: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾. يقولُ: لا تَسْمَعُ هذه الوجوهُ: المعنى: لأهلِها فيها؛ في الجنةِ العاليةِ - لاغيةً. يعنى باللَّاغيةِ: كلمةَ لَغْوٍ. واللَّغْوُ: الباطلُ، فقيل للكلمةِ التي هي لَغْوٌ: لاغيةٌ. كما قيل لصاحبِ الدرعِ: دارعٌ. ولصاحبِ الفرسِ: فارسٌ، ولقائلِ الشعرِ: شاعرٌ. وكما قال الحُطيئةُ:
أَغْرَرْتَنِي وزَعَمْتَ أَنَّـ … كَ لابِنٌ بالصَّيْفِ تَامِرْ
يعني: صاحبُ لبنٍ، وصاحبُ تمرٍ. وزعَم بعضُ نحويِّي الكوفيِّين أنَّ معنى ذلك: لا يُسمَعُ فيها حالفةٌ على الكذبِ. ولذلك قيل: لاغيةٌ. ولهذا الذي قاله مذهبٌ ووجْهٌ، لولا أنَّ أهلَ التأويلِ مِن الصحابةِ والتابعين على خلافِه، وغيرُ جائزٍ لأحدٍ خلافُهم فيما كانوا عليه مُجْمِعين.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن
أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾.
يلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن
أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾. يقولُ: لا تسمعُ أَذًى ولا باطلًا.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾. قال: شَتْمًا.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾: لا تسمعُ فيها باطلًا، ولا شاتمًا.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأته عامةُ قرأةِ الكوفةِ، وبعضُ قرأةِ المدينةِ وهو أبو جعفرٍ: ﴿لَا تَسْمَعُ﴾ بفتحِ التاءِ، بمعنى: لا تسمعُ الوجوهُ. وقرَأ ذلك ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وأبو عمرٍو: (لا تُسْمَعُ) بضمِّ التاءِ، بمعنى ما لم يُسمَّ فاعلُه؛ ويُؤنَّثُ (تُسْمَعُ) لتأنيثِ (لاغيةٌ).
تسمعُ الوجوهُ. وقرَأ ذلك ابنُ كثيرٍ ونافعٌ وأبو عمرٍو: (لا تُسْمَعُ) بضمِّ التاءِ، بمعنى ما لم يُسمَّ فاعلُه؛ ويُؤنَّثُ (تُسْمَعُ) لتأنيثِ (لاغيةٌ). وقرَأ ابنُ مُحيصنٍ بالضمِّ أيضًا، غيرَ أنه كان يقرَؤها بالياءِ، على وجْهِ التذكيرِ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أنَّ كلَّ ذلك قراءاتٌ معروفاتٌ صحيحاتُ المعانى، فبأيِّ ذلك قرَأ القارئُ فمصيبٌ.
قولُه: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾. يقولُ: في الجنةِ العاليةِ عينٌ جاريةٌ في غيرِ أُخْدودٍ.
وقولُه: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾. والسُّرُرُ: جمعُ سرِيرٍ، مرفوعةٌ ليَرَى المؤمنُ إذا جلَس عليها جميعَ ما خوَّله ربُّه من النعيمِ والمُلكِ فيها، ويَلْحَقُ جميعَ ذلك بصرُه.
وقيل: عُنِى بقولِه: ﴿مَرْفُوعَةٌ﴾: مَوْضونةٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾.
ٌ﴾: مَوْضونةٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾. يعني: موضونةٌ، كقولِه: ﴿سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: ٢٠]: بعضُها فوقَ بعضٍ.
وقولُه: ﴿وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ﴾. وهى جمعُ كُوبٍ، وهى الأباريقُ التي لا آذانَ لها، وقد بيَّنا ذلك فيما مضَى وذكَرْنا ما فيه مِن الروايةِ، بما أَغْنى عن إعادتِه.
وعُنى بقوله: ﴿مَوْضُوعَةٌ﴾: أنها موضوعةٌ على حافَةِ العينِ الجاريةِ، كلما أراد الشُّرْبَ وجَدها ملْأَى مِن الشَّرابِ.
