَاعُ عَنِ اللَّذَائِذِ وَإِعْنَاتِ النَّفْسِ مِنْ وُجُوهِ التَّقَرُّبِ فِي بِعْضِ الشَّرَائِعِ الْمَاضِيَةِ بَقِيَتْ إِلَى أَنْ أَبْطَلَهَا الْإِسْلَامُ
QS 57:27 (jilid 27 hlm. 425) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 27 · hlm. 425 · #145404
عُ عَنِ اللَّذَائِذِ وَإِعْنَاتِ النَّفْسِ مِنْ وُجُوهِ التَّقَرُّبِ فِي بِعْضِ الشَّرَائِعِ الْمَاضِيَةِ بَقِيَتْ إِلَى أَنْ أَبْطَلَهَا الْإِسْلَامُ فِي حَدِيثِ النُّذُرِ فِي «الْمُوَطَّأِ» «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ صَامِتًا فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: نَذَرَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَأَنْ يَصُومَ يَوْمَهُ فَقَالَ: مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وليستظل وليتمّ صَوْمه إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ» .
QS 57:27 (jilid 27 hlm. 425) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 27 · hlm. 425 · #145405
ا يَسْتَظِلَّ وَأَنْ يَصُومَ يَوْمَهُ فَقَالَ: مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وليستظل وليتمّ صَوْمه إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ» . وَقَدْ مَضَى فِي سُورَةِ مَرْيَمَ [٢٦] قَوْلُهُ تَعَالَى: فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا وَلَا تَنَافِي بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّ أَسْبَابَ الرهبانية قد تَتَعَدَّد بِاخْتِلَافِ الْأَدْيَانِ. وَقَدْ فُرِّعَ عَلَى قَوْلِهِ: ابْتَدَعُوها وَمَا كَتَبْناها عَلَيْهِمْ وَمَا بَعْدَهُ قَوْلُهُ: فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها أَيْ فَتَرَتَّبَ عَلَى الْتِزَامِهِمُ الرَّهْبَانِيَّةَ أَنَّهُمْ، أَيِ الْمُلْتَزِمِينَ لِلرَّهْبَانِيَّةِ مَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا.
QS 57:27 (jilid 27 hlm. 425) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 27 · hlm. 425 · #145406
ايَتِها أَيْ فَتَرَتَّبَ عَلَى الْتِزَامِهِمُ الرَّهْبَانِيَّةَ أَنَّهُمْ، أَيِ الْمُلْتَزِمِينَ لِلرَّهْبَانِيَّةِ مَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا. وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ جَمِيعَهُمْ قَصَّرُوا تَقْصِيرًا مُتَفَاوِتًا، قَصَّرُوا فِي أَدَاءِ حَقِّهَا، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ مَا يَكْتُبُهُ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ مِنَ التَّكَالِيفِ لَا يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ الْعَمَلُ بِهِ. وَالرَّعْيُ: الْحِفْظُ، أَيْ مَا حَفِظُوهَا حَقَّ حِفْظِهَا، وَاسْتُعِيرَ الْحِفْظُ لْاسْتِيفَاءِ مَا تَقْتَضِيهِ مَاهِيَّةُ الْفِعْلِ، فَالرَّهْبَانِيَّةُ تَحُومُ حَوْلَ الْإِعْرَاضِ عَنِ اللَّذَائِذِ الزَّائِلَةِ وَإِلَى التعود بِالصبرِ عَلَى تَرْكِ الْمَحْبُوبَاتِ لِئَلَّا يَشْغَلَهُ اللَّهْوُ بِهَا عَنِ الْعِبَادَةِ وَالنَّظَرِ فِي آيَاتِ اللَّهِ، فَإِذَا وَقَعَ التَّقْصِيرُ فِي الْتِزَامِهَا فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ أَوِ التَّفْرِيطُ فِي بَعْضِ الْأَنْوَاعِ فَقَدِ انْتَفَى حَقُّ حِفْظِهَا.
QS 57:27 (jilid 27 hlm. 426) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 27 · hlm. 426 · #145407
