القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤه وتقدَّست أسماؤُه: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكره: ألهاكم أيها الناسُ المباهاة بكثرة المالِ والعددِ عن طاعةِ ربِّكم، وعما يُنجيكم من سخطِه عليكم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾. قال: كانوا يقولون: نحن أكثر من بنى فلان، ونحن [أَعَدُّ من] بنى فلانٍ. وهم كلَّ يومٍ يتساقطون إلى آخرهم، والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلُّهم.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾.
رهم، والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلُّهم.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾. قالوا: نحن أكثر من بنى فلانٍ، وبنو فلان أكثر من بنى فلانٍ.
ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالًا.
وروى عن النبي ﷺ كلام يدلُّ على أن معناه التكاثرُ بالمالِ.
ذكرُ الخبر بذلك
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن هشام الدَّستوائيِّ، عن قتادةَ، عن مطرفِ بن عبدِ اللَّهِ بن الشَّخِّيرِ، عن أبيه، أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو يقرأُ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾. قال: "ابن آدمَ، ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنَيت، أو لبِستَ فأبلَيت، أو تصدَّقت فأمضَيتَ".
حدَّثنا محمد بن خلفٍ العسقلانيُّ، قال: ثنا آدم، قال: ثنا حماد بن سلمةَ، عن ثابت البنانيِّ، عن أنس بن مالك، عن أبى بن كعب، قال: كنا نرى أن هذا الحديث من القرآن: "لو أن لابنِ آدم واديين من مال، لتمنى واديا ثالثًا، ولا يملأُ جوفَ ابن آدم إلا الترابُ، ثم يتوبُ الله على من تاب".
: كنا نرى أن هذا الحديث من القرآن: "لو أن لابنِ آدم واديين من مال، لتمنى واديا ثالثًا، ولا يملأُ جوفَ ابن آدم إلا الترابُ، ثم يتوبُ الله على من تاب". حتى نزلت هذه السورة: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ إلى آخرها.
وقوله ﷺ بعَقِبِ قراءتِه: ﴿أَلْهَاكُمُ﴾: "ليس لك من مالك إلا كذا وكذا" ينبئُ أن معنى ذلك عندَه: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾: المالُ.
وقوله: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾. يعنى: حتى صرتم إلى المقابر فدفنتم فيها. وفي هذا دليلٌ على صحة القول بعذاب القبرِ؛ لأن الله تعالى ذكره أخبر عن هؤلاء القوم الذين ألهاهم التكاثر، أنهم سيعلمون ما يلقون إذا هم زاروا القبور؛ وعيدًا منه لهم وتهدُّدًا.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، عن قيسٍ، عن حجاجٍ، عن المنهال، عن زرٍّ، عن عليٍّ، قال: كنا نشكُّ في عذاب القبر حتى نزلت هذه الآية: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ إلى ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٢)﴾؛ في عذابِ القبرِ.
زرٍّ، عن عليٍّ، قال: كنا نشكُّ في عذاب القبر حتى نزلت هذه الآية: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ إلى ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٢)﴾؛ في عذابِ القبرِ.
حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامُ بنُ سَلْم، عن عنبسةَ، عن ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن زرٍّ، عن عليٍّ، قال: نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ في عذابِ القبرِ.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حَكام، عن عمرو، عن الحجاج، عن المنهال بن عمرٍو، عن زِرٍّ، عن عليٍّ، قال: ما زلنا نشكُّ في عذاب القبر حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾.
وقوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣)﴾. يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿كَلَّا﴾: ما
هكذا ينبغي أن تفعلوا؛ أن يُلهِيَكم التكاثر.
وقوله: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣)﴾. يقول جل ثناؤه: سوف تعلمون إذا زرتم المقابر، أيُّها الذين ألهاهم التكاثرُ، غِب فعلكم واشتغالكم بالتكاثر في الدنيا عن طاعةِ ربكم.
وقوله: ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾.
ن إذا زرتم المقابر، أيُّها الذين ألهاهم التكاثرُ، غِب فعلكم واشتغالكم بالتكاثر في الدنيا عن طاعةِ ربكم.
وقوله: ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾. يقولُ: ثم ما هكذا ينبغي أن تفعلوا؛ أن يُلهِيّكم التكاثر بالأموال، وكثرة العددِ، سوف تعلمون إذا زرتم المقابر ما تلقون - إذا أنتم زرتموها - من مكروه اشتغالكم عن طاعة ربكم بالتكاثر.
وكرَّر قوله: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾. مرتين؛ لأن العرب إذا أرادت التغليظَ في التخويف والتهديد، كرَّروا الكلمة مرتين.
وروى عن الضحاك في ذلك ما حدثنا به ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن أبى سنانٍ، عن ثابتٍ، عن الضحاكِ: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾. قال: الكفارُ، ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾. قال: المؤمنون. وكذلك كان يقرؤها.
وقوله: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥)﴾.
َ (٤)﴾. قال: الكفارُ، ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾. قال: المؤمنون. وكذلك كان يقرؤها.
وقوله: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥)﴾. يقول تعالى ذكره: ما هكذا ينبغى أن تفعلوا؛ أن يُلهيكم التكاثرُ أَيُّها الناسُ، لو تعلمون أيُّها الناسُ علمًا يقينًا أن اللَّهَ باعثكم يومَ القيامةِ من بعد مماتكم من قبوركم، ما ألهاكم التكاثر عن طاعةِ اللهِ ربِّكم، ولسارعتم إلى عبادته، والانتهاء إلى أمره ونهيه ورفض الدنيا؛ إشفاقًا على أنفسكم من عقوبته.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥)﴾: كنا نحدَّثُ أن علم اليقين أن يعلم أنَّ الله باعثُه بعد الموتِ.
