موقِنةٍ بوحدانيتِه وربوبيتِه، فِعْلُ أهلِ النفاقِ والخداعِ للهِ ولرسولِه.
كما حدَّثني المُثنى، قال: ثنا سويدُ بنُ نصرٍ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن
المُباركِ بن فَضالةَ، عن الحسنِ، قال: إن كان الرجلُ لقد جَمَعَ القرآن وما يشعُرُ به جارُه، وإن كان الرجلُ لقد فَقِهَ الفقهَ الكثيرَ وما يشعُرُ به الناسُ، وإن كان الرجلُ ليُصَلِّي الصلاةَ الطويلةَ في بيتِه، وعندَه الزَّوْرُ وما يَشْعرون به، ولقد أَدْرَكْنا أقوامًا ما كان على الأرضِ مِن عملٍ يَقْدِرون على أن يَعْمَلُوه في السرِّ فيكونَ علانيةً أبدًا، ولقد كان المسلمون يَجْتَهدون في الدعاءِ، وما يُسْمَعُ لهم صوتٌ، إن كان إلا هَمْسًا بينَهم وبينَ ربِّهم، وذلك أن الله يقولُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾.
يَجْتَهدون في الدعاءِ، وما يُسْمَعُ لهم صوتٌ، إن كان إلا هَمْسًا بينَهم وبينَ ربِّهم، وذلك أن الله يقولُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾. وذلك أن الله ذَكَرَ عبدًا صالحًا ورَضِيَ فعلَه، فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٢)﴾ [مريم: ٣].
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ الأحولِ، عن أبي عثمانَ النهديِّ، عن أبي موسى، قال: كان النبيُّ ﷺ في غَزاةٍ، فأشْرَفوا على وادٍ [فجعَل الناسُ] يُكَبِّرون ويُهَلِّلون ويَرْفَعون أصواتَهم، فقال: "أيُّها الناسُ ارْبَعُوا على أنفسِكم، إنكم لا تَدْعُون أَصَمَّ ولا غائِبًا، إنكم تَدْعُون سميعًا قريبًا، إنه معكم".
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾. قال: السِّرُّ.
وأما قولُه: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
ن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾. قال: السِّرُّ.
وأما قولُه: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. فإن معناه: إن ربَّكم لا يُحِبُّ مَن اعْتَدى، فتجاوزَ حَدَّه الذي حَدَّه لعبادِه، في دعائِه ومسألتِه ربَّه، ورَفْعِه صوتَه فوقَ الحدِّ الذي حَدَّ لهم في دعائِهم إياه ومسألتِهم، وفى غيرِ ذلك مِن الأمورِ.
كما حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا معتمرُ بنُ سليمانَ، قال: أنبأنا إسماعيلُ بنُ حمادِ بن أبي سليمانَ، عن عبادِ بن عبادِ بن علقمةَ، عن أبي مِجْلزٍ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾. قال: لا تسألْ منازلَ الأنبياءِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ الخراسانيِّ، عن ابن عباسٍ: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾: في الدعاءِ ولا في غيرِه. قال ابن جريجٍ: مِن الدعاءِ اعتداءٌ، يُكْرَهُ رفعُ الصوتِ، والنداءُ والصياحُ بالدعاءِ، ويُؤمَرُ بالتضرُّع والاستكانةِ.
﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥) وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾
أرشد [سبحانه و] تعالى عباده إلى دعائه، الذي هو صلاحهم في دنياهم وأخراهم، فقال تعالى:
(ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) [قيل] معناه: تذللا واستكانة، و (خُفْيَة) كما قال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ [تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ]﴾ [الأعراف: ٢٠٥] وفي الصحيحين، عن أبي موسى الأشعري [﵁] قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء، فقال رسول الله ﷺ: "أيها الناس، ارْبَعُوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إن الذي تدعونه سميع قريب" الحديث.
وقال ابن جُرَيْج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: (تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) قال: السر.
وقال ابن جرير: (تَضَرُّعًا) تذللا واستكانة لطاعته.
حديث.
وقال ابن جُرَيْج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: (تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) قال: السر.
وقال ابن جرير: (تَضَرُّعًا) تذللا واستكانة لطاعته. (وَخُفْيَة) يقول: بخشوع قلوبكم، وصحة اليقين بوحدانيته وربوبيته فيما بينكم وبينه، لا جهارا ومراءاة.
وقال عبد الله بن المبارك، عن المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: إنْ كانَ الرجل لقد جمع القرآن، وما يشعر به الناس. وإن كان الرجل لقد فقُه الفقه الكثير، وما يشعر به الناس. وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزُّوَّر وما يشعرون به. ولقد أدركنا أقوامًا ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر، فيكون علانية أبدا.
ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزُّوَّر وما يشعرون به. ولقد أدركنا أقوامًا ما كان على الأرض من عمل يقدرون أن يعملوه في السر، فيكون علانية أبدا. ولقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يُسمع لهم صوت، إن كان إلا همسا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله تعالى يقول: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً [إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ]) وذلك أن الله ذكر عبدًا صالحا رَضِي فعله فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ [مريم: ٣]
وقال ابن جُرَيْج: يكره رفع الصوت والنداء والصياحُ في الدعاء، ويؤمر بالتضرع والاستكانة، ثم روي عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس في قوله: (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) في الدعاء ولا في غيره.
وقال أبو مِجْلِز: (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) لا يسأل منازل الأنبياء.
عباس في قوله: (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) في الدعاء ولا في غيره.
وقال أبو مِجْلِز: (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) لا يسأل منازل الأنبياء.
وقال الإمام أحمد بن حنبل، ﵀: حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدِي، حدثنا شعبة، عن زياد بن مِخْراق، سمعت أبا نعامة عن مولى لسعد؛ أن سعدًا سمع ابنا له يدعو وهو يقول: اللهم، إني أسألك الجنة ونعيمها وإستبرقها ونحوا من هذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها. فقال: لقد سألت الله خيرًا كثيرًا، وتعوذت بالله من شر كثير، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء".
من النار وسلاسلها وأغلالها. فقال: لقد سألت الله خيرًا كثيرًا، وتعوذت بالله من شر كثير، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنه سيكون قوم يعتدون في الدعاء". وقرأ هذه الآية: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً [إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ])
وإن بحسبك أن تقول: "اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل"
ورواه أبو داود، من حديث شعبة، عن زياد بن مخراق، عن أبي نَعَامة، عن ابن لسعد، عن سعد، فذكره والله أعلم.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عفَّان، حدثنا حَمَّاد بن سلمة، أخبرنا الجريري، عن أبي نَعَامة: أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول: اللهم، إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها. فقال: يا بني، سل الله الجنة، وعذ به من النار؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يكون قوم يعتدون في الدعاء والطَّهُور".
وهكذا رواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عفان به.
الجنة، وعذ به من النار؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يكون قوم يعتدون في الدعاء والطَّهُور".
وهكذا رواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عفان به. وأخرجه أبو داود، عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن سعيد بن إياس الجريري، عن أبي نَعَامة -واسمه: قيس بن عباية الحنفي البصري -وهو إسناد حسن لا بأس به، والله أعلم.
وقوله تعالى: (وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا) ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض، وما أضره بعد الإصلاح! فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد، ثم وقع الإفساد بعد ذلك، كان أضر ما يكون على العباد.
هَا) ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض، وما أضره بعد الإصلاح! فإنه إذا كانت الأمور ماشية على السداد، ثم وقع الإفساد بعد ذلك، كان أضر ما يكون على العباد. فنهى [الله] تعالى عن ذلك، وأمر بعبادته ودعائه والتضرع إليه والتذلل لديه، فقال: (وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا) أي: خوفا مما عنده من وبيل العقاب، وطمعًا فيما عنده من جزيل الثواب.
ثم قال: (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) أي: إن رحمته مُرْصَدة للمحسنين، الذين يتبعون أوامره ويتركون زواجره، كما قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ [وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ]﴾ [الأعراف: ١٥٦، ١٥٧].
وقال: (قَرِيبٌ) ولم يقل: "قريبة"؛ لأنه ضمن الرحمة معنى الثواب، أو لأنها مضافة إلى الله، فلهذا قال: قريب من المحسنين.
الأُمِّيَّ]﴾ [الأعراف: ١٥٦، ١٥٧].
وقال: (قَرِيبٌ) ولم يقل: "قريبة"؛ لأنه ضمن الرحمة معنى الثواب، أو لأنها مضافة إلى الله، فلهذا قال: قريب من المحسنين.
وقال مطر الوراق: تَنَجَّزوا موعود الله بطاعته، فإنه قضى أن رحمته قريب من المحسنين، رواه ابن أبي حاتم.
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)﴾ ذكر في هذه الآية الكريمة: أن إبليس -لعنه الله- خلق من نار، وعلى القول بأن إبليس هو الجان الذي هو أبو الجن فقد زاد في مواضع أخر أوصافاً للنار التي خلقه منها. من ذلك أنها نار السموم، كما في قوله: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾ ومن ذلك أنها خصوص المارج، كما في قوله: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍٍ (١٥)﴾ والمارج أخص من مطلق النار؛ لأنه اللهب الذي لا دخان فيه. وسميت نار السموم: لأنها تنفذ في مسام البدن لشدة حرها.
وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ مرفوعاً "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما
وصف لكم" ورواه عنها أيضاً الإمام أحمد.
•