Dan sungguh, beberapa Rasul sebelum engkau (Muhammad) telah diperolok-olokkan, sehingga turunlah azab kepada orang-orang yang mencemoohkan itu sebagai balasan atas olok-olokan mereka
القول في تأويل قوله: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾.
يقول تعالى ذكره لنبيِّه محمد ﷺ مُسَلِّيًّا عنه بوعيدِه المستهزئين به عقوبة ما يَلْقَى منهم من أذى الاستهزاء به، والاستخفاف في ذاتِ اللهِ: هَوِّن عليك يا محمدُ ما أنت لاقٍ من هؤلاء المستهزئين بك، المسْتَخِفِّين بحقِّك فيَّ وفي طاعتى، وامْضِ لما أمَرْتُك به من الدعاء إلى توحيدى، والإقرار بي، والإذعان لطاعتى، فإنهم إن تَمادَوا في غَيِّهم، وأصَرُّوا على المقامِ على كفرهم، نَسْلُكْ بهم سبيلَ أسلافهم من سائرِ الأمم من غيرهم؛ من تعجيل النِّقمة لهم، وحُلولِ المَثُلاتِ بهم، فقد اسْتَهْزَأَت أممٌ من قبلك برسلٍ أرْسَلْتُهم إليهم، بمثل الذي أرْسَلْتُك به إلى قومِك، وفعلوا مثال فعل قومِك بك، ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. يعني بقوله: ﴿فَحَاقَ﴾: فنزل وأحاط بالذين هزءوا برسلهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾.
َذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. يعني بقوله: ﴿فَحَاقَ﴾: فنزل وأحاط بالذين هزءوا برسلهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. يقولُ: العذاب الذي كانوا يهزءون به، ويُنكرون أن يكون واقعًا
بهم على ما أَنْذَرَتْهم رسلُهم.
يقالُ منه: حاق بهم هذا الأمرُ، يَحِيقُ بهم، حَيْقًا وحُيُوقًا وحَيَقانًا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضل، قال: ثنا أسباط، عن السديِّ: ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ﴾: مِن الرسل، ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. يقولُ: وقع بهم العذابُ الذي اسْتَهْزَءوا به.
﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠) قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾
وقوله: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) أي: ولو أنزلنا مع الرسول البَشَرِيّ ملكًا، أي: لو بعثنا إلى البشر رسولا ملكيًا لكان على هيئة رجل لتُفْهَم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه، ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر كما يلبسون على أنفسهم في قبول رسالة البشري، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٥]، فمن رحمة الله تعالى بخلقه أنه يرسل إلى كل صنف من الخلائق
ْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولا﴾ [الإسراء: ٩٥]، فمن رحمة الله تعالى بخلقه أنه يرسل إلى كل صنف من الخلائق
رسلا منهم، ليدعو بعضهم بعضا، وليمكن بعضهم أن ينتفع ببعض في المخاطبة والسؤال، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٤].
قال الضحاك، عن ابن عباس في [قوله: (وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلا)] الآية. يقول: لو أتاهم ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل؛ لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) أي: ولخلطنا عليهم ما يخلطون.
م ملك ما أتاهم إلا في صورة رجل؛ لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من النور (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) أي: ولخلطنا عليهم ما يخلطون. وقال الوالبي عنه: ولشبهنا عليهم.
وقوله: (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) هذا تسلية لرسوله محمد ﷺ في تكذيب من كذبه من قومه، ووعد له وللمؤمنين به بالنصرة والعاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة.
ثم قال: (قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) أي: فكروا في أنفسكم، وانظروا ما أحل الله بالقرون الماضية الذين كذبوا رسله وعاندوهم، من العذاب والنكال، والعقوبة في الدنيا، مع ما ادَّخَر لهم من العذاب الأليم في الآخرة، وكيف نَجَّى رسله وعباده المؤمنون.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾ ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار استهزءوا برسل قبل نبينا ﷺ، وأنهم حاق بهم العذاب بسبب ذلك، ولم يفصل هنا كيفية استهزائهم، ولا كيفية العذاب الذي أهلكوا به، ولكنه فصل كثيراً من ذلك في مواضع أخر متعددة في ذكر نوح وقومه، وهود وقومه، وصالح وقومه، ولوط وقومه، وشعيب وقومه، إلى غير ذلك.
فمن استهزائهم بنوح قولهم له: "بعد أن كنت نجارًا صرت نبيًّا" وقد قال الله تعالى عن نوح: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨)﴾ وذكر ما حاق بهم بقوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤)﴾ وأمثالها من الآيات.
مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨)﴾ وذكر ما حاق بهم بقوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤)﴾ وأمثالها من الآيات.
ومن استهزائهم بهود ما ذكره الله عنهم من قولهم: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ وقوله عنهم أيضاً: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ الآية. وذكر ما حاق بهم من العذاب في قوله: ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١)﴾ الآية وأمثالها من الآيات.
ومن استهزائهم بصالح قولهم فيما ذكر الله عنهم: ﴿يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)﴾ وقولهم: ﴿يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا﴾ الآية، وذكر ما حاق بهم بقوله: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧)﴾ ونحوها من الآيات.