ل: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادةَ: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥)﴾: كنا نحدَّثُ أن علم اليقين أن يعلم أنَّ الله باعثُه بعد الموتِ.
وقوله: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦)﴾؛ اختلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامة قرأةِ الأمصار: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦)﴾ بفتحِ التاء من: ﴿لَتَرَوُنَّ﴾ في الحرفين كليهما، وقرأ ذلك الكسائى بضم التاء من الأولى، وفتحها من الثانية.
والصواب عندنا في ذلك الفتحُ فيهما كِلَيهما؛ لإجماعِ الحجة عليه. وإذ كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: لتَرَوُنَّ أَيُّها المشركون جهنم يومَ القيامة، ثم لتَرَوُنَّها عِيانًا لا تغيبون عنها.
حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧)﴾: يعنى أهل الشرك.
وقوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾.
عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧)﴾: يعنى أهل الشرك.
وقوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾. يقولُ: ثم ليسأَلَنَّكم اللهُ ﷿ عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا؛ ماذا عملتم فيه، من أينَ وصلتم إليه، وفيم أصبتموه، وماذا عملتم به؟
واختلف أهل التأويلِ في ذلك النعيم ما هو؟ فقال بعضُهم: هو الأمنُ
والصحةُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عبادُ بن يعقوبَ، قال: ثنا محمد بن سليمانَ، عن ابن أبي ليلى، عن الشعبيِّ، عن ابن مسعود في قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾. قال: الأمن والصحةُ.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا حفص، عن ابن أبي ليلى، عن الشعبي، عن عبدِ اللَّهِ مثله.
حدثني على بن سعيد الكندى، قال: ثنا محمد بن مروان، عن ليث، عن مجاهدٍ: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾. قال: الأمن والصحة.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، قال: بلغني في قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾.
(٨)﴾. قال: الأمن والصحة.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، قال: بلغني في قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾. قال: الأمنُ والصحةُ.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهرانُ، عن إسماعيلَ بن عياش، عن عبد العزيز بن عبد الله، قال: سمعتُ الشعبيَّ يقولُ: النعيم المسئول عنه يوم القيامة: الأمنُ والصحة.
قال: ثنا مهران، عن خالد الزياتِ، عن ابن أبي ليلى، عن عامرٍ الشعبيِّ، عن
ابن مسعودٍ مثله.
قال: ثنا مهران، عن سفيان: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾. قال: الأمن والصحة.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم لَيُستَلُنَّ يومَئِذٍ عما أنعم الله به عليهم؛ مما وهب لهم من السمع والبصر وصحة البدن.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾. قال: النعيم صحة الأبدانِ والأسماع والأبصار.
لح، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾. قال: النعيم صحة الأبدانِ والأسماع والأبصار. قال: يسأل الله العباد فيم استعملوها، وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦].
حدثني إسماعيل بن موسى الفزاريُّ، قال: أخبرنا عمر بن شاكرٍ، عن الحسنِ، قال: كان يقولُ في قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾. قال: السمعُ والبصر وصحة البدنِ.
وقال آخرون: هو العافية.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني عبادُ بنُ يعقوبَ، قال: ثنا نوحُ بنُ درَّاجٍ، عن سعد بن طريفٍ، عن أبى
جعفرٍ: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾.
ُ مَن قال ذلك
حدثني عبادُ بنُ يعقوبَ، قال: ثنا نوحُ بنُ درَّاجٍ، عن سعد بن طريفٍ، عن أبى
جعفرٍ: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾. قال: العافيةُ.
وقال آخرون: بل عُنِى بذلك بعضُ ما يَطعمه الإنسانُ أو يشربُه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن بُكيرِ بن عتيقٍ، قال: رأيتُ سعيد بن جبير أُتِىَ بشربة عسلٍ، فشربها وقال: هذا النعيم الذي تُسْألون عنه.
حدثني على بن سهلٍ الرمليُّ، قال: ثنا الحسن بن بلال، قال: ثنا حماد بنُ سلمةَ، عن عَمَّارٍ بن أبي عمار، قال: سمعت جابر بن عبدِ اللَّهِ يقولُ: أتانا النبي ﷺ وأبو بكرٍ وعمر ﵄، فأطعمناهم رطبا، وسقيناهم ماءً، فقال رسول الله ﷺ: "هذا من النعيم الذي تُسألون عنه".
حدثنا جابر بن الكُرْدى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارون، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، قال: سمعت جابر بن عبدِ اللَّهِ يقولُ: أَتانا النبي ﷺ.
.
حدثنا جابر بن الكُرْدى، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارون، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، قال: سمعت جابر بن عبدِ اللَّهِ يقولُ: أَتانا النبي ﷺ. فذكر نحوه.
حدثني الحسين بن عليٍّ الصدائيُّ، قال: ثنا الوليد بن القاسم، عن يزيد بن
كيسانَ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرة، قال: بينَما أبو بكر وعمر ﵄ جالسان، إذ جاء النبي ﷺ، فقال: "ما أجلَسكما هاهنا؟ ". [قالا: الجوع].