َّهِ، فَإِذَا وَقَعَ التَّقْصِيرُ فِي الْتِزَامِهَا فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ أَوِ التَّفْرِيطُ فِي بَعْضِ الْأَنْوَاعِ فَقَدِ انْتَفَى حَقُّ حِفْظِهَا. وحَقَّ رِعايَتِها مِنْ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ، أَيْ رِعَايَتَهَا الْحَقَّ. وَحَقُّ الشَّيْءِ: هُوَ وُقُوعُهُ عَلَى أَكْمَلِ أَحْوَالِ نَوْعِهِ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ الْمُبَيِّنِ لِلنَّوْعِ. وَالْمَعْنَى: مَا حفظوا شؤون الرَّهْبَانِيَّةِ حِفْظًا كَامِلًا فَمَصَبُّ النَّفْيِ هُوَ الْقَيْدُ بِوَصْفِ حَقَّ رِعايَتِها. وَهَذَا الِانْتِفَاءُ لَهُ مَرَاتِبُ كَثِيرَةٌ، وَالْكَلَامُ مَسُوقٌ مَسَاقَ اللَّوْمِ عَلَى تَقْصِيرِهِمْ فِيمَا الْتَزَمُوهُ أَوْ نَذَرُوهُ، وَذَلِكَ تَقَهْقُرٌ عَنْ مَرَاتِبِ الْكَمَالِ وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لِلْمُتَّقِي أَنْ يَكُونَ مُزْدَادًا مِنَ الْكَمَالِ. وَقَالَ النَّبِيءُ ﷺ: «أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ» .
QS 57:27 (jilid 27 hlm. 426) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 27 · hlm. 426 · #145408
َمَالِ وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لِلْمُتَّقِي أَنْ يَكُونَ مُزْدَادًا مِنَ الْكَمَالِ. وَقَالَ النَّبِيءُ ﷺ: «أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ» . وَقَوْلُهُ: فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ تَفْرِيعٌ عَلَى جُمْلَةِ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ إِلَى آخِرِهِ وَمَا بَيْنَهُمَا اسْتِطْرَادٌ. وَالْمُرَادُ بِ الَّذِينَ آمَنُوا الْمُتَّصِفُونَ بِالْإِيمَانِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآن، وَهُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِيمَانُ بِرُسُلِهِ فِي كُلِّ زَمَانٍ، أَيْ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ أَجْرَهُمْ، أَيِ الَّذِينَ لَمْ يَخْلِطُوا مُتَابَعَتَهُمْ إِيَّاهُ بِمَا يُفْسِدُهَا مِثْلُ الَّذِينَ اعْتَقَدُوا إِلَهِيَّةَ عِيسَى ﵇ أَوْ بُنُوَّتَهُ لِلَّهِ، وَنَحْوُهُمْ مِنَ النَّصَارَى الَّذِينَ أَدْخَلُوا فِي الدِّينِ مَا هُوَ مُنَاقِضٌ لِقَوَاعِدِهِ وَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ النَّصَارَى كَمَا قَالَ: وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ
QS 57:27 (jilid 27 hlm. 426) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 27 · hlm. 426 · #145409
مْ مِنَ النَّصَارَى الَّذِينَ أَدْخَلُوا فِي الدِّينِ مَا هُوَ مُنَاقِضٌ لِقَوَاعِدِهِ وَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ النَّصَارَى كَمَا قَالَ: وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ. وَالْمُرَادُ بِالْفِسْقِ: الْكُفْرُ وَهَذَا ثَنَاءٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ مِمَّنْ مَضَوْا مِنَ النَّصَارَى قَبْلَ الْبَعْثَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَبُلُوغِ دَعْوَتِهَا إِلَى النَّصَارَى، وَادِّعَاؤُهُمْ أَنَّهُمْ أَتْبَاعُ الْمَسِيحِ بَاطِلٌ لِأَنَّهُمْ مَا اتَّبَعُوهُ إِلَّا فِي الصُّورَةِ وَالَّذِينَ أَفْسَدُوا إِيمَانهم بِنَقْض حُصُوله هُمُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ، أَيْ وَكَثِيرٌ مِنَ الَّذِينَ الْتَزَمُوا دِينَهُ
QS 57:27 (jilid 27 hlm. 426) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 27 · hlm. 426 · #145410
ْسَدُوا إِيمَانهم بِنَقْض حُصُوله هُمُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ، أَيْ وَكَثِيرٌ مِنَ الَّذِينَ الْتَزَمُوا دِينَهُ خَارِجُونَ عَنِ الْإِيمَانِ، فَالْمُرَادُ بِالْفِسْقِ مَا يَشْمَلُ الْكُفْرَ وَمَا دُونَهُ مِثْلُ الَّذِينَ بَدَّلُوا الْكِتَابَ وَاسْتَخَفُّوا بِشَرَائِعِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [التَّوْبَة: ٣٤] . [٢٨]

Ayat yang dirujuk di sini

Potongan tafsir di atas mengutip ayat-ayat berikut (dideteksi dengan aturan teks ﴿…﴾, bukan model bahasa).

QS 57:28QS 57:29