ذا الجبالُ نُسِفت من أصلِها، فكانت هباءً منبثًّا،
﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾. يقول تعالى ذكره: وإذا الرسلُ أُجِّلت للاجتماعِ لوقتِها يومَ القيامةِ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾. يقولُ: جُمِعت.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿أُقِّتَتْ﴾. قال: أُجِّلت.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، قال: قال مجاهدٌ: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾. قال: أُجِّلت.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، جميعًا عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾.
ت.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، جميعًا عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾. قال: أُوعِدت.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زِيدٍ في قوله: ﴿وَإِذَا
الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾. قال: أُقِّتت ليوم القيامةٍ. وقرأ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩]. قال: والأجلُ الميقاتُ. وقرأ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، وقرأ: ﴿إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠]. قال: إلى يومِ القيامةِ. قال: لهم أجَلٌ إلى ذلك اليومِ حتى يَبْلُغوه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ في قولِه: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾. قال: وُعِدت.
واختلَفت القرأةُ في قراءة ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ المدينةِ غيرَ أبي جعفرٍ، وعامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿أُقِّتَتْ﴾ بالألف وتشديدِ القافِ. [وقرأه بعضُ قرأةِ البصرةِ بالواوِ وتشديدِ القافِ]: (وُقِّتَت).
قرأةِ المدينةِ غيرَ أبي جعفرٍ، وعامةُ قرأةِ الكوفةِ: ﴿أُقِّتَتْ﴾ بالألف وتشديدِ القافِ. [وقرأه بعضُ قرأةِ البصرةِ بالواوِ وتشديدِ القافِ]: (وُقِّتَت). وقرَأه أبو جعفرٍ: (وُقِتَتْ) بالواوِ وتخفيفِ القافِ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يُقالَ: إن كلَّ ذلك قراءاتٌ معروفاتٌ، ولغاتٌ مشهوراتٌ، بمعنًى واحدٍ، فبأيتِها قرأ القارئُ فمصيبٌ، وإنما هو "فُعِّلت" من الوقتِ، غيرَ أن من العرب من يَسْتَثْقِلُ ضمةَ الواوِ، كما يَسْتَثْقِلُ كسرةَ الباءِ في أولِ الحرفِ، فيَهْمِزُها، فيقولُ: هذه أُجُوهٌ حسانٌ. بالهمزِ، ويُنْشِدُ بعضُهم:
يَحِلُّ أُحَيْدَه ويُقالُ بَعْلٌ … ومِثلُ تَموُّلٍ منه افتِقارٌ
وقولُه: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُعَجِّبًا عبادَه من هولِ ذلك اليومِ وشدتِه: لأيِّ يومٍ أُجِّلت الرسلُ فوُقِّتت؟ ما أعظمَه وأهولَه! ثم بيَّن ذلك وأيُّ يومٍ هو؟
ْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه مُعَجِّبًا عبادَه من هولِ ذلك اليومِ وشدتِه: لأيِّ يومٍ أُجِّلت الرسلُ فوُقِّتت؟ ما أعظمَه وأهولَه! ثم بيَّن ذلك وأيُّ يومٍ هو؟ فقال: ﴿أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾.
يقولُ: ليومٍ يَفْصِلُ اللهُ فِيه بينَ خلقِه القضاءَ، فيأخذُ للمظلومِ من الظالمِ، ويَجْزِى المحسن بإحسانِه، والمسيءَ بإساءتِه.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدُ، عن قتادةَ: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾: يومٍ يُفْصَلُ فيه بينَ الناسِ بأعمالهم؛ إلى الجنةِ وإلى النارِ.
وقولُه: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه لنبيِّه محمدٍ ﷺ: وأى شيءٍ أدراك يا محمدُ ما يومُ الفصلِ؟ مُعظِّمًا بذلك أمرَه وشدةَ هولِه.
كما حدَّثني بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾: تعظيمًا لذلك اليومِ.
وقولُه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾.
قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾: تعظيمًا لذلك اليومِ.
وقولُه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: الوادى الذي يَسيلُ في جهنمَ من صديدِ أهلِها: للمُكذِّبين بيوم الفصلِ [يومَ الفصلِ].
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ
لِلْمُكَذِّبِينَ﴾: ويلٌ واللهِ طويلٌ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (١٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٩)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ألم نُهْلِكِ الأممَ الماضين الذين كذَّبوا رُسُلى وجحَدوا آياتي، من قومِ نوحٍ وعادٍ وثمودَ،
ثم نُتبِعُهم الآخرِين بعدَهم ممن سلَك سبيلَهم في الكفرِ بي وبرسلى، كقومِ إبراهيمَ وقومِ لوطٍ وأصحابِ مدينَ، فنُهْلِكُهم كما أهلَكنا الأوَّلين قبلَهم،
﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾. يقولُ: كما أهلَكنا هؤلاء بكفرِهم بي وتكذيبِهم برسُلى، كذلك سُنتى في أمثالِهم من الأممِ الكافرةِ، فنُهْلِكُ المجرِمين بإجرامِهم إذا طَغَوا وبغَوا،
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾. يقولُ: ويلٌ يومئذٍ للمكذبين بأخبارِ اللهِ التي ذكَرها في هذه الآيةِ، الجاحدين قدرتَه جلَّ ثناؤُه على ما يشاءُ.
﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (١٤) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا زكريا بن سهل المروزي، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، أخبرنا الحسين بن واقد، حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيرة: (وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا) قال: الملائكة.
قال: ورُوي عن مسروق، وأبي الضحى، ومجاهد -في إحدى الروايات-والسّدي، والربيع بن أنس، مثلُ ذلك.
ورُويَ عن أبي صالح أنه قال: هي الرسل. وفي رواية عنه: أنها الملائكة.
عن مسروق، وأبي الضحى، ومجاهد -في إحدى الروايات-والسّدي، والربيع بن أنس، مثلُ ذلك.
ورُويَ عن أبي صالح أنه قال: هي الرسل. وفي رواية عنه: أنها الملائكة. وهكذا قال أبو صالح في " الْعَاصِفَاتِ" و " النَّاشِرَات " [و " الْفَارِقَاتِ "] و " الْمُلْقِيَاتِ": أنها الملائكة.
وقال الثوري، عن سلمة بن كُهَيل، عن مُسلم البَطين، عن أبي العُبَيدَين قال: سألت ابنَ مسعود عن (وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا) قال: الريح. وكذا قال في: (فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا* وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا) إنها الريح. وكذا قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وأبو صالح -في رواية عنه-وتوقف ابن جرير في (وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفًا) هل هي الملائكة إذا أرسلت بالعُرْف، أو كعُرْف الفَرَس يتبع بعضهم بعضا؟ أو: هي الرياح إذا هَبَّت شيئا فشيئا؟ وقطع بأن العاصفات عصفا هي الرياح، كما قاله ابن مسعود ومن تابعه. وممن قال ذلك في العاصفات أيضا: علي بن أبي طالب، والسدي، وتوقف في (وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا) هل هي الملائكة أو الريح؟ كما تقدم.
له ابن مسعود ومن تابعه. وممن قال ذلك في العاصفات أيضا: علي بن أبي طالب، والسدي، وتوقف في (وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا) هل هي الملائكة أو الريح؟ كما تقدم. وعن أبي صالح: أن الناشرات نشرا: المطر.
والأظهر أن: "الْمُرْسَلات" هي الرياح، كما قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] وهكذا العاصفات هي: الرياح، يقال: عصفت الريح إذا هَبَّت بتصويت، وكذا الناشرات هي: الرياح التي تنشر السحاب في آفاق السماء، كما يشاء الرب ﷿.
وقوله: (فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا * فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرًا) يعني: الملائكة قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومسروق، ومجاهد، وقتادة، والربيع بن أنس، والسّدي، والثوري.
فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا * عُذْرًا أَوْ نُذْرًا) يعني: الملائكة قاله ابن مسعود، وابن عباس، ومسروق، ومجاهد، وقتادة، والربيع بن أنس، والسّدي، والثوري. ولا خلاف هاهنا؛ فإنها تنزل بأمر الله على الرسل، تفرق بين الحق والباطل، والهدى والغيّ، والحلال والحرام، وتلقي إلى الرسل وحيا فيه إعذار إلى الخلق، وإنذارٌ لهم عقابَ الله إن خالفوا أمره.
وقوله: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ) هذا هو المقسم عليه بهذه الأقسام، أي: ما وعدتم به من قيام الساعة، والنفخ في الصور، وبعث الأجساد وجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، ومجازاة كل عامل بعمله، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، إن هذا كله (لَوَاقِع) أي: لكائن لا محالة.
ثم قال: (فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ) أي: ذهب ضوؤها، كقوله: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ٢] وكقوله: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ [الانفطار: ٢].
(وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ) أي: انفطرت وانشقت، وتدلت أرجاؤها، وَوَهَت أطرافها.
جِّلَتْ * لِيَوْمِ الْفَصْلِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) يقول تعالى: لأي يوم أجلت الرسل وأرجئ أمرها؟ حتى تقوم الساعة، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ * يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [إبراهيم: ٤٧، ٤٨] وهو يوم الفصل، كما قال (لِيَوْمِ الْفَصْلِ)
ثم قال معظما لشأنه: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) أي: ويل لهم من عذاب الله غدا. وقد قدمنا في الحديث أن "ويل": واد في جهنم. ولا يصح.