قال: "والذي بَعثني بالحقِّ، ما أخرجنى غيرُه". فانطلقوا حتى أتَوا بيت رجلٍ من الأنصارِ، فاستقبلتهم المرأةُ، فقال لها النبي ﷺ: "أينَ فلانٌ؟ ". فقالت: ذهَب يستعذبُ لنا ماءً. فجاء صاحبهم يحملُ قربته، فقال: مرحبا، ما زار العباد شيءٌ أفضلُ من شيءٍ زارني اليوم. فعلَّق قربته بكرب نخلةٍ، وانطلق فجاءهم بعذقٍ، فقال النبي ﷺ: "ألا كنتَ اجتَنَيْتَ؟ ". فقال: أحببتُ أن تكونوا الذين تختارون على أعينِكم. ثم أخذ الشَّفرةَ، فقال النبي ﷺ: "إياكَ والحَلُوبَ".
م بعذقٍ، فقال النبي ﷺ: "ألا كنتَ اجتَنَيْتَ؟ ". فقال: أحببتُ أن تكونوا الذين تختارون على أعينِكم. ثم أخذ الشَّفرةَ، فقال النبي ﷺ: "إياكَ والحَلُوبَ". فذبَح لهم يومئذٍ فأكَلوا، فقال النبي ﷺ: "لتُسْألُنَّ عن هذا يوم القيامةِ، أخرَجكم من بيوتكم الجوعُ، فلم ترجِعوا حتى أصَبْتُم هذا، فهذا من النعيم".
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا يحيى بن أبى بكيرٍ، قال: ثنا شيبانُ بنُ عبد الرحمن، عن عبد الملكِ بن عُمَيرٍ، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ لأبي بكر وعمر: "انطَلِقوا بنا إلى أبى الهيثم بن التَّيِّهانِ الأنصاريِ". فأتَوه، فانطلق بهم إلى ظلِّ حديقته، فبسط لهم بساطًا، ثم انطلق إلى نخلة، فجاء بقِنْوٍ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "فهَلا تنقَّيتَ لنا من رُطَبِه؟ ". فقال: أردتُ أن تَخَيَّروا من رطبه ويُسره.
ه، فبسط لهم بساطًا، ثم انطلق إلى نخلة، فجاء بقِنْوٍ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "فهَلا تنقَّيتَ لنا من رُطَبِه؟ ". فقال: أردتُ أن تَخَيَّروا من رطبه ويُسره. فأكلوا وشربوا من الماء، فلما فرَغ رسول الله ﷺ، قال: "هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي أنتم فيه مسئولون عنه يوم القيامة، هذا الظلُّ
الباردُ، والرُّطَبُ البارد، عليه الماءُ الباردُ".
حدثني صالح بن مسمار المروزى، قال: ثنا آدم بن أبي إياس، قال: ثنا شيبان، قال: ثنا عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرحمن، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ بنحوه، إلا أنه قال في حديثه: "ظلٌ باردٌ، ورُطَبٌ باردٌ، وماء بارد".
حدثنا على بن عيسى البزازُ، قال: ثنا سعيد بن سليمانَ، عن حَشْرَجِ بن نباتة، قال: ثنا أبو نُصيرة، عن أبي عَسِيبٍ مولى رسول الله ﷺ، قال: مرَّ النبي ﷺ، [ليلًا، فدعانى فخَرَجْتُ إليه، ثم مرَّ بأبى بكرٍ فدعاه فخرج إليه، ثم مرَّ بعمر، ثم انطلق رسول الله ﷺ] حتى دخل حائطًا لبعض الأنصار، فقال لصاحب الحائط: "أطعمنا بسْرًا".
َرَجْتُ إليه، ثم مرَّ بأبى بكرٍ فدعاه فخرج إليه، ثم مرَّ بعمر، ثم انطلق رسول الله ﷺ] حتى دخل حائطًا لبعض الأنصار، فقال لصاحب الحائط: "أطعمنا بسْرًا". فجاءه بعذقٍ فوضَعه، فأكل رسول الله ﷺ وأصحابه، ثم دعا بماء باردٍ فشرب، فقال: "لتُسْأَلُنَّ عن هذا يومَ القيامةِ". فَأَخَذ عمرُ العِذْقَ، فضرب به الأرض حتى تناثر البسرُ، ثم قال: يا رسولَ اللهِ، إنا لمسئولون عن هذا؟ قال: "نعم، إلا من كِسْرَةٍ يسُدُّ بها جوعَه، أو جُحرٍ يدخلُ فيه من الحرِّ والقرِّ".
حدَّثني سعيدُ بن عمرو السكونيُّ، قال: ثنا بقيةُ، عن حَشْرَج بن نباتة، قال: حدثني أبو نصيرة، عن أبي عسيبٍ مولى النبيِّ ﷺ، قال: مرَّ بي النبيُّ ﷺ، فدعاني فخرجتُ ومعه أبو بكرٍ وعمرُ ﵄، فدخل حائطا لبعض الأنصار، فأُتى ببسْرِ عِذْقٍ منه، فوُضع بين يديه، فأكل هو وأصحابه، ثم دعا بماءٍ بارد، فشرب، ثم قال: "لتُسْأَلُنَّ عن هذا يوم القيامة". فقال عمرُ: عن هذا يومَ القيامةِ؟
ْرِ عِذْقٍ منه، فوُضع بين يديه، فأكل هو وأصحابه، ثم دعا بماءٍ بارد، فشرب، ثم قال: "لتُسْأَلُنَّ عن هذا يوم القيامة". فقال عمرُ: عن هذا يومَ القيامةِ؟ فقال: "نعم، إلا من ثلاثةٍ؛ خِرْقةٍ كَفَّ بها عورته، أو كسْرةٍ سَدَّ بها جوْعته، أو جُحرٍ يدخلُ فيه من الحَرَّ والقُرِّ".
