القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (٢٨) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٢٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: نحنُ خَلَقْنا هؤلاءِ المشركين باللهِ، المخالفين أمرَه ونهيَه، ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾: وشَدَدْنا خَلْقَهم، من قولِهم: قد أُسِر هذا الرجلُ فأُحْسِن أَسْرُه. أسره. بمعنى: قد خُلِق فأُحسِن خَلْقُه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾. يقولُ: شَدَدْنا خَلْقهم.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾.
ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ
قولَه: ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾. قال: خَلْقَهم.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾. وأَسْرَهم: خَلْقَهم.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه.
وقال آخرون: الأَسْرُ المفَاصِلُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: سمِعْتُه - يعني خلَّادًا - يقولُ: سمِعتُ أبا سعيدٍ، وكان قد قرَأ القرآنَ على أبي هريرةَ، قال: ما قرَأتُ القرآنَ إلا على أبي هريرةَ، هو أقْرَأني، وقال في هذه الآيةِ: ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾. قال: هي المَفاصِلُ.
وقال آخرون: بل هو القُوَّةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾.
مَفاصِلُ.
وقال آخرون: بل هو القُوَّةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾. قال: الأسرُ القُوَّةُ.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ القولُ الذي اخْتَرْناه، وذلك أَنَّ الأَسْرَ هو ما ذكرتُ عندَ العربِ، ومنه قولُ الأَخْطَلِ:
مِنْ كلِّ مُجْتَنَبٍ شديدٍ أَسْرُهُ … سَلِسِ القِيادِ تخالُهُ مُخْتالا
ومنه قولُ العامةِ: خُذْه بأَسْرِه. أي هو لك كلُّه.
وقولُه: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾. يقولُ: وإذا نحنُ شِئْنا أهلَكْنا هؤلاءِ وجِئْنا بآخرين سِواهم من جنسِهم، أمثالِهم مِن الخلقِ، مخالِفين لهم في العملِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾. قال: بنى آدمَ الذين خالَفوا طاعته. قال: وأمثالَهم من بني آدمَ.
وقولُه: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾.
دٍ في قولِه: ﴿بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾. قال: بنى آدمَ الذين خالَفوا طاعته. قال: وأمثالَهم من بني آدمَ.
وقولُه: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾. يقولُ: إِنَّ هذه السورةَ تذكرةٌ لمن تذكَّر واتَّعَظ واعْتَبَر.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾. قال: إنَّ هذه السورةَ تذكرةٌ.
وقولُه: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾. يقولُ: فمن شاء أيُّها الناسُ اتَّخَذ إلى رضا ربِّه بالعمل بطاعتِه، والانتهاءِ إلى أمرِه ونهيِه.
ْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلا قَلِيلا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا﴾ [المزمل: ١ - ٤].
ثم قال: منكرًا على الكفار ومن أشبههم في حُبّ الدنيا والإقبال عليها والانصباب إليها، وترك الدار الآخرة وراء ظهورهم: (إِنَّ هَؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلا) يعني: يوم القيامة.
ثم قال: (نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ) قال ابن عباس، ومجاهد، وغير واحد: يعني خَلْقَهم. (وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلا) أي: وإذا شئنا بعثناهم يوم القيامة، وبَدلناهم فأعدناهم خلقا جديدا.
﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ [النساء: ٣٩].
ثم قال: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) أي: لا يقدر أحد أن يَهدي نفسه، ولا يدخل في الإيمان ولا يجر لنفسه نفعًا، (إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) أي: عليم بمن يستحق الهداية فَيُيَسّرها له، ويقيض له أسبابها، ومن يستحق الغواية فيصرفه عن الهدى، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة؛ ولهذا قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا)
ثم قال: (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) أي: يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ومن يهده فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
[آخر سورة "الإنسان"] [والله أعلم]
تفسير سورة المرسلات
وهي مكية.
ًا أَلِيمًا) أي: يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ومن يهده فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
[آخر سورة "الإنسان"] [والله أعلم]
تفسير سورة المرسلات
وهي مكية.
قال البخاري: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، [حدثنا أبي]، حدثنا الأعمش، حدثني إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله -هو ابن مسعود-قال: بينما نحن مع النبي ﷺ، في غار بمنى، إذ نزلت عليه: " وَالْمُرْسَلاتِ "فإنه ليتلوها وإني لأتلقاها من فيه، وإن فاه لرطب بها، إذ وَثَبت علينا حَيَّة، فقال النبي ﷺ: "اقتلوها". فابتدرناها فذهبت، فقال النبي ﷺ: "وُقِيَتْ شركم كما وُقِيتُم شرّهَا".
وأخرجه مسلم أيضا، من طريق الأعمش.
وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عُيَيْنَة، عن الزّهْري، عن عُبَيد الله، عن ابن عباس، عن أمه: أنها سَمعَت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالمرسلات عُرفًا.
مش.
وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عُيَيْنَة، عن الزّهْري، عن عُبَيد الله، عن ابن عباس، عن أمه: أنها سَمعَت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالمرسلات عُرفًا.
وفي رواية مالك، عن الزهري، عن عُبَيد الله، عن ابن عباس: أن أم الفضل سمعته يقرأ: " وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا "، فقالت: يا بني، ذكَّرتني بقراءتك هذه السورة، أنها لآخر ما سمعتُ من رسولِ الله ﷺ يقرأ بها في المغرب.
أخرجاه في الصحيحين، من طريق مالك، به.
﷽