القول في تأويل قوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾.
يقول تعالى ذكره: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ لهؤلاء العادلين بي الأوثان والأندادَ، المكذِّبين بك، الجاحِدِين حقيقة ما جئتهم به من عندى: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: جُولوا في بلادِ المكذِّبين رسلهم، الجاحدين آياتي مِن قَبْلِهم، من ضُرَبائهم وأشكالِهم من الناسِ، ﴿ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ: ثم انظُروا كيف أعقبهم تكذيبُهم ذلك الهلاك والعَطَبَ، وخزيَ الدنيا وعارَها، وما حَلَّ بهم مِن سَخَطِ الله عليهم مِن البَوارِ، وخراب الديارِ، وعُفُوَّ الآثار، فاعتبروا به إن لم تَنْهَكم حُلُومُكم، ولم تَزْجُرُكم حُججُ اللهِ عليكم عما أنتم عليه مُقيمون من التكذيب، فاحذروا مثلَ مَصارعهم، واتَّقوا أن يَحِلَّ بكم مثلُ
الذي حَلَّ بهم.
هَكم حُلُومُكم، ولم تَزْجُرُكم حُججُ اللهِ عليكم عما أنتم عليه مُقيمون من التكذيب، فاحذروا مثلَ مَصارعهم، واتَّقوا أن يَحِلَّ بكم مثلُ
الذي حَلَّ بهم.
وكان قتادةُ يقولُ في ذلك بما حدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾: [بئس والله كان عاقبة المكذِّبين]، دمَّر الله عليهم وأهلكهم، ثم صيَّرهم إلى النار.
﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾
وقوله: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) أي: ولو أنزلنا مع الرسول البَشَرِيّ ملكًا، أي: لو بعثنا إلى البشر رسولا ملكيًا لكان على هيئة رجل لتُفْهَم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه، ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر كما يلبسون على أنفسهم في قبول رسالة البشري، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٥]، فمن رحمة الله تعالى بخلقه أنه يرسل إلى كل صنف من الخلائق
ْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٥]، فمن رحمة الله تعالى بخلقه أنه يرسل إلى كل صنف من الخلائق
رسلا منهم، ليدعو بعضهم بعضا، وليمكن بعضهم أن ينتفع ببعض في المخاطبة والسؤال، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٤].
قال الضحاك، عن ابن عباس في [قوله: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا)] الآية. يقول: لو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل؛ لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) أي: ولخلطنا عليهم ما يخلطون.
م ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل؛ لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) أي: ولخلطنا عليهم ما يخلطون. وقال الوالبي عنه: ولشبهنا عليهم.
وقوله: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) هذا تسلية لرسوله محمد ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه، ووعد له وللمؤمنين به بالنصرة والعاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة.
ثم قال: (قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) أي: فكروا في أنفسكم، وانظروا ما أحل الله بالقرون الماضية الذين كذبوا رسله وعاندوهم، من العذاب والنكال، والعقوبة في الدنيا، مع ما ادَّخَر لهم من العذاب الأليم في الآخرة، وكيف نَجَّى رسله وعباده المؤمنون.