Katakanlah (Muhammad), "Milik siapakah apa yang di langit dan di bumi?" Katakanlah, "Milik Allah." Dia telah menetapkan (sifat) kasih sayang pada diri-Nya.308) Dia sungguh akan mengumpulkan kamu pada hari Kiamat yang tidak diragukan lagi. Orang-orang yang merugikan dirinya, mereka itu tidak beriman
القول في تأويل قوله عز ذكرُه: ﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾.
يَقُولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء العادلين بربِّهم: ﴿لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. يقولُ: لَمَن مُلْكُ ما في السماواتِ والأرض؟ ثم أخبرهم أن ذلك للهِ الذي اسْتَعْبدَ كُلَّ شيءٍ، وقهر كلَّ شيءٍ بمُلكه وسلطانه، لا للأوثان والأندادِ، ولا لما يَعْبُدونه ويَتَّخِذونه إلهًا، مِن الأصنام التي لا تملكُ لأنفسها نفعًا، ولا تَدْفَعُ عنها ضُرًّا.
وقوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾. يقولُ: قضى أنه بعباده رحيمٌ، لا يَعْجَلُ عليهم بالعقوبة، ويَقْبَلُ منهم الإنابة والتوبة.
وهذا من الله تعالى ذكره استعطافٌ للمُوَلِّين عنه إلى الإقبال إليه بالتوبة.
بعباده رحيمٌ، لا يَعْجَلُ عليهم بالعقوبة، ويَقْبَلُ منهم الإنابة والتوبة.
وهذا من الله تعالى ذكره استعطافٌ للمُوَلِّين عنه إلى الإقبال إليه بالتوبة. يَقُولُ تعالى ذكره: إن هؤلاء العادلين بي، الجاحدين نبوَّتك يا محمد، إن تابوا وأنابوا، قَبِلتُ توبتهم، وإنى قد قضَيتُ في خَلْقى أن رحمتي وسعت كلَّ شيءٍ.
كالذي حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن ذكوان، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "لما فرغ اللهُ مِن الخَلْقِ كتب كتابًا: إنَّ رحمتى سبقت غضبي".
حدَّثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عبد الوهاب، قال: ثنا داود، عن أبي عثمان، عن سلمان، قال: إن الله تعالى لما خلق السماء والأرض، خلق مائة رحمة، كلُّ رحمةٍ مِلْءُ ما بين السماء إلى الأرض، فعنده تسعٌ وتسعون رحمةً، وقسَم رحمةً بين الخلائقِ، فبها يتعاطفون، وبها تَشْرَبُ الوَحْشُ والطيرُ الماءَ، فإذا كان [يوم القيامة] قصَرها الله على المتقين، وزادهم تسعًا وتسعين.
، وقسَم رحمةً بين الخلائقِ، فبها يتعاطفون، وبها تَشْرَبُ الوَحْشُ والطيرُ الماءَ، فإذا كان [يوم القيامة] قصَرها الله على المتقين، وزادهم تسعًا وتسعين.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن داود، عن أبي عثمان، عن سلمان نحوه، إلا أن ابن أبي عَدِيٍّ لم يَذْكُرْ في حديثه: وبها تَشْرَبُ الوَحْشُ والطيرُ الماء.
حدَّثنا محمد بن عبد الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان، عن سلمان، قال: نَحِدُ في التوراةِ عَطْفَتين؛ إِن الله خلق السماوات والأرض، ثم خلق مائة رحمةٍ - أو: جعَل مائة رحمةٍ - قبل أن يَخْلُقَ الخلق، ثم خلق الخلق، فوضع بينهم رحمةً واحدةً، وأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمةً.