وقولُه: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾. يعني بالنَّمارقِ الوسائدَ والمرافقَ، واحدُها
نُمْرُقةٌ، بضمِّ النونِ. وقد حُكِى عن بعضِ كلبٍ سماعًا نِمْرِقةٌ، بكسرِ النونِ والراءِ. وقيل: ﴿مَصْفُوفَةٌ﴾. لأنَّ بعضَها بجنبِ بعضٍ.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾. يقولُ: المرافقُ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾. يعنى بالنَّمَارِقِ المجالسَ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾: والنمارقُ: الوسائدُ.
وقولُه: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وفيها طَنافسُ وبُسُطٌ كثيرةٌ مبثوثةٌ مفروشةٌ.
﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾: والنمارقُ: الوسائدُ.
وقولُه: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وفيها طَنافسُ وبُسُطٌ كثيرةٌ مبثوثةٌ مفروشةٌ. والواحدةُ: زَرْبِيَّةٌ، وهى الطِّنْفِسَةُ التي لها خَمْلٌ رقيقٌ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أحمدُ بنُ منصورٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: [ثنا سفيان]، قال: ثنا توبةُ
العنبريُّ، عن عكرمةَ بن خالدٍ، عن عبدِ اللهِ بن عمارٍ، قال: رأيتُ عمرَ بنَ الخطابِ يصلِّى على عَبْقَرِيٍّ، وهو الزرابيُّ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾: المبسوطةُ
[الطور: ٢٣] وقال: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٥، ٢٦]
(فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ) أي: سارحة. وهذه نكرة في سياق الإثبات، وليس المراد بها عينا واحدة، وإنما هذا جنس، يعني: فيها عيون جاريات.
وقال ابن أبي حاتم: قُرئ على الربيع بن سليمان: حدثنا أسد بن موسى، حدثنا ابن ثوبان، عن عطاء بن قُرَّة، عن عبد الله بن ضَمْرة، عن أبي هُرَيرة قال: قال النبي ﷺ: "أنهار الجنة تفجر من تحت تلال-أو: من تحت جبال-المسك".
(فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ) أي: عالية ناعمة كثيرة الفرش، مرتفعة السَّمْك، عليها الحور العين. قالوا: فإذا أراد وَليُّ الله أن يجلس على تلك السرر العالية تواضعت له، (وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ) يعني: أواني الشرب معدة مُرصدة لمن أرادها من أربابها، (وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ) قال ابن عباس: النمارق: الوسائد. وكذا قال عكرمة، وقتادة، والضحاك، والسدي، والثوري، وغيرهم.
وقوله: (وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ) قال ابن عباس: الزرابي: البسط.
ابن عباس: النمارق: الوسائد. وكذا قال عكرمة، وقتادة، والضحاك، والسدي، والثوري، وغيرهم.
وقوله: (وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ) قال ابن عباس: الزرابي: البسط. وكذا قال الضحاك، وغير واحد.
ومعنى مبثوثة، أي: هاهنا وهاهنا لمن أراد الجلوس عليها.
ونذكر هاهنا هذا الحديث الذي رواه أبو بكر بن أبي داود: حدثنا عمرو بن عثمان حدثنا أبي، عن محمد بن مهاجر، عن الضحاك المعافري عن سليمان بن موسى: حدثني كُرَيْب أنه سمع أسامة بن زيد يقول: قال رسول الله ﷺ: "ألا هل من مُشَمَّر للجنة، فإن الجنة لا خَطَر لها، هي ورب الكعبة نور يتلألأ وريحانة تهتز، وقصر مشيد، ونهر مطرد، وثمرة نضيجة وزوجة حسناء جميلة، وحُلَل كثيرة، ومقام في أبد في دارٍ سليمة، وفاكهة وخضرة، وحبرة ونعمة، في محلة عالية بهية؟ ". قالوا: نعم يا رسول الله، نحن المشمرون لها. قال: " قولوا: إن شاء الله". قال القوم: إن شاء الله.
ورواه ابن ماجه عن العباس بن عثمان الدمشقي، عن الوليد بن مسلم عن محمد بن مهاجر به.