القولُ في تأويل قولِه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين لا يَرْجون لقاءَنا يومَ القيامةِ، فهم لذلك مُكَذِّبون بالثوابِ والعقابِ، مُتَنافِسون فى زِيَنِ الدنيا وزَخارفِها، راضُون بها عوضًا مِن الآخرةِ، مُطْمَئِنِّين إليها ساكِنينِ، الَّذِينَ هم عن آياتِ اللهِ، وهى أدلتُه على وَحْدانيتِه، وحُجَجِه على عبادِه، في إخلاصِ العبادةِ له - ﴿غَافِلُونَ﴾ مُعْرِضون عنها لاهُون، لا يَتَأمَّلونها تأمُّلَ ناصحٍ لنفسِه، فيَعْلَموا بها حقيقة ما دَلَّتْهم عليه، ويَعْرِفوا بها بُطُولَ ما هم عليه مُقِيمُون،
﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: هؤلاء الذين هذه صفتُهم، ﴿مَأْوَاهُمُ﴾.
لَّتْهم عليه، ويَعْرِفوا بها بُطُولَ ما هم عليه مُقِيمُون،
﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾. يقولُ جلّ ثناؤُه: هؤلاء الذين هذه صفتُهم، ﴿مَأْوَاهُمُ﴾. مصيرُهم إلى النارِ؛ نارِ جهنمَ في الآخرة؛ ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فى الدنيا من الآثامِ والأجْرامِ، ويَجْتَرِحون من السيئاتِ
والعربُ تقولُ: فلانٌ لا يَرْجو فلانًا. إذا كان لا يَخافُه. ومنه قولُ اللَّهِ جلّ ثناؤُه: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]. ومنه قولُ أبي ذُؤيبٍ:
إذا لَسَعَتْه النَّحْلُ لم يَرْجُ لَسْعَها … وخالَفَها فى بيتِ نُوبٍ عَوَامِلِ
وبنحو ما قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾.
قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾. قال: هو قولُه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ [هود: ١٥].
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، [وحدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ] في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾.
ٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ] في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾. قال: هو مثلُ قولِه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾. قال: إذا شئتَ رأيتَه صاحبَ دُنيا، لها يَفْرَحُ، ولها يَحْزَنُ، ولها يَرْضَى، ولها يَسْخَطُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ الآية كلّها. قال: هؤلاء أهلُ الكفر.
﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨)﴾
يقول الله تعالى مخبرًا عن حال الأشقياء الذين كفروا بلقاء الله يوم القيامة ولا يرجون في لقاء الله شيئا، ورضوا بهذه الحياة الدنيا واطمأنت إليها أنفسهم.
قال الحسن: والله ما زينوها ولا رفعوها، حتى رضوا بها وهم غافلون عن آيات الله الكونية فلا يتفكرون فيها، والشرعية فلا يأتمرون بها، بأن مأواهم يوم معادهم النار، جزاء على ما كانوا يكسبون في دنياهم من الآثام والخطايا والإجرام، مع ما هم فيه من الكفر بالله ورسوله واليوم الآخر.