سماوات والأرض، ثم خلق مائة رحمةٍ - أو: جعَل مائة رحمةٍ - قبل أن يَخْلُقَ الخلق، ثم خلق الخلق، فوضع بينهم رحمةً واحدةً، وأمسك عنده تسعًا وتسعين رحمةً. قال: فبها يتراحمون، وبها يَتَباذَلون، وبها يتعاطفون، وبها يَتَزاوَرُون، وبها تَحِنُّ الناقةُ، وبها تَمُوجُ البقرةُ، وبها تَيْعَرُ الشاةُ، وبها تتابعُ الطيرُ،
وبها تتابعُ الحيتانُ في البحر، فإذا كان يوم القيامة، جمع اللهُ تلك الرحمة إلى ما عنده، ورحمتُه أفضل وأوسعُ.
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان النهديِّ، عن سلمان، في قوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ الآية. قال: إنا تَجِدُ في التوراةِ عَطْفَتين.
ْمَرٌ، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان النهديِّ، عن سلمان، في قوله: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ الآية. قال: إنا تَجِدُ في التوراةِ عَطْفَتين. ثم ذكر نحوه، إلا أنه قال: وبها تتابع الطيرُ، وبها تتابع الحيتانُ في البحر (١).
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، قال: قال ابن طاوسٍ، عن أبيه: إن الله تعالى لما خلق الخلق، لم يَعْطِفْ شيءٌ على شيءٍ، حتى خلق مائة رحمةٍ، فوضع بينهم رحمةً واحدةً، فعطف بعض الخلق على بعضٍ.
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن ابن طاوسٍ، عن أبيه بمثله.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمد بن ثورٍ، عن مَعْمَرٍ، قال: وأَخبرني الحكم بن أبانٍ، عن عكرمة، حسبته أسنَده، قال: إذا فرغ اللهُ ﷿ مِن القضاءِ بينَ خلقِه، أخرج كتابًا مِن تحتِ العرشِ، فيه: إن رحمتى سبقت غضبي، وأنا أرحم الراحمين. قال: فيَخْرُجُ مِن النارِ مثلُ أهل الجنة. أو قال: مثلا أهل الجنة. ولا أعلمه إلا قال: مثلا. وأما "مثل" فلا أشكُّ.
رحمتى سبقت غضبي، وأنا أرحم الراحمين. قال: فيَخْرُجُ مِن النارِ مثلُ أهل الجنة. أو قال: مثلا أهل الجنة. ولا أعلمه إلا قال: مثلا. وأما "مثل" فلا أشكُّ. مكتوبًا هاهنا - وأشار الحَكَمُ إلى
نحرِه -: عُتَقاءُ اللهِ. فقال رجلٌ لعكرمة: يا أبا عبدِ اللهِ، فإن الله يَقُولُ: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٧]. قال: ويلَك، أولئك أهلُها الذين هم أهلُها.
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن الحَكَم بن أبانٍ، عن عكرمةَ، حسبتُ أنه أسنده، قال: إذا كان يوم القيامة، أخرج اللهُ كتابًا من تحت العرش. ثم ذكر نحوه، غير أنه قال: فقال رجلٌ: يا أبا عبدِ الله، أرأيتَ قولَه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ﴾؟.
مة، أخرج اللهُ كتابًا من تحت العرش. ثم ذكر نحوه، غير أنه قال: فقال رجلٌ: يا أبا عبدِ الله، أرأيتَ قولَه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ﴾؟. وسائرُ الحديث مثلُ حديث ابن عبد الأعلى.
حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن همامِ بن منبهٍ، قال: سمعت أبا هريرةَ يَقُولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "لما قضَى اللهِ الله الخلق، كتب في كتابٍ فهو عنده فوق العرشِ: إن رحمتى سبقت غضبي".
حدَّثنا بشرٌ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيد بن زريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن أبي أيوب، عن عبدِ اللهِ بن عمرو أنه كان يقولُ: إِن للهِ مِائَةَ رحمةٍ، فأهبط رحمةً إلى أهل الدنيا، يَتَراحمُ بها الجنُّ، والإنسُ، وطائر السماء، وحيتان الماء، ودوابُّ الأرضِ وهوامُّها، وما بين الهواء، واختزن عنده تسعًا وتسعين رحمةً، حتى إذا كان يوم القيامة، اختَلَج الرحمة التي كان أهبطها إلى أهل الدنيا، فحواها إلى ما عنده، فجعلها في قلوب أهل الجنة، وعلى أهل الجنة.