حدَثني يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن الجُرَيريِّ، عن أبي نصيرةَ، قال: أكَل رسول الله ﷺ وناسٌ من أصحابه أكلةً من خبزِ شعيرٍ لم يُنْخَلْ، بلحمٍ سَمينٍ، ثم شرِبوا من جدولٍ، فقال: " [هذه أكلةٌ] من النعيمِ تُسألون عنها يومَ القيامة".
حدَّثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا محمد بن عمرٍو، عن صفوانَ بن سليم، عن محمود بن لبيدٍ، قال: لما نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾. فقرأها حتى بلغ: ﴿لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَيذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾. قالوا: يا رسول الله، عن أيِّ النعيم نُسألُ، وإنما هو الأسودان الماء والتمرُ، وسيوفنا على عواتِقنا، والعدوُّ حاضرٌ؟
َلُنَّ يَوْمَيذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾. قالوا: يا رسول الله، عن أيِّ النعيم نُسألُ، وإنما هو الأسودان الماء والتمرُ، وسيوفنا على عواتِقنا، والعدوُّ حاضرٌ؟ قال: "إن ذلك سيكونُ".
حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ والحسينُ بنُ عليٍّ الصُّدَائيُّ، قالا: ثنا شَبَابَةُ بنُ سَوَّارٍ، قال: ثنى عبدُ الله بن العلاء أبو زبرٍ الشاميُّ، قال: ثنا الضحاك بنُ عَرْزَمٍ، قال: سمعت أبا هريرة يقولُ: قال رسول الله ﷺ: "إن أول ما يُسْأَلُ عنه العبد يومَ القيامةِ من النعيم أن يقال له: ألم نُصِحَّ لك جسْمَك، وتُرْوَ من الماء البارِدِ؟
أبا هريرة يقولُ: قال رسول الله ﷺ: "إن أول ما يُسْأَلُ عنه العبد يومَ القيامةِ من النعيم أن يقال له: ألم نُصِحَّ لك جسْمَك، وتُرْوَ من الماء البارِدِ؟ ".
حدثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ عليةَ، قال: ثنا ليثٌ، عن مجاهد، قال: قال أبو معمرٍ عبد اللهِ بن سخبرةَ: ما أصبح أحدٌ بالكوفة إلا ناعمًا؛ إن أَهْوَنَهم عيشًا الذي يأكل خبز البرِّ، ويشربُ ماءَ الفراتِ، ويستظِلُّ من الظلِّ، وذلك من النعيمِ.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن إسماعيلَ بن عياشٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن الحارث التميميِّ، عن ثابت البناني، عن النبي ﷺ، قال: "النعيم المسئول عنه يومَ القيامةِ: كِسْرَةٌ تُقَوِّيه، وماءٌ يُرويه، وثوبٌ يُوَارِيهِ".
قال: ثنا مهران، عن إسماعيل بن عياشٍ، عن بشرِ بن عبدِ اللهِ بن يَسَارٍ، قال: سمعتُ بعض أهل يمن يقولُ: سمعت أبا أُمامةَ يقولُ: النعيم المسئول عنه يومَ القيامة: خبز البرِّ، والماءُ العذبُ.
، عن بشرِ بن عبدِ اللهِ بن يَسَارٍ، قال: سمعتُ بعض أهل يمن يقولُ: سمعت أبا أُمامةَ يقولُ: النعيم المسئول عنه يومَ القيامة: خبز البرِّ، والماءُ العذبُ.
قال: ثنا مهرانُ، عن سفيان، عن بكير بن عتيقٍ العامري، قال: أُتي سعيد بن جبير بشربة عسل، فقال: أما إن هذا من النعيم الذي نُسأل عنه يومَ القيامةِ؛ ﴿ثُمَّ لتُسْئَلُنَّ يَوْمَيذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾.
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيع، عن سفيان، عن بكير بن عتيق، عن سعيد بن جبير، أنه أتى بشربة عسل، فقال: هذا من النعيم الذي تُسألون عنه.
وقال آخرون: ذلك كلُّ ما التذَّه الإنسان في الدنيا من شيءٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قولِ اللَّهِ: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾.
، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قولِ اللَّهِ: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾. قال: عن كل شيء من لذة الدنيا.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْلُنَّ يَوْمَيذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾: إن الله ﷿ سائل كل عبد عما استَوْدَعه من نِعْمتِه وحقِّه.
حدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَتُسْلُنَّ
يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾. قال: إن الله تعالى ذكرُه سائلٌ كلَّ ذى نعمةٍ فيما أنعَم عليه.
وكان الحسن وقتادة يقولان: ثلاثٌ لا يُسْألُ عنهن ابن آدم، وما خلاهن فيه المسألة والحساب، إلا ما شاء الله؛ كسوةٌ يوارى بها سَوْءَتَه، وكسرةٌ يشدُّ بها صلبه، وبيتٌ يُظلُّه.