ًا وتسعين رحمةً، حتى إذا كان يوم القيامة، اختَلَج الرحمة التي كان أهبطها إلى أهل الدنيا، فحواها إلى ما عنده، فجعلها في قلوب أهل الجنة، وعلى أهل الجنة.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: قال عبدُ اللهِ بنُ عمرٍو: إن للهِ مِائَةَ رحمةٍ، أهبَط منها إلى الأرضِ رحمةً واحدةٍ، يَتَراحمُ بها الجنُّ، والإنسُ، والطيرُ، والبهائمُ، وهوامُّ الأرضِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ، قال: أخبَرنا أبو المغيرةِ عبدُ القُدُّوسِ بنُ الحجاجِ، قال: ثنا صفوانُ بنُ عمرٍو قال: ثني أبو المُخارِقِ زُهَيْرُ بنُ سالمٍ، قال: قال عمرُ لكعبٍ: ما أوّلُ شيءٍ ابتدَأه اللهُ مِن خلقِه؟ فقال كعبٌ: كتَب اللهُ كتابًا لم يَكْتُبْه بقلمٍ ولا مِدادٍ، ولكن كتَبه بأُصبُعِه يَتْلُوها الزَّبَرْجَدُ واللؤلؤُ والياقوتُ: أنا اللهُ لا إلهَ إلا أنا، سبَقت رحمتي غضبي.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾.
وهذه اللامُ التي في قولِه: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾. لامُ قَسَمٍ.
ثم اختلَف أهلُ العربيةِ في جالِيِها، فكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ يقولُ: إن شِئْتَ جعَلت ﴿الرَّحْمَةَ﴾ غايةَ كلامٍ، ثم استأنَفت بعدَها: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾. قال: وإن شِئْت جعَلته في موضِعِ نصبٍ - يَعْنى كتَب ليجمعنَّكم - كما قال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ﴾ [الأنعام: ٥٤]. يُريدُ: كتَب أنه مَن عمِل منكم. قال: والعربُ تَقولُ في الحروفِ التي يصْلُحُ معها جوابُ الأَيمانِ بـ "أن" المفتوحةِ وباللامِ، فيَقُولون: أرْسَلتُ إليه
أن يقومَ، وأرْسَلْتُ إليه لَيَقُومَنَّ. قال: وكذلك قولُه: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥]. قال: وهو في القرآنِ كثيرٌ، ألا تَرَى أنك لو قلتَ: بَدَا لهم أن يَسْجُنوه.
مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يوسف: ٣٥]. قال: وهو في القرآنِ كثيرٌ، ألا تَرَى أنك لو قلتَ: بَدَا لهم أن يَسْجُنوه. لَكان صوابًا؟
وكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: نُصِبَت لامُ ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾؛ لأن معنى ﴿كَتَبَ﴾ القسمُ، كأنه قال: واللهِ لَيَجْمَعَنَّكم.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يكونَ قولُه: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾. غايةَ خبرٍ، وأن يكونَ قولُه: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾. خبرًا مبْتدَأً، ويَكونَ معني الكلامِ حينَئذٍ: لَيَجْمَعَنَّكم اللهُ أيُّها العادِلون باللهِ ليومِ القيامةِ الذي لا ريْبَ فيه؛ لِيَنْتَقِمَ منكم بكُفْرِكم به.
وإنما قلتُ: هذا القولُ أولى بالصوابِ مِن إعمالِ: ﴿كَتَبَ﴾. في: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾؛ لأن قولَه: ﴿كَتَبَ﴾. قد عمِل ﴿الرَّحْمَةَ﴾، فغيرُ جائزٍ وقد عمِل في ﴿الرَّحْمَة﴾ أَن يَعْمَلَ في: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾.
َبَ﴾. في: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾؛ لأن قولَه: ﴿كَتَبَ﴾. قد عمِل ﴿الرَّحْمَةَ﴾، فغيرُ جائزٍ وقد عمِل في ﴿الرَّحْمَة﴾ أَن يَعْمَلَ في: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾. لأنه لا يَتَعَدَّى إلى اثنين.
فإن قال قائلٌ: فما أنت قائلٌ في قراءةِ مَن قرَأَ: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ﴾ بفتحِ "أنّ"؟
قيل: إن ذلك إذا قُرِئ كذلك، فإن "أنّ" بيانٌ عن الرحمةِ وترجمةٌ عنها؛ لأن معنى الكلامِ: كتَب على نفسِه الرحمةَ أن يَرْحَمَ من عبادِه [من تاب] بعدَ اقْتِرافِ السُّوءِ بجَهالةٍ ويَعْفُوَ. والرحمةُ يُتَرجَمُ عنها ويُبَيَّنُ معناها بصفتِها، وليس مِن صفةِ
الرحمةِ ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فيكونَ مُبَيَّنًا به عنها. فإن كان ذلك كذلك، فلم يَبْقَ إلا أن يُنْصَبَ بنيةِ تَكريرِ "كتَب" مرةً أخرى معه، ولا ضرورةَ بالكلامِ إلى ذلك، فيُوَجَّهَ إلى ما ليس بموجودٍ في ظاهرِه.
وأما تأويلُ قولِه: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. فإنه: لا شَكَّ فيه.
كتَب" مرةً أخرى معه، ولا ضرورةَ بالكلامِ إلى ذلك، فيُوَجَّهَ إلى ما ليس بموجودٍ في ظاهرِه.
وأما تأويلُ قولِه: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. فإنه: لا شَكَّ فيه. يقولُ: في أن الله يَجْمَعُكم إلى يومِ القيامةِ، فيَحْشُرُكم إليه جميعًا، ثم يُؤْتِى كلَّ عاملٍ منكم أجرَ ما عمِل مِن حسنٍ أو سيئٍ.
القولُ في تأويلِ قوله: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٢)﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾: العادِلين به الأوثانَ والأصنامَ. يقولُ تعالى ذكرُه: لَيَجْمَعَنَّ اللهُ الذين خسِروا أنفسَهم، يقولُ: الذين أهْلَكوا أنفسَهم وغَبَنوها بادعائهم للهِ الندَّ والعَدِيلَ، فأَوْبَقوها بإيجابِهم سَخَطَ اللهِ وأليمَ عقابِه في المَعادِ.
وأصلُ الخَسارِ الغَبْنُ، يقالُ منه: خسِر الرجلُ في البيعِ. إذا غُبِن، كما قال الأَعْشَى:
لا يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ في حُكْمِهِ … ولا يُبالي خَسَرَ الخَاسِرِ
وقد بيَّنا ذلك في غيرِ هذا الموضعِ بما أغْنَى عن إعادتِه.
وموضعُ ﴿الَّذِينَ﴾ في قولِه: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾. نصبٌ، على الردِّ على الكافِ والميمِ في قولِه: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾. على وجهِ البيانِ عنها،
وذلك أن الذين خسِروا أنفسَهم هم الذين خُوطِبوا بقولِه: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾.
وقولُه: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.
َجْمَعَنَّكُمْ﴾. على وجهِ البيانِ عنها،
وذلك أن الذين خسِروا أنفسَهم هم الذين خُوطِبوا بقولِه: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾.
وقولُه: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. يقولُ: فهم لإهلاكِهم أنفسَهم، وغَبْنِهم إياها حظَّها، ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾. أي: لا يُوَحِّدون الله، ولا يُصَدِّقون بوعدِه ووَعيدِه، ولا يُقِرُّون بنبوِة محمدٍ ﷺ.
﴿قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (١٢) وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (١٦)﴾
يخبر تعالى أنه مالك السموات والأرض ومن فيهن، وأنه قد كتب على نفسه المقدسة الرحمة، كما ثبت في الصحيحين، من طريق الأعْمَش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال النبي ﷺ "إن الله لما خَلَقَ الخَلْق كتب كتابًا عنده فوق العرش، إن رحمتي تَغْلِبُ غَضَبِي"
ين، من طريق الأعْمَش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال النبي ﷺ "إن الله لما خَلَقَ الخَلْق كتب كتابًا عنده فوق العرش، إن رحمتي تَغْلِبُ غَضَبِي"
وقوله: (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ) هذه اللام هي الموطئة للقسم، فأقسم بنفسه الكريمة ليجمعن عباده لميقات يوم معلوم [وهو يوم القيامة] الذي لا ريب فيه ولا شك عند عباده
المؤمنين، فأما الجاحدون المكذبون فهم في ريبهم يترددون.
وقال ابن مَرْدُوَيه عند تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا عبيد الله بن أحمد بن عُقْبَة، حدثنا عباس بن محمد، حدثنا حسين بن محمد، حدثنا مِحْصَن بن عقْبَة اليماني، عن الزبير بن شَبِيب، عن عثمان بن حاضر، عن ابن عباس قال: سُئِلَ رسول الله ﷺ عن الوقوف بين يدي رب العالمين، هل فيه ماء؟
دثنا مِحْصَن بن عقْبَة اليماني، عن الزبير بن شَبِيب، عن عثمان بن حاضر، عن ابن عباس قال: سُئِلَ رسول الله ﷺ عن الوقوف بين يدي رب العالمين، هل فيه ماء؟ قال: "والذي نَفْسِي بيَدِه، إن فيه لماءً، إن أولياء الله ليردون حِياضَ الأنبياء، ويَبْعَثُ الله تعالى سبعين ألف مَلَكٍ في أيديهم عِصِيّ من نار، يَذُودون الكفار عن حياض الأنبياء".
هذا حديث غريب وفي الترمذي: "إن لكل نبي حَوْضًا، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وأرجو أن أكون أكثرهم واردة"
ولهذا قال: (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ) [أي يوم القيامة] (فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) أي: لا يصدقون بالمعاد، ولا يخافون شر ذلك اليوم.
ثم قال تعالى (وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) أي: كل دابة في السموات والأرض، الجميع عباده وخلقه، وتحت قهره وتصرفه وتدبيره، ولا إله إلا هو، (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) أي: السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وضمائرهم وسرائرهم.
جميع عباده وخلقه، وتحت قهره وتصرفه وتدبيره، ولا إله إلا هو، (وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) أي: السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وضمائرهم وسرائرهم.
ثم قال لعبده ورسوله محمد ﷺ، الذي بعثه بالتوحيد العظيم والشرع القويم، وأمره أن يدعو الناس إلى صراطه المستقيم: (قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) كَمَا قَالَ ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]، والمعنى: لا أتخذ وليًا إلا الله وحده لا شريك له، فإنه فاطر السموات والأرض، أي: خالقهما ومبدعهما على غير مثال سَبَق.
(وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ) أي: وهو الرزاق لخلقه من غير احتياج إليهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
ونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
وقرأ بعضهم هاهنا: (وَهُوَ يُطْعِمُ ولا يَطْعَمُ) الآية أي: لا يأكل.
وفي حديث سُهَيْل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة [﵁] قال: دعا رجل من الأنصار من أهل قباء النبي ﷺ، قال: فانطلقنا معه، فلما طعم النبي ﷺ وغسل يديه قال:
"الحمد لله الذي يُطعِم ولا يَطْعَم، ومَنَّ علينا فهدانا، وأطعمنا وسَقانا وكلّ بَلاء حَسَن أبلانا، الحمد لله غير مُودّع ولا مكافَأ ولا مكفور ولا مُسْتَغْنًى عنه، الحمد لله الذي أطعمنا من الطعام، وسقانا من الشراب، وكسانا من العري، وهدانا من الضلال، وبَصَّرنا من العَمَى، وفَضَّلنا على كثير ممن خلق تفضيلا الحمد لله رب العالمين"
(قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ) أي: من هذه الأمة (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) يعني: يوم القيامة.