قولان: ثلاثٌ لا يُسْألُ عنهن ابن آدم، وما خلاهن فيه المسألة والحساب، إلا ما شاء الله؛ كسوةٌ يوارى بها سَوْءَتَه، وكسرةٌ يشدُّ بها صلبه، وبيتٌ يُظلُّه.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقال: إن الله أخبر أنه سائلٌ هؤلاء القومَ عن النعيم، ولم يخصُص في خبرِه أنه سائلهم عن نوعٍ من النعيم دون نوعٍ، بل عمَّ بالخبر في ذلك عن الجميع، فهو سائلهم كما قال عن جميع النعيم، لا عن بعض دونَ بعض.
آخرُ تفسير سورة "ألهاكم"
تفسير سورة "والعصر"
﷽
﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾
يقول تعالى: شغلكم حب الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها، وتمادى بكم ذلك حتى جاءكم الموت وزرتم المقابر، وصرتم من أهلها؟!
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا زكريا بن يحيى الوَقار المصري، حدثنا خالد بن عبد الدايم، عن ابن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ: " (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) عن الطاعة، (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) حتى يأتيكم الموت".
وقال الحسن البصري: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) في الأموال والأولاد.
ْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) عن الطاعة، (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) حتى يأتيكم الموت".
وقال الحسن البصري: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) في الأموال والأولاد.
وفي صحيح البخاري، في "الرقاق" منه: وقال لنا أبو الوليد: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، عن أبي بن كعب قال: كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) يعني: "لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب".
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة: سمعت قتادة يحدث عن مُطْرِّف -يعني ابن عبد الله بن الشخير-عن أبيه قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يقول: " (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) يقول ابن آدم: مالي مالي. وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟ ".
ورواه مسلم والترمذي والنسائي، من طريق شعبة، به.
وقال مسلم في صحيحه: حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا حفص بن ميسرة، عن العلاء، عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يقول العبد: مالي مالي؟
ق شعبة، به.
وقال مسلم في صحيحه: حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا حفص بن ميسرة، عن العلاء، عن أبيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يقول العبد: مالي مالي؟ وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدق فاقتنى وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس". تفرد به مسلم.
وقال البخاري: حدثنا الحُمَيدي، حدثنا سفيان، حدثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، سمع أنس بن مالك يقول: قال رسول الله ﷺ: "يتبع الميت ثلاثةٌ، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله".
وكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي، من حديث سفيان بن عيينة، به.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى، عن شعبة، حدثنا قتادة، عن أنس: أن النبي ﷺ قال: "يهرم ابن آدم وتبقى منه اثنتان: الحرص والأمل". أخرجاه في الصحيحين.
وذكر الحافظ ابن عساكر، في ترجمة الأحنف بن قيس -واسمه الضحاك-أنه رأى في يد رجل درهما فقال: لمن هذا الدرهم؟ فقال الرجل: لي. فقال: إنما هو لك إذا أنفقته في أجر أو ابتغاء شكر.
في ترجمة الأحنف بن قيس -واسمه الضحاك-أنه رأى في يد رجل درهما فقال: لمن هذا الدرهم؟ فقال الرجل: لي. فقال: إنما هو لك إذا أنفقته في أجر أو ابتغاء شكر. ثم أنشد الأحنف متمثلا قول الشاعر:
أنتَ للمال إذا أمسكتَه … فإذا أنفقتَه فالمالُ لَكْ
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة قال: صالح بن حيان حدثني عن ابن بريدة في قوله: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) قال: نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار، في بني حارثة وبني الحارث، تفاخروا وتكاثروا، فقالت إحداهما: فيكم مثلُ فلان بن فلان، وفلان؟ وقال الآخرون مثل ذلك، تفاخروا بالأحياء، ثم قالوا: انطلقوا بنا إلى القبور. فجعلت إحدى الطائفتين تقول: فيكم مثل فلان؟ يشيرون إلى القبر -ومثل فلان؟
لان؟ وقال الآخرون مثل ذلك، تفاخروا بالأحياء، ثم قالوا: انطلقوا بنا إلى القبور. فجعلت إحدى الطائفتين تقول: فيكم مثل فلان؟ يشيرون إلى القبر -ومثل فلان؟ وفعل الآخرون مثل ذلك، فأنزل الله: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) لقد كان لكم فيما رأيتم عبرة وشغل.
وقال قتادة: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) كانوا يقولون نحن أكثر من بني فلان ونحن أعَدُّ من بني فلان، وهم كل يوم يتساقطون إلى آخرهم، والله ما زالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم.
والصحيح أن المراد بقوله: (زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) أي: صرتم إليها ودفنتم فيها، كما جاء في الصحيح: أن رسول الله ﷺ دخل على رجل من الأعراب يعوده، فقال: "لا بأس، طهور إن شاء الله". فقال: قلت: طَهُور؟! بل هي حمى تفور، على شيخ كبير، تُزيره القبور!
صحيح: أن رسول الله ﷺ دخل على رجل من الأعراب يعوده، فقال: "لا بأس، طهور إن شاء الله". فقال: قلت: طَهُور؟! بل هي حمى تفور، على شيخ كبير، تُزيره القبور! قال: "فَنَعَم إذًا".
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، أخبرنا حكام بن سلم الرازي، عن عمرو بن أبي قيس، عن الحجاج، عن المنْهال، عن زر بن حُبَيْش، عن علي قال: ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ)
ورواه الترمذي عن أبي كُرَيب، عن حَكَّام بن سلم [به] وقال: غريب.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سلمة بن داود العُرضي حدثنا أبو المليح الرقي، عن ميمون بن مهران قال: كنت جالسا عند عمر بن عبد العزيز، فقرأ: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) فلبث هنيهة فقال: يا ميمون، ما أرى المقابر إلا زيارة، وما للزائر بد من أن يرجع إلى منزله.
قال أبو محمد: يعني أن يرجع إلى منزله -إلى جنة أو نار.
ابِرَ) فلبث هنيهة فقال: يا ميمون، ما أرى المقابر إلا زيارة، وما للزائر بد من أن يرجع إلى منزله.
قال أبو محمد: يعني أن يرجع إلى منزله -إلى جنة أو نار. وهكذا ذُكر أن بعضَ الأعراب سمع رجلا يتلو هذه الآية: (حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ) فقال: بُعثَ اليوم ورَب الكعبة. أي: إن الزائر سيرحل من مقامه ذلك إلى غيره.
وقوله: (كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) قال الحسن البصري: هذا وعيد بعد وعيد.
وقال الضحاك: (كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) يعني: الكفار، (ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) يعني: أيها المؤمنون.
وقوله: (كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ) أي: لو علمتم حق العلم، لما ألهاكم التكاثر عن طلب الدار الآخرة، حتى صرتم إلى المقابر.
: أيها المؤمنون.
وقوله: (كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ) أي: لو علمتم حق العلم، لما ألهاكم التكاثر عن طلب الدار الآخرة، حتى صرتم إلى المقابر.
ثم قال: (لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ) هذا تفسير الوعيد المتقدم، وهو قوله: (كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) تَوعَّدَهم بهذا الحال، وهي رؤية النار التي إذا زفرت زفرة خَرَّ كل ملك مقرب، ونبي مرسل على ركبتيه، من المهابة والعظمة ومعاينة الأهوال، على ما جاء به الأثر المروي في ذلك.
وقوله: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) أي: ثم لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم الله به عليكم، من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك.
وي في ذلك.
وقوله: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) أي: ثم لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم الله به عليكم، من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك. ما إذا قابلتم به نعمه من شكره وعبادته.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا زكريا بن يحيى الخزاز المقري، حدثنا عبد الله بن عيسى أبو خالد الخزاز، حدثنا يونس بن عبيد، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: خرج رسول الله ﷺ عند الظهيرة، فوجد أبا بكر في المسجد فقال: "ما أخرجك هذه الساعة؟ " قال: أخرجني الذي أخرجك يا رسول الله. قال: وجاء عمر بن الخطاب فقال: "ما أخرجك يا ابن الخطاب؟ " قال أخرجني الذي أخرجكما. قال: فقعد عمر، وأقبل رسول الله ﷺ يحدثهما، ثم قال: "هل بكما من قوة، تنطلقان إلى هذا النخل فتصيبان طعامًا وشرابًا
وظلا؟ " قلنا: نعم. قال: "مُروا بنا إلى منزل ابن التَّيهان أبي الهيثم الأنصاري".
ثم قال: "هل بكما من قوة، تنطلقان إلى هذا النخل فتصيبان طعامًا وشرابًا
وظلا؟ " قلنا: نعم. قال: "مُروا بنا إلى منزل ابن التَّيهان أبي الهيثم الأنصاري". قال: فتقدم رسول الله ﷺ بين أيدينا، فسلم واستأذن -ثلاث مرات-وأم الهيثم من وراء الباب تسمع الكلام، تريد أن يزيدها رسول الله ﷺ من السلام، فلما أراد أن ينصرف خرجت أم الهيثم تسعى خلفهم، فقالت: يا رسول الله، قد -والله-سمعت تسليمك، ولكن أردت أن تزيدنا من سلامك. فقال لها رسول الله ﷺ: "خيرًا". ثم قال: "أين أبو الهيثم؟ لا أراه". قالت: يا رسول الله، هو قريب ذهب يَستعذبُ الماء، ادخلوا فإنه يأتي الساعة إن شاء الله، فبسطت -بساطا تحت شجرة، فجاء أبو الهيثم ففرح بهم وقرت عيناه بهم، فصعد على نخلة فصرم لهم أعذاقًا، فقال له رسول الله ﷺ: "حَسْبُكَ يا أبا الهيثم".
الله، فبسطت -بساطا تحت شجرة، فجاء أبو الهيثم ففرح بهم وقرت عيناه بهم، فصعد على نخلة فصرم لهم أعذاقًا، فقال له رسول الله ﷺ: "حَسْبُكَ يا أبا الهيثم". قال: يا رسول الله، تأكلون من بُسره، ومن رطبه، ومن تَذْنُوبه، ثم أتاهم بماء فشربوا عليه، فقال رسول الله ﷺ: "هذا من النعيم الذي تسألون عنه" هذا غريب من هذا الوجه.
وقال ابن جرير: حدثني الحُسَين بن علي الصدائي، حدثنا الوليد بن القاسم، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: بينما أبو بكر وعمر جالسان، إذ جاءهما النبي ﷺ فقال: "ما أجلسكما هاهنا؟ " قالا والذي بعثك بالحق ما أخرجنا من بيوتنا إلا الجوع. قال: "والذي بعثني بالحق ما أخرجني غيره". فانطلقوا حتى أتوا بيت رجل من الأنصار، فاستقبلتهم المرأة، فقال لها النبي ﷺ: "أين فلان؟ " فقالت: ذهب يستعذب لنا ماء. فجاء صاحبهم يحمل قربته فقال: مرحبا، ما زار العباد شيء أفضل من شيء زارني اليوم. فعلق قربته بكرب نخلة وانطلق فجاءهم بعذق، فقال النبي ﷺ: "ألا كنت اجتنيت"؟
اء صاحبهم يحمل قربته فقال: مرحبا، ما زار العباد شيء أفضل من شيء زارني اليوم. فعلق قربته بكرب نخلة وانطلق فجاءهم بعذق، فقال النبي ﷺ: "ألا كنت اجتنيت"؟ فقال: أحببت أن تكونوا الذين تختارون على أعينكم. ثم أخذ الشفرة، فقال النبي ﷺ: "إياك والحلوب؟ " فذبح لهم يومئذ، فأكلوا. فقال النبي ﷺ: "لتسألن عن هذا يوم القيامة. أخرجكم من بيوتكم الجوع، فلم ترجعوا حتى أصبتم هذا، فهذا من النعيم".
ورواه مسلم من حديث يزيد بن كيسان، به ورواه أبو يعلى وابن ماجه، من حديث المحاربي، عن يحيى بن عُبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن أبي بكر الصديق، به وقد رواه أهل السنن الأربعة، من حديث عبد الملك بن عمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، بنحو من هذا السياق وهذه القصة.
وقال الإمام أحمد: حدثنا سُرَيج، حدثنا حشرج، عن أبي نُصرة، عن أبي عسيب -يعني
د الملك بن عمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، بنحو من هذا السياق وهذه القصة.
وقال الإمام أحمد: حدثنا سُرَيج، حدثنا حشرج، عن أبي نُصرة، عن أبي عسيب -يعني
مولى رسول الله -قال: خرج رسول الله ﷺ ليلا فمر بي، فدعاني فخرجت إليه، ثم مر بأبي بكر فدعاه فخرج إليه، ثم مر بعمر فدعاه فخرج إليه، فانطلق حتى أتى حائطا لبعض الأنصار، فقال لصاحب الحائط: "أطعمنا". فجاء بِعذْق فوضعه، فأكل رسول الله ﷺ وأصحابه، ثم دعا بماء بارد فشرب، وقال: "لتسألن عن هذا يوم القيامة". قال: فأخذ عُمَرُ العذْقَ فضرب به الأرض، حتى تناثر البُسرُ قبل رسول الله ﷺ ثم قال: يا رسول الله، إنا لمسئول عن هذا يوم القيامة؟
ن عن هذا يوم القيامة". قال: فأخذ عُمَرُ العذْقَ فضرب به الأرض، حتى تناثر البُسرُ قبل رسول الله ﷺ ثم قال: يا رسول الله، إنا لمسئول عن هذا يوم القيامة؟ قال: "نعم، إلا من ثلاثة: خرقة لف بها الرجل عورته، أو كسرة سَدَّ بها جوعته، أو جحر تَدخَّل فيه من الحر والقر" تفرد به أحمد.
وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا حماد، حدثنا عمار، سمعت جابر بن عبد الله يقول: أكل رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر رطبا، وشربوا ماء، فقال رسول الله ﷺ: "هذا من النعيم الذي تسألون عنه".
ورواه النسائي، من حديث حماد بن سلمة [عن عمار بن أبي عمار عن جابر] به.
وقال الإمام أحمد: حدثنا أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا محمد بن عمرو، عن صفوان بن سليم، عن محمود بن الربيع قال: لما نزلت: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) فقرأ حتى بلغ: (لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) قالوا: يا رسول الله، عن أي نعيم نُسأل؟ وإنما هما الأسودان الماء والتمر، وسيوفنا على رقابنا، والعدو حاضر، فعن أي نعيم نسأل؟
َوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) قالوا: يا رسول الله، عن أي نعيم نُسأل؟ وإنما هما الأسودان الماء والتمر، وسيوفنا على رقابنا، والعدو حاضر، فعن أي نعيم نسأل؟ قال أما إن ذلك سيكون".
وقال أحمد: حدثنا أبو عامر، عبد الملك بن عمرو، حدثنا عبد الله بن سليمان، حدثنا معاذ بن عبد الله بن حُبَيب، عن أبيه، عن عمه قال: كنا في مجلس فطلع علينا النبي ﷺ وعلى رأسه أثر ماء، فقلنا: يا رسول الله، نراك طيب النفس. قال: "أجل". قال: ثم خاض الناس في ذكر الغنى، فقال رسول الله ﷺ: "لا بأس بالغنى لمن اتقى الله، والصحة لمن اتقى الله خير من الغنى، وطيب النفس من النعيم".
ورواه ابن ماجه، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن خالد بن مخلد، عن عبد الله بن سليمان، به.
وقال الترمذي: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا شبابة، عن عبد الله بن العلاء، عن الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزم الأشعري قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال النبي ﷺ: "إن أول ما يسأل عنه -يعني يوم القيامة-العبد من النعيم أن يقال له: ألم نُصِحّ لك جسمك، ونُرْوكَ من الماء البارد؟ ".
تفرد به الترمذي.
يقول: قال النبي ﷺ: "إن أول ما يسأل عنه -يعني يوم القيامة-العبد من النعيم أن يقال له: ألم نُصِحّ لك جسمك، ونُرْوكَ من الماء البارد؟ ".
تفرد به الترمذي. ورواه ابن حبان في صحيحه، من طريق الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن العلاء بن زَيْر، به.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا مُسَدَّد، حدثنا سفيان، عن محمد بن عمرو، عن يحيى بن حاطب، عن عبد الله بن الزبير قال: قال الزبير: لما نزلت: ([ثُمَّ] لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) قالوا: يا رسول الله، لأي نعيم نسأل عنه، وإنما هما الأسودان التمر والماء؟ قال: "إن ذلك سيكون". وكذا رواه الترمذي وابن ماجه، من حديث سفيان -هو ابن عيينة-به ورواه أحمد عنه وقال الترمذي: حسن.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة قال: لما نزلت هذه الآية: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) قالت الصحابة: يا رسول الله، وأي نعيم نحن فيه، وإنما نأكل في أنصاف بطوننا خبز الشعير؟
نزلت هذه الآية: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) قالت الصحابة: يا رسول الله، وأي نعيم نحن فيه، وإنما نأكل في أنصاف بطوننا خبز الشعير؟ فأوحى الله إلى نبيه ﷺ: قل لهم: أليس تحتذون النعال، وتشربون الماء البارد؟ فهذا من النعيم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا محمد بن سليمان بن الأصبهاني، عن ابن أبي ليلى -أظنه عن عامر-عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ في قوله: ([ثُمَّ] لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) قال: "الأمن والصحة".
وقال زيد بن أسلم، عن رسول الله ﷺ: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) يعني: شبع البطون، وبارد الشراب، وظلال المساكن، واعتدال الخلق، ولذة النوم. رواه ابن أبي حاتم بإسناده المتقدم، عنه في أول السورة.
وقال سعيد بن جبير: حتى عن شربة عسل. وقال مجاهد: عن كل لذة من لذات الدنيا. وقال الحسن البصري: نعيم الغداء والعشاء، وقال أبو قِلابة: من النعيم أكل العسل والسمن بالخبز النقي.
عن شربة عسل. وقال مجاهد: عن كل لذة من لذات الدنيا. وقال الحسن البصري: نعيم الغداء والعشاء، وقال أبو قِلابة: من النعيم أكل العسل والسمن بالخبز النقي. وقول مجاهد هذا أشمل هذه الأقوال.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) قال: النعيم: صحة الأبدان والأسماع والأبصار، يسأل الله العباد فيما استعملوها، وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦].
وثبت في صحيح البخاري، وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجه، من حديث عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ:
"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ".
ومعنى هذا: أنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين، لا يقومون بواجبهما، ومن لا يقوم بحق ما وجب عليه، فهو مغبون.
ن مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ".
ومعنى هذا: أنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين، لا يقومون بواجبهما، ومن لا يقوم بحق ما وجب عليه، فهو مغبون.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا القاسم بن محمد بن يحيى المروزي، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا أبو حمزة، عن ليث، عن أبي فزارة، عن يزيد بن الأصم، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "ما فوق الإزار، وظل الحائط، وخُبْز، يحاسب به العبد يوم القيامة، أو يسأل عنه" ثم قال: لا نعرفه إلا بهذا الإسناد.
وقال الإمام أحمد: حدثنا بهز وعفان قالا حدثنا حماد -قال عفان في حديثه: قال إسحاق بن عبد الله، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "يقول الله، ﷿ -قال عفان: يوم القيامة-: يا ابن آدم، حملتك على الخيل والإبل، وزوجتك النساء، وجعلتك تَرْبَع وترأس، فأين شكر ذلك؟
هريرة، عن النبي ﷺ قال: "يقول الله، ﷿ -قال عفان: يوم القيامة-: يا ابن آدم، حملتك على الخيل والإبل، وزوجتك النساء، وجعلتك تَرْبَع وترأس، فأين شكر ذلك؟ " تفرد به من هذا الوجه.
آخر تفسير سورة "التكاثر" [ولله الحمد والمنة]
تفسير سورة العصر
وهي مكية.
ذكروا أن عمرو بن العاص وفد على مسيلمة الكذاب [لعنه الله] وذلك بعد ما بعث رسول الله ﷺ وقبل أن يسلم عمرو، فقال له مسيلمة: ماذا أنزل على صاحبكم في هذه المدة؟ قال لقد أنزل عليه سورة وجيزة بليغة. فقال: وما هي؟ فقال: " وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ" ففكر مسيلمة هُنَيهة ثم قال: وقد أنزل علي مثلها. فقال له عمرو: وما هو؟ فقال: يا وَبْر يا وَبْر، إنما أنت أذنان وصَدْر، وسائرك حفز نَقْز. ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟
هُنَيهة ثم قال: وقد أنزل علي مثلها. فقال له عمرو: وما هو؟ فقال: يا وَبْر يا وَبْر، إنما أنت أذنان وصَدْر، وسائرك حفز نَقْز. ثم قال: كيف ترى يا عمرو؟ فقال له عمرو: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك تكذب
وقد رأيت أبا بكر الخرائطي أسند في كتابه المعروف ب "مساوئ الأخلاق"، في الجزء الثاني منه، شيئًا من هذا أو قريبا منه.
والوبْر: دويبة تشبه الهر، أعظم شيء فيه أذناه، وصدره وباقيه دميم. فأراد مسيلمة أن يركب من هذا الهذيان ما يعارض به القرآن، فلم يرج ذلك على عابد الأوثان في ذلك الزمان.
وذكر الطبراني من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الله بن حصن [أبي مدينة]، قال: كان الرجلان من أصحاب رسول الله ﷺ إذا التقيا، لم يتفرقا إلا على أن يقرأ أحدهما على الآخر "سورة العصر" إلى آخرها، ثم يسلم أحدهما على الآخر.
وقال الشافعي، ﵀: لو تدبر الناس هذه السورة، لوسعتهم.